ولاية الله والطريق إليها

محقق

إبراهيم إبراهيم هلال

الناشر

دار الكتب الحديثة

مكان النشر

مصر / القاهرة

تَقْدِيم
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
و[ﷺ] على سيد الْمُرْسلين، وَآله الأكرمين، وَرَضي الله عَن صحابته الأفضلين.
وَبعد.
فَإِنَّهُ لما كَانَ حَدِيث: (من عَاد لي وليا) قد اشْتَمَل على فَوَائِد كَثِيرَة النَّفْع، جليلة الْقدر لمن فهمها حق فهمها، وتدبرها كَمَا يَنْبَغِي، أَحْبَبْت أَن أفرد هَذَا الحَدِيث الْجَلِيل بمؤلف مُسْتَقل، أنشر من فَوَائده مَا تبلغ إِلَيْهِ الطَّاقَة ويصل إِلَيْهِ الْفَهم، وَمَا أحقه بِأَن يفرد بالتأليف، فَإِنَّهُ قد اشْتَمَل على كَلِمَات كلهَا دُرَر، الْوَاحِدَة مِنْهَا تحتهَا من الْفَوَائِد، مَا ستقف على الْبَعْض مِنْهُ. وَكَيف لَا يكون كَذَلِك وَقد حَكَاهُ عَن الرب سُبْحَانَهُ من أُوتِيَ جَوَامِع الْكَلم، وَمن هُوَ أفْصح من نطق بالضاد، وَخير الْعَالم بأسره، وَأجل خلق الله، وَسيد ولد آدم [ﷺ]؟
وَلم يسْتَوْف شرَّاح الحَدِيث ﵏ مَا يسْتَحقّهُ هَذَا الحَدِيث من الشَّرْح.

1 / 217

فَإِن ابْن حجر ﵀ لم يشرحه فِي فتح الْبَارِي إِلَّا بِنَحْوِ ثَلَاث ورق مَعَ أَن شَرحه أكمل شرح البُخَارِيّ، وأكثرها تَحْقِيقا، وأعمها نفعا. وَلَا حَاجَة لنا فِي الْكَلَام على رجال إِسْنَاده، فقد أجمع أهل هَذَا الشَّأْن أَن أَحَادِيث الصَّحِيحَيْنِ، أَو أَحدهمَا كلهَا من الْمَعْلُوم صدقه المتلقى بِالْقبُولِ الْمجمع على ثُبُوته. وَعند هَذِه الإجماعات تنْدَفع كل شُبْهَة، وَيَزُول كل تشكيك.
وَقد دفع أكَابِر الْأَئِمَّة من تعرض للْكَلَام على شَيْء مِمَّا فيهمَا، وردوه أبلغ رد، وبينوا صِحَّته أكمل بَيَان. فَالْكَلَام على إِسْنَاده بعد هَذَا، لَا يَأْتِي بفائدة يعْتد بهَا. فَكل رُوَاته قد جازوا القنطرة، وارتفع عَنْهُم القيل والقال، وصاروا أكبر من أَن يتَكَلَّم فيهم بِكَلَام، أَو يتناولهم طعن طَاعن، أَو توهين موهن.
وسميته (قطر الْوَلِيّ على حَدِيث الْوَلِيّ) . قَالَ فِي الصِّحَاح: وَالْوَلِيّ الْمَطَر

1 / 218

بعد الوسمى، سمي وليا لِأَنَّهُ يَلِي الوسمى. وَهُوَ من
حَدِيث أبي هُرَيْرَة. وَلَفظه فِي البُخَارِيّ هَكَذَا. قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ﷺ]: (إِن الله ﵎ قَالَ: من عادى لي وليا، فقد آذنته بِالْحَرْبِ، وَمَا تقرب إليَّ عَبدِي بِشَيْء أحب إِلَيّ مِمَّا افترضت عَلَيْهِ، وَمَا يزَال عَبدِي يتَقرَّب إليَّ بالنوافل حَتَّى أحببته فَإِذا أحببته، كنت سَمعه الَّذِي يسمع بِهِ، وبصره الَّذِي يُبصر بِهِ، وَيَده الَّذِي يبطش بهَا، وَرجله الَّذِي يمشي بهَا، وَإِن سَأَلَني أَعْطيته، وَإِن استعاذني أعذته، وَمَا ترددت عَن شَيْء أَنا فَاعله ترددى عَن نفس الْمُؤمن يكره الْمَوْت، وأكره إساءته ". انْتهى.

