الزهر الفائح في ذكر من تنزه عن الذنوب والقبائح
محقق
محمد عبد القادر عطا
الناشر
دار الكتب العلمية
الإصدار
الأولى
سنة النشر
١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م
مكان النشر
بيروت - لبنان
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المؤلف
رب يسر ولا تعسر، بسم الله أبتدئ، وبكتابه أقتدي، وبسنّة نبيَه أهتدي. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسلما كثيرًا إلى يوم الدين.
أما بعد.. فإن حقوق الله تعالى أعظم من أن يقوم العبد بها، وأن نعمه اكثر من أن تحصى وتعد، ولكن عباد الله أصبحوا نادمين، وأمسوا تائبين. فإن الله ﷾ له علينا حقوق، وشرط علينا شروطًا كثيرة، فينبغي لنا أن نؤديها.
فلا تكن يا أخي غافلًا عنها فأنت تحاسب بها يوم القيامة، وإذا أردت أمرًا من أمور الدنيا فعليك بالتردد فيه، فإن رأيته موافقًا لآخرتك فخذه، وإلا فقف عنه حتى تنظر من أخذه؟ كيف عمل في؟ وكيف نجا منه؟ ونسأل الله السلامة.
وإذا أردت أمرًا من أمور الآخرة فشمر إليه وأسرع من قبل أن يحول بينك وبينه الشيطان.
وإياك أن تخون مؤمنًا، فمن خان مؤمنًا فقد خان الله ورسوله.
وعليك بتقوى الله والعمل بما علمك الله، والمراقبة لله تعالى حيث لا يراك
1 / 9
أحد إلا الله.
وإياك والحرام، فإنه لا يدخل الجنة لحم نبت من حرام.
وإياك والطمع، فإن الطمع هلاك الدين وإياك أن تضلل نفسك.
وأحذر يا أخي أن يراك الله مشتغلًا بغيره فتسقط من عينه، ولا تكن غافلًا عنه فإنه ليس بغافل عنك.
وعليك بتقوى الله العظيم وأن لا يفارق ذكر الموت قلبك، وأن يكون ذكر الله ﷿ لازمًا لسانك وقلبك، وأن تديم النظر في كونه مطلعًا عليك.
فعليك بالاستغفار لما قد سلف عن ذنوبك، واسأل الله السلامة لما بقي من عمرك. وإياك أن تخرج من الدنيا على غير توبة.
واعلم يا أخي أنك ميت، ومبعث، ومحاسب بعملك، ثم الوقوف بين يدي الله وأنت خاضع وذليل، قد نشر ديوانك وطهر كتابك، والجنة عن يمينك والنار عن يسارك والصراط بين يديك والله ﷿ مطلع عليك، يقول لك: إقرأ كتابك.. وأنت مشفق مما فيه حذرًا من فضائحه ودواهيه. فإن كنت سعيدًا فإلى جنة عالية، وإن كنت شقيا فإلى نار حامية.
فتزود يا أخي لنفسك ... ومثل الآخرة عليك بقلبك. واجعل الموت بين عينيك.. ولا تنس وقوفك بين يدي الله ﷿ ... وكن من الله على وجل.. وأد فرائض الله ... وكف عن محارم الله وخالف هواك.. واذكر الله ﷿ في كل وقت.. واحمد الله على كل حال.. واجعل شوقك إلى الجنة ... واستعذ بالله تعالى من النار.. وإياك ومخالفة الله تعالى فيما أمرك به ودعاك إليه.. واعلم أن بين يديك أهوالا وموقف.
فإن استطعت يا أخي أن تعد لك كل يوم زاد لما بين يديك فافعل، فإن
1 / 10
الأمر أعجل من ذلك.
فتزود يا أخي لنفسك وخذ في جهازك، وكن وصي نفسك..
واعلم يا أخي أن الليل والنهار لا يرجعان، والعمل لا يعود والطالب حثيثما، والليل والنهار يسرعان في هدم نفسك وفناء عمرك وانقضاء أجلك.
