وإذا عادلت هذه الحياة بخلود الأبد علمت أن كل نفس يعدل أكثر من ألف عام في النعيم المقيم الذي لا حصر له، أو خلاف ذلك، وما كان هكذا فلا قيمة له، فلا تضيع جواهر عمرك النفيسة بغير عمل، ولا تذهبها بغير عوض، واجتهد أن لا يخلو نفس من أنفاسك إلا في عمل طاعة أو قربة تتقرب بها، فإنك لو كانت معك جوهرة من جواهر الدنيا، فضاعت منك، لحزنت عليها حزنا شديدا.
بل لو ضاع منك دينار لساءك.
فكيف تفرط في ساعاتك وأوقاتك؟!
وكيف لا تحزن على عمرك الذاهب بغير عوض؟!
وإنني قد خطر لي أن أمثل هذه الدنيا وأهلها كمثل أهل سفينة
ألقتهم الريح إلى جزيرة في البحر: فيها معادن الجواهر كلها من الياقوت والزمرد والزبرجد والبلور والمرجان والدر واللؤلؤ وما دون ذلك إلى العقيق والسيح!
ثم بعد ذلك زلف وحجارة لا قيمة لها، وفيها أنهار وبساتين وفي الجزيرة حمى للملك قد حد له حدودا وأحاط عليه حائطا: فيه خزائن للملك وإماء وولدان، فنزل أهل السفينة في الجزيرة، وقيل لهم: إن مقامكم بها يوم وليلة، فاغتنموا مدتكم القصيرة فيما أمكنكم من أخذ هذه الجواهر الكثيرة:
1- فأما الحازمون: فأسرعوا في تلك الجواهر: ينتقون منها، ويحملونه إلى مخازنهم في السفينة ويجدون ويجتهدون، فإذا تعبوا تذكروا قدر تلك الجواهر التي يحصلونها وكثرة قيمتها وقلة مقامهم في تلك الجزيرة، وأنهم عن قليل رائحون وراحلون منها لا يقدرون على الازدياد، فرفضوا الراحة، وتركوا الدعة، وأقبلوا على الجد والاجتهاد ليلا ونهارا.
وإن عرض لهم النوم تذكروا ذلك فذهب عنهم لذة النوم والكرى، وتمثلوا:
عند الصباح يحمد القوم السرى.
صفحة ٤١
بسم الله الرحمن الرحيم
وإن هذه الدار هي أمنية أهل الجنة وأهل النار!:
فاغتنم رحمك الله حياتك النفيسة واحتفظ بأوقاتك العزيزة واعلم
وإنني قد خطر لي أن أمثل هذه الدنيا وأهلها كمثل أهل سفينة
فاجتهد رحمك الله تعالى في الكون من الفرقة الأولى:
واحترس من مفسدات الأعمال لئلا يفسد عملك ويخيب سعيك فلا تحصل
2- واعلم أنك لا تقدر على معصيته إلا بنعمته التي تفضل بها عليك:
وإن ابتليت بمعصية: فبادر إلى التوبة، والاستغفار، والندم، وابك
ومناجاة العباد رحمهم الله تعالى لربهم كثيرة، ومن أحسنها ما
ولتكن همتك في هذه الدنيا: التقرب إلى ربك الكريم، وطلب فضله