الإفهام في شرح عمدة الأحكام
محقق
د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني
الناشر
توزيع مؤسسة الجريسي
تصانيف
•فقه غير المنتسب وأصوله
•
الإمبراطوريات و العصور
آل سعود (نجد، الحجاز، المملكة العربية السعودية الحديثة)، ١١٤٨- / ١٧٣٥-
الإفهام
في شرح عمدة الأحكام لسماحة الشيخ الإمام
عبدالعزيز بن عبداللَّه بن باز ﵀
(١٣٣٠ - ١٤٢٠هـ)
شرح على متن عمدة الأحكام لشيخ الإسلام الإمام عبد الغني المقدسي ﵀
(٥٤١ - ٦٠٠هـ)
حققه واعتنى به وخرج أحاديثه
الفقير إلى الله تعالى
د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني
1 / 1
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
من عبد العزيز بن عبد اللَّه بن محمد آل الشيخ إلى حضرة الأخ المكرم/ د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني سلمه اللَّه.
سلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته ... أما بعد:
فأشير إلى خطابكم المؤرخ في ٢/ ٤/١٤٣٤هـ ومشفوعه نسخة من شرح سماحة الإمام الشيخ عبد العزيز بن عبد اللَّه بن باز ﵀ على كتاب عمدة الأحكام للإمام: عبد الغني المقدسي ﵀ المعنون بـ «الإفهام في شرح عمدة الأحكام»، والذي قمتم بالاعتناء به، وتخريج أحاديثه، ورغبتكم الإذن بطبعه.
نفيدكم أنه لا مانع لدينا من طباعة الكتاب المذكور، ونعيد لكم مسودة الكتاب المشار له بعاليه، وفقكم اللَّه وأعانكم.
والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.
المفتي العام للمملكة العربية السعودية
ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء
حرر في ٦/ ٣/ ١٤٣٥هـ
1 / 3
ـ[مقدمة مؤسسة عبد العزيز بن باز الخيرية]ـ
الحمد للَّه وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
فيطيب «لمؤسسة الشيخ عبد العزيز بن باز الخيرية» أن تضع بين يدي القارئ الكريم هذا الشرح النافع الماتع لسماحة شيخنا الشيخ: عبد العزيز بن عبد اللَّه بن باز ﵀ على كتاب (عمدة الأحكام للإمام عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي ﵀)، وقد تولّى
-مشكورًا- خدمة هذا الشرح فضيلة أخينا الشيخ/ د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني -وفقه اللَّه وسدّده-، حيث بذل جهدًا طيبًا في تفريغ المادة الصوتية، وضبطها وفق القواعد العلمية المقررة في المؤسسة، إضافة إلى خدمات العزو، والتخريج، والتبويب، نسأل اللَّه تعالى أن يجزل له الأجر والمثوبة.
كما نسأله سبحانه أن يضاعف الأجر والمثوبة لسماحة شيخنا: عبد العزيز بن باز ﵀، وأن يجعل هذا الشرح من العلم النافع الذي يجري عليه أجره في قبره، وأن يجمعنا به في دار كرامته مع الأحبة محمد ﷺ وصحبه.
وصلى اللَّه وسلّم على نبيّنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين،،
مؤسسة الشيخ عبد العزيز بن باز الخيرية
صفحة غير معروفة
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مقدمة المحقق
إن الحمد للَّه، نحمده، ونستعينه، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلّى اللَّه عليه وعلى آله، وأصحابه، وسلّم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:
فهذا شرح مُيَسَّر لكتاب «عمدة الأحكام» للإمام المحدث عبدالغني بن عبد الواحد المقدسي ﵀، شرحه: شيخ الإسلام في عصره، المجدِّد شيخنا: عبد العزيز بن عبد اللَّه بن باز ﵀، وذلك بين أذان العشاء، والإقامة في مسجده الذي بجوارِ منزله، في مدينة الرياض، حي البديعة، يقرؤه عليه إمام مسجده الشيخ محمد إلياس بن عبد القادر الهندي، وذلك عام ١٤٠٩هـ، وكان شرح سماحة الشيخ مميزًا جدًا، ومختصرًا، ومحققًا، ومحكمًا، وهو إلهام من اللَّه تعالى، فقد كان الشيخ في هذا الشرح المبارك يشرح في كل جلسة: ثلاثة أحاديث، وأحيانًا أربعة، وأحيانًا خمسة أحاديث، وفي بعض الأحيان حديثين، وفي بعض الأحيان حديثًا واحدًا فقط، ويستشهد في شرحه بأحاديث كثيرة جدًا، ومختصرة، وصحيحة، وكان يقتصر على القول الصحيح الذي تشهد له الأدلة من الكتاب والسنة، و﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (١).