فلا تطمئن يا أخي حتى تعلم أين مسكنك ومصيرك ومستقرك ومنزلك.
فانظر لنفسك، واَقض ما فاتك، وأقض ما أنت قاض من أمرك. وكأني بالأمر يأتيك على بغتة.
وإنني لا أقول ولا ًاعلم أحدا أشد تضييقًا مني لذلك، فكأنك بالقيامة وقد قامت، وبالنفس الأمارة وقد لامت، وانفجعت عين طال ما نامت، ونحرت قلوب العصاة وقد هامت وقيل في المعنى شعر:
غدا توفي النفوس ما كسبت ... ويحصد الزارعون ما
زرعوا إن أحسنوا أحسنوا لأنفسهم ... وإن أساؤوا فبئس ما صنعوا
فالله ذو رحمة وذو كرم ... وإن جهلنا فحمله يسع
يا رب اكتبنا اليوم في ملاء ... تمسكوا بالكتاب فانتفعوا
وأغننا واعف عن جريمتنا ... وافن بأمن نتضرع
قال رسول الله ﷺ:.
1 / 11
" يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة عطاشا سكارى حيارى من أهوال يوم القيامة، لا يعلم الرجل بالمرأة، ولا تعلم المرأة بالرجل ".
قال ابن عباس ﵄: " ثم يوكل الله بكل رجل وامرأة ملكين يسوقانه إلى المحشر " وذلك قوله تعالى: " وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد "
قال أيضا: " ثم تقف الخلائق يومئذ مائة وعشرين صفًا، ُ أمة محمد ﷺ معزولون، وهم ثمانون صفًا، ينظرون إلى السماء، وكل أحد منهم مشغول بنفسه، نادم على أفعاله " قال ابن عباس ﵄: " ثم يقفون ثلاثمائة سنة من سنين الدنيا، مائة سنة في العرق يلجمون: ومائة سنة في الظلمة يتحيرون، ومائة سنة بعضهم في بعض يموجون. قد شخصت منهم يومئذ الأحداق، وتطاولت الأعناق، وكثر العطش، وقل الإلتفات، وانقطعت الأصوات وضاقت المذاهب، واشتد القلق، وعظمت الأمور، وطاشت العقول، وكثر البكاء، وفنيت الدموع، وبرزت
1 / 12
الخفيات، وظهرت الخطيئات، وبانت الفضائح، وظهرت القبائح، ووضعت الموازين، ونشرت الأعلام، وبرزت الجحيم، وزفرت النار، وبئس الكفار، وشاب الصغير وسكت الكبير، وسعرت النيران، وتغيرت الألوان، وعظمت الأهوال، وطال القيام، وانقطع الكلام، فلا تسمع إلا همسًا ".
وقال ابن عباس ﵄: " ثم يأمر الله ملكًا أن ينصب الصراط على متن جهنم، وهو أرق من الشعرة، وأحدّ من السيف. طوله ألف عام، عليه كلاليب وخطاطيف، وله سبعة جسور.
فأول ما يحاسب العبد على الإيمان، فإن سلم وإلا هوى في النار. والثاني يحاسب على الصلاة، فإن سلم وإلا هوى في النار. والثالث يحاسب على الزكاة، فإن سلم وإلا هوى في النار. والرابع يحاسب على الصيام، فإن سلم وإلا هوى في النار. والخامس يحاسب على الحج، فإن سلم وإلا هوى في النار. والسادس يحاسب على الوضوء، فإن سلم وإلا هوى في النار. والسابع يحاسب على بر الوالدين، فإن سلم وإلا هوى في النار.
ثم ينادي مناد. يا محمد: قدم أمتك على الحساب، والجواز على الصراط، فمنهم من يجوز على الصراط كالبرق الخاطف، ومنهم من يجوز عليه كالريح العاصف، ومنهم من يجوز كالفرس الجواد، ومنهم من يجوز يحبو على
1 / 13
ركبتيه، ومنهم، يجوز يزحف على وجهه، ومنهم من يجز على وجهه ثم ينجو، ومنهم من يسقط على وجهه في النار. أعاذنا الله وإياكم عنها.