1 / 219

قَوْله: " إِن الله [تبَارك] وَتَعَالَى "، قَالَ: هَذَا من الْأَحَادِيث الإلهية القدسية، وَهُوَ يحْتَمل أَن يكون مِمَّا تَلقاهُ [ﷺ]، عَن ربه بِلَا وَاسِطَة، وَيحْتَمل أَن يكون مِمَّا تَلقاهُ [ﷺ] عَن ربه بِوَاسِطَة الْملك. قَالَ الْكرْمَانِي: " يحْتَمل أَن يكون من الْأَحَادِيث القدسية، وَيحْتَمل أَن يكون لبَيَان الْوَاقِع وَالرَّاجِح الأول ".
وَقد وَقع فِي بعض طرق هَذَا الحَدِيث أَنه [ﷺ] حدث بِهِ عَن جِبْرِيل عَن الله ﷿.

1 / 220

الْفَصْل الأول
من هُوَ الْوَلِيّ؟

1 / 221

فارغة.

1 / 222

قَوْله: من عادى لي وليا. قَالَ فِي الصِّحَاح: وَالْوَلِيّ ضد الْعَدو انْتهى. وَالْولَايَة ضد الْعَدَاوَة. وأصل الْولَايَة الْمحبَّة والتقرب كَمَا ذكره أهل اللُّغَة، وأصل الْعَدَاوَة البغض والبعد. قَالَ ابْن حجر فِي فتح الْبَارِي: المُرَاد بولِي الله الْعَالم بِاللَّه تَعَالَى [المواظب] على طَاعَته المخلص فِي عِبَادَته " انْتهى.
وَهَذَا التَّفْسِير للْوَلِيّ، هُوَ الْمُنَاسب لِمَعْنى الْوَلِيّ الْمُضَاف إِلَى الرب سُبْحَانَهُ. وَيدل على ذَلِك مَا فِي الْآيَات القرآنية. كَقَوْلِه سُبْحَانَهُ: ﴿أَلا إِن أَوْلِيَاء الله لَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ الَّذين آمنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُم الْبُشْرَى فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة لَا تَبْدِيل لكلمات الله ذَلِك هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم﴾
وَكَقَوْلِه ﷿: ﴿الله ولي الَّذين آمنُوا يخرجهم من الظُّلُمَات إِلَى النُّور﴾ .
وَكَقَوْلِه سُبْحَانَهُ: (يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا من يرْتَد مِنْكُم عَن دينه فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ، أَذِلَّة على الْمُؤمنِينَ أعزة على الْكَافرين، يجاهدون فِي سَبِيل الله، وَلَا يخَافُونَ لومة لائم، ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء، وَالله وَاسع عليم. إِنَّمَا وَلِيكُم الله وَرَسُوله وَالَّذين آمنُوا الَّذين يُقِيمُونَ الصَّلَاة وَيُؤْتونَ الزَّكَاة وهم رَاكِعُونَ. وَمن يتول الله وَرَسُوله وَالَّذين آمنُوا، فَإِن حزب الله هم

1 / 223

الغالبون﴾ . وَغير ذَلِك من الْآيَات. فأولياء الله هم خلص عباده القائمون بطاعاته المخلصون لَهُ.
أفضل الْأَوْلِيَاء:
وَأفضل أَوْلِيَاء الله هم الْأَنْبِيَاء، وَأفضل الْأَنْبِيَاء هم المُرْسَلُونَ، وَأفضل الرُّسُل هم أولو الْعَزْم: نوح وَإِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى، وَمُحَمّد [ﷺ] . وَأفضل أولي الْعَزْم نَبينَا مُحَمَّد [ﷺ]، وَهُوَ الَّذِي أنزل الله سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ: ﴿قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله﴾ فَجعل سُبْحَانَهُ صدق محبَّة الله ﷿ متوقفة على اتِّبَاعه، وَجعل اتِّبَاعه سَبَب حُصُول الْمحبَّة من الله سُبْحَانَهُ.
وَقد ادَّعَت الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَنهم أَبنَاء الله وأحباؤه وأولياؤه. ﴿قل فَلم يعذبكم بذنوبكم، بل أَنْتُم بشر مِمَّن خلق، يغْفر لمن يَشَاء، ويعذب من يَشَاء، وَللَّه ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض، وَمَا بَينهمَا وَإِلَيْهِ الْمصير﴾ . بل ادعوا أَنه لَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا من كَانَ مِنْهُم. (وَقَالُوا لن يدْخل الْجنَّة إِلَّا من كَانَ هودًا أَو نَصَارَى تِلْكَ أمانيهم، قل هاتوا برهانكم إِن كُنْتُم صَادِقين.