(١) سورة الجمعة، الآية: ٤.
1 / 5
وقد بقي هذا الشرح لم يخدم من عام ١٤٠٩هـ إلى هذا العام ١٤٣٤هـ، وقد حَصَلْتُ على نسخة خطية مفرّغة عن طريق الشيخ عبد العزيز بن ناصر بن باز، ابن عم سماحة شيخنا ابن باز ﵀، وذلك عام ١٤١٥هـ، وقال: إنه حصل عليها من قِبَلِ الشيخ الدكتور عمر بن سعود العيد، واتصلت بالشيخ عمر، فسألته من فرّغها؟ فقال: فرغها بعض الطالبات في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ولكن كان التفريغ ناقصًا، فهو من أول الكتاب إلى الحديث رقم ٣٩١ من كتاب الأطعمة، وكانت جميع الأشرطة عندي «عشرون شريطًا»، فدفعتُ الأشرطة كلها للشيخ عيد بن محمد الرميح، وهو من تلاميذ شيخنا ابن باز، ففرَّغ الناقص من أول باب الصيد إلى نهاية الكتاب من الحديث رقم ٣٩٢ إلى الحديث رقم ٤٣٠، «ثمانية وثلاثين حديثًا»، ثم دفعه إليَّ - جزاه اللَّه خيرًا- وبقي هذا التفريغ عندي سنين عديدة، وقد مضى على تسجيل درس الشيخ ﵀ لهذا الكتاب ست وعشرون سنة، ولم يُخرج من أي جهة علمية، والتفريغ لا يعتمد عليه؛ لأن الذي فرَّغ ثلاثمائة واثنين وتسعين حديثًا لا يُعرف بعينه، فشرح اللَّه صدري لتحقيقه، فأخذت النسخة المفرَّغة، وطبعتها، ثم صححناها ثلاث مرات، فوجدنا فيها أخطاء كثيرة جدًا من المفرِّغين للأشرطة، فما كان منِّي إلا العزم على التحقيق فأخذت أطابق، وأقابل بين كلام سماحة الشيخ ﵀، وبين المفرَّغ: كلمة كلمة -وللَّه الحمد- وكان التسجيل رديئًا جدًا، ولكن أعانني اللَّه على ذلك، فله الحمد حتى يرضى، وله الحمد بعد الرضى.
1 / 6
وكان عملي على النحو الآتي:
١ - مقابلة المسموع على المخطوط المفرَّغ للأحاديث والشرح باستماع ذلك كلِّه من كلام الشيخ ﵀ مباشرة عن طريق صوته المسجَّل مقابلة على التفريغ المذكور كلمة كلمة.
٢ - اعتمدت نسخة عمدة الأحكام التي حققها محمود الأرناؤوط، وراجعها والده عبد القادر الأرناؤوط، وقد اعتمد في تحقيقه على نسخة خطية، وعلى نسخة الفقي المطبوعة، ونسخة محب الدين الخطيب المطبوعة، وجعلتها الأصل، وقابلتها أربع مرات، على نسخة عمدة الأحكام التي حققها سمير الزهيري التي اعتمد فيها على ثلاث نسخ خطية، وإذا اختلفت الألفاظ أشرت في الحاشية إلى الفروق بين النسختين، وأحلت إلى مواضع هذه الفروق في صحيح البخاري، ومسلم، أو أحدهما، إن وجدت، برقم الحديث فيهما، أو في أحدهما، ورمزت لتحقيق سمير الزهيري بـ: نسخة الزهيري.
٣ - قابلت أحاديث عمدة الأحكام على أصولها من صحيح الإمام البخاري ﵀، وصحيح الإمام مسلم ﵀، كلمة كلمة، والحمد لله، وإذا وجدت بعض الفروق بين ما في كتاب العمدة، وبين ما في الصحيحين ذكرت في الحاشية لفظ الحديث عند البخاري، ومسلم، أو عند أحدهما، ولم أغيِّر شيئًا من متن العمدة؛ لأن المؤلف قد يكون عنده نسخ أخرى من الصحيحين، وقد يكون نقل الحديث من كتاب الجمع بين الصحيحين للحميدي.
٤ - عزو أحاديث المتن إلى مواضعها في الصحيحين مع ذكر:
1 / 7
الكتاب، والباب، ورقم الحديث على ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي ﵀.