الحشر يوم القيامة
إخواني: تفكروا ما في الحشر والميعاد، ودعوا طول النوم والرقاد، وتفقدوا أعمالكم، فالمناقش ذو انتقام. إن في القيامة لحسرات، وإن عند الميزان لزفرات. فريق في الجنة، وفريقه في السعير. ففريق يرتقون إلى الدرجات، وفريق يهبطون إلى الدركات، وما بينك وبين هذا الأمر إلا أن يقال: فلان قد مات.
يا من كان له قلب فمات.. يا من كان له وقت ففات.. أشرف الأشياء قلبك ووقتك، فإن أنت ضيعت وقتك وأهملت قلبك فقد ذهب منك الفوائد، إن كنت تبكي على ما فات فابك على فرقتك، وإن كنت تبكي على ما مات فابك على قلبك.
وقيل في المعنى شعر:
تأهب للذي لا بد منه ... فإن الموت ميقات العباد
أترضى أن تكون رفيق قوم ... لهم زاد وأنت بغير زاد
وقال أبو أيوب ﵁: " مررت بواعظ وهو يقول لأهل مجلسه: اعملوا فإن أعمالكم تعرض على موتاكم ومعارفكم من الموتى، قال أبو أيوب: اللهم لا تفضحني على رؤوس عبادك يوم القيامة ".
وقال ﷺ: " يحاسب الناس يوم القيامة على ثلاثة أنفار: يوسف الصديق، وسليمان ابن داود، وأيوب ﵈. فأول ما يدعى بالمماليك، فيقول: ما شغلكم عن طاعتي؟ فيقولون: يا ربنا، جعلتنا تحت الآدميين، وابتليتنا
1 / 14
بالرق فاشتغلنا بخدمتهم عن خدمتك، فيدعى بيوسف ﵇، فيقول الله ﷿: هذا كان مملوكًا وما شغله ذلك عن طاعتي، ثم يأمر بهم إلى النار.
ثم يدعى بأهل البلاء، فيقول الله ﷿: ما شغلكم عن عبادتي؟ فيقولون: يا ربنا، ابتليتنا ببلائك فشغلنا ذلك عن عبادتك، فيدعى بأيوب ﵇، فيقول: هذا ابتليته بأشد البلاء، وما شغله ذلك عن طاعتي، فيؤمر بهم إلى النار.
ثم يدعى بالأغنياء، فيقول لهم: ما شغلكم عن طاعتي؟ فيقولون: يا ربنا، أعطيتنا المال فاشتغلنا به عن طاعتك، فيدعى بسليمان ﵇، فيقول: هذا أعطيته المال أكثر مما أعطيتكم، وما شغله ذلك عن طاعتي، فيؤمر بهم إلى النار ".
حاسب نفسك
إخواني: للدنيا تخدمون، وبالليل على فراشكم تنامون، ثم تقولون وانتم لا تفعلون، وكم تعاهدون وتنقضون، وكم تشاهدون اليسر ولا تعتبرون.
يا مضيعون الأعمار في الغفلة على ماذا تتكلون؟ والموت والحسام والعقالب بين أيديكم..
أما تعلمون؟ كلا سوف تعلمون، ثم كلا سوف تعلمون، هنالك تطلبون الإقالة فلا تقالون، وتطلبون الرجعة فلا ترجعون.
أي تطلبون الرجعة إلى الدنيا طمعًا في أن تعملوا عملا صالحًا غير الذي كنتم تعملون، فلا إلى الدنيا ترجعون، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقال الحسن البصري: " عجبت لأقوام أمروا بالزاد ونودي فيهم بالرحيل
1 / 15
وهم يلعبون ".