1 / 224

بلَى من أسلم وَجهه لله وَهُوَ محسن، فَلهُ أجره عِنْد ربه، وَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾ . بل قد ادّعى ذَلِك مشركو الْعَرَب كَمَا حكى الله سُبْحَانَهُ ذَلِك عَنْهُم بقوله: ﴿وَإِذ يمكر بك الَّذين كفرُوا ليثبتوك، أَو يَقْتُلُوك، أَو يخرجوك، ويمكرون ويمكر الله وَالله خير الماكرين﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وَمَا كَانُوا أولياءه، إِن أولياؤه إِلَّا المتقون، وَلَكِن أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ﴾ . وهم فِي الْحَقِيقَة أَوْلِيَاء الشَّيْطَان، كَمَا قَالَ ﷿: ﴿الَّذين آمنُوا يُقَاتلُون فِي سَبِيل الله، وَالَّذين كفرُوا يُقَاتلُون فِي سَبِيل الطاغوت، فَقَاتلُوا أَوْلِيَاء الشَّيْطَان، إِن كيد الشَّيْطَان كَانَ ضَعِيفا﴾ وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَإِذا قَرَأت الْقُرْآن، فاستعذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم، إِنَّه لَيْسَ لَهُ سُلْطَان على الَّذين آمنُوا وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ. إِنَّمَا سُلْطَانه على الَّذين يتولونه، وَالَّذين هم بِهِ مشركون﴾ . وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذ قُلْنَا للْمَلَائكَة اسجدوا لآدَم فسجدوا، إِلَّا إِبْلِيس كَانَ من الْجِنّ، ففسق عَن أَمر ربه، أفتتخذونه وَذريته أَوْلِيَاء من دوني، وهم لكم عَدو بئس للظالمين بَدَلا﴾ . [وَقَالَ سُبْحَانَهُ]: ﴿وَمن يتَّخذ الشَّيْطَان وليا من دون الله فقد خسر خسرانًا مُبينًا﴾ وَقَالَ سُبْحَانَهُ: (الله ولي الَّذين آمنُوا يخرجهم

1 / 225

من الظُّلُمَات إِلَى النُّور، وَالَّذين كفرُوا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النُّور إِلَى الظُّلُمَات﴾ .
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُم الشَّيْطَان يخوف أولياءه، فَلَا تخافوهم، وخافون إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾ ﴿وَقَالَ﴾ (إِنَّا جعلنَا الشَّيَاطِين أَوْلِيَاء للَّذين لَا يُؤمنُونَ﴾ وَقَالَ: ﴿اتَّخذُوا الشَّيَاطِين أَوْلِيَاء من دون الله، وَيَحْسبُونَ أَنهم مهتدون﴾ وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِن الشَّيَاطِين ليوحون إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ ليجادلوكم﴾ . وَقَالَ الْخَلِيل [ﷺ]: ﴿يَا أَبَت إِنِّي أَخَاف أَن يمسك عَذَاب من الرَّحْمَن فَتكون الشَّيْطَان وليا﴾ . وَثَبت عَنهُ [ﷺ] فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا أَنه قَالَ: " إِن آل أبي فلَان لَيْسُوا لي بأولياء، إِنَّمَا ووليِّي الله وَصَالح الْمُؤمنِينَ ". وَهُوَ كَقَوْل الله سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِن تظاهرا عَلَيْهِ، فَإِن الله هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيل وَصَالح الْمُؤمنِينَ، وَالْمَلَائِكَة بعد ذَلِك ظهير﴾ .
طَبَقَات الْأَوْلِيَاء:
قَالَ الإِمَام تَقِيّ الدّين ابْن تَيْمِية ﵀: " (فصل) وأولياء الله

1 / 226