أصول الأحكام الجزء الأول
قلنا: أما الدية والصدقة فالمعتبر فيه بالأسنان دون سائر الصفات، وليس كذلك السلم، وأما المهر فإنه يجوز أن يتزوج الرجل امرأة على مهر المثل وإن لم يكن معلوما، وكذلك يجوز أن يتزوجها بغير مهر، ويكون لها مهر المثل وليس كذلك السلم، ولأن الحيوان الموصوف أبعد في الجهالة من مهر المثل، والقول في السلم بالأجناس عندنا على ما تقدم في بيع الأجناس بعضها ببعض أنه لا يجوز أن يسلم ما يكال فيما يكال ولا ما يوزن فيما يوزن، ولا يسلم الشيء في جنسه على ما تقدم، فأما الذهب والفضة فإنه يجوز أن يسلما فيما يوزن إذا لم يكن من جنسها، ويجوز السلم في الفواكه إذا كان حلول الأجل في وقت يمكن فيه وجودها رطبة، وبه قال الشافعي، ومالك. وقال أبو حنيفة: إن كانت الفاكهة رطبة يتعذر وجودها ما بين العقد والأجل بطل السلم فيها، وإن كانت يابسة أو لم تنقطع من وقت العقد إلى وقت الأجل فالسلم جائز.
وجه قولنا: إنه ليس تعذر التسليم في وقت من الأوقات قبل حلول الأجل يبطلها، ولو أفلس المسلم إليه قبل حلول الأجل أو مات فإن السلم لا يبطل؛ لأن عندنا أن المؤجل لا يصير حالا بموت من عليه الحق.
فإن قيل: روي خبر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ((أنه أسلم رجلا دنانير في تمر مسمى)) فقال: من حائط فلان فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): ((أما من حائط فلان فلا، ولكن تمر مسمى، وكيل مسمى، وأجل مسمى)).
فدل على نفي جواز السلم فيما يجوز انقطاعه، لأن تمر حائط بعينه قد يجوز أن ينقطع.
قلنا: إنما منع منه (صلى الله عليه وآله وسلم) لجواز أن ينقطع في وقت حلول الأجل، فأكد الخبر قولنا.
فإن قيل: روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه دخل المدينة وهم يسلمون في الثمار قبل محلها فنهى عن ذلك.
صفحة ٩٢٠