وقيل في المعنى شعر:
لو يعلم الخلق ما يراد بهم ... وأيما مورد غدا يردوا
ما استعذبوا لذة الحياة ولا ... طاب لهم عيشهم ولا رقدوا
خوفا من العرض والصراط على ... نار تلظي وحرها يقد
قال إبراهيم بن أدهم ﵁: " دخلت على بعض إخواني أعوده، فجعل يتنفس ويتأسف، فقلت له: على ماذا تتنفس وتتأسف؟ فقال: ما تأسفي على البقاء في الدنيا، ولكن تأسفي على ليلة نمتها، ويوم افطرته، وساعة غفلت فيها عن ذكر الله تعالى "..
وقال الجنيد ﵁: " لولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا ".
وقال بعض الصالحين: " لي أربعون سنة ما غمني إلا طلوع الفجر ".
وقيل لزيد بن هارون: " كم تصلي في الليل؟ فقال: أو أنام منه شيئًا إذا لا أنام الله لي منه عينًا أبدًا ".
1 / 16
وروي عن مطرف رضي الله عن أنه كان يقول: " لا يراني الله آكلا نهارًا، ولا نائمًا ليلًا أبدًا ".
وكان ثابت البناني ﵁ يصلي كل يوم ثلاثمائة وستين ركعة، وكان يقول في دعائه: " اللهم إن كنت أعطيت أحدًا الصلاة في فبره، فأعطني ذلك. وذكر بعض أصحابه أنه كان يقول: " رأيته في منامي وهو قائم يصلي في قبره ".
وروي عن علي بن عبد الله عنه، أنه كان يسجد في كل يوم ألف سجدة وكانوا يسمونه السجاد.
وروي عن أويس القرني ﵁ أنه قال: " والله لأعبدن تعالى عبادة الملائكة، فليلة معظمها قائمًا، وليلة معظمها سجدًا " وقيل أن عامر بن قيس ﵁ كان يقول: " والله لاجتهدن، فإن نجوت فبرحمة الله، وأن هلكت فبعد جهدي " وكان مسروق ﵁ يصلي حتى انتفخت عيناه وقدماه.
وكان مسلم الخولاني ﵁ قد علق صوتًا ببيته يخوف به نفسه، وكان يقول لنفسه: " قومي خيراُ لله، فو الله لأرجفن بك حتى يكون الكل منك لامني. فإذا دخل أنفرد وتناول السوط، فيضرب به رجليه ويقول
1 / 17
لنفسه: " أنت أحق بالضرب من دابتي "..
وكان يقول: لا يظن أصحابي أنهم قد فازوا، فو الله لزاحمهم يوم القيامة حتى يعلموا أنهم خلفوا ورائهم رجالًا ".
وكان ضيغم قد تعبد قائمًا حتى أقعد، ومقعدًا حتى استلقى، ومستلقيًا حتى مات وهو ساجد، وكان يقول في دعائه: لا اللهم إني أحب لقاء فأحبب ".
وقالت امرأة حسان ﵂: " كان حسان إذا آوى إلى فراشه جعل يخادعني كما تخادع المرأة ولدها، فإذا نمت شد روحه وقام إلى الصلاة، فأقول له: يا عبد الله رفقًا بنفسك، فيقول: اسكتي، ويحك، فو الله لأرقدن رقدة لا أقوم منها زمنًا طويلا ".
وكان الربيع بن خثيمة ﵁ لا ينام الليل ويخاف البيات، وكان يبكي ليلًا ولا نهارًا، ولا يفتكن البكاء.
وكان السري السقطي ﵁ يدافع البكاء في أول الليل، فإذا نام الناس أخذ في البكاء إلى الصباح.
وكان ضيغم ﵁ يقول: " لو علمت أن رضاه لي في تقريض لحمي بالمقاريض لفعلت ذلك ".
وكان بشر ﵁ لا يزال مهمومًا، فقيل له في ذلك، فقال: " إني مطلوب، وكان لا ينام الليل ": وكان يقول: " أخاف أن يأتيني أمره وأنا نائم ".
1 / 18