٥ - إذا كانت ألفاظ الحديث في متن عمدة الأحكام مجمعة ملفقة من أكثر من حديث في صحيح البخاري، عزوت الحديث إلى هذه المواضع كلها، وحتى لو كان الحديث كاملًا في صحيح مسلم.
٦ - تخريج أحاديث وآثار الشرح التي استشهد بها سماحة شيخنا، ونقلت الحكم عليها من أهل العلم.
٧ - إذا وضعت تعدادًا لبعض الفوائد التي يذكرها شيخنا في الشرح جعلتها بين معقوفين.
٨ - إذا لم تُفهم بعض الكلمات في التسجيل ذكرت في الحاشية بقولي: «والذي يظهر أنه كذا»؛ وهي كلمات يسيرة جدًا.
٩ - التزمت بألفاظ شيخنا الشارح، فذكرتها كما هي على حسب الاستطاعة، والتوفيق بيد اللَّه.
١٠ - بينت في الحاشية شرح بعض الكلمات الغريبة.
١١ - إذا سقطت كلمة من التسجيل جعلت الساقط بين معقوفين، وبينها ثلاث نقاط، ثم ذكرت في الحاشية: «والذي يظهر أنها كذا، أو قلت: منهج الشيخ في الشرح هكذا»، وهذا قليل جدًا، والحمد للَّه.
١٢ - سقط من الشرح بعض الأحاديث، فبحثت عنها في مؤسسة سماحة الشيخ ابن باز، ففرغتها، وأدخلتها في أماكنها، إلا أني لم أجد شرحًا لأربعة وعشرين حديثًا، من حديث رقم ٦٢ إلى حديث رقم ٨٥، واللَّه المستعان.
١٣ - عملت ترجمة مختصرة لصاحب العمدة: الإمام عبد الغني المقدسي ﵀.
1 / 8
١٤ - عملت ترجمة مختصرة لصاحب الشرح: الإمام شيخنا ابن باز ﵀.
١٥ - عملت فهارس علمية تفصيلية للآيات القرآنية، وفهارس لجميع الأحاديث، والآثار في متن عمدة الأحكام، والشرح، والحواشي، وميّزت الأثر بذكر اسم صاحبه أمامه بين معقوفين، وميزت حديث المتن بكلمة [متن] بين معقوفين، وفهارس للألفاظ الغريبة، وفهارس للأشعار، والمصادر والمراجع على حسب الأحرف.
١٦ - سميته: «الإفهام في شرح عمدة الأحكام».
١٧ - راجعت الكتاب بعد الصف ثلاث مرات بنفسي، ودفعته إلى غيري، فروجع سبع مرات.
واللَّه أسأل أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن يجعله نافعًا مباركًا، وأن ينفع به شيخنا، ويجعله رفعةً في درجاته في جنات النعيم، وأن ينفعني به في حياتي، وبعد مماتي، وأن ينفع به من انتهى إليه؛ فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا، ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم.
وصلى اللَّه، وسلَّم، وبارك على نبينا محمد، وعلى آله، وأصحابه أجمعين.
كتبه
سعيد بن علي بن وهف القحطاني
حرر بعد عصر يوم الخميس الموافق ٢/ ٢/ ١٤٣٥هـ
1 / 9
نبذة عن حياة مؤلف العمدة: الإمام عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي
أولًا: نسبه، ومولده، ونشأته، ومكانته العلمية:
هو الإمام المحدّث المحقّق المؤرِّخ حافظ عصره، تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور بن رافع بن حسن بن جعفر الجَمَّاعيلي المقدسي، ثم الدمشقي (١).
ولد سنة إحدى وأربعين وخمسمائة بجمَّاعيل (٢)، وكان قدومه مع أسرته من بيت المقدس إلى مسجد أبي صالح خارج الباب الشرقي لمدينة دمشق أولًا، ثم انتقلت أسرته إلى سفح جبل قاسيون، فبنوا دارًا تحتوي على عَدَدٍ كبيرٍ من الحجرات، دُعيت بدار الحنابلة، ثم شرعوا في بناء أول مدرسة في جبل قاسيون، وهي المعروفة بـ «المدرسة العُمرية»، وقد عُرفت تلك الضاحية التي سكنوها بالصالحيّة فيما بعد نسبة إليهم؛ لأنهم كانوا من أهل العلم والصلاح.
وقد نَشَرَتْ هذه الأسرة الجليلة المذهب الحنبلي في الشام، فانتشرت مدارس المذهب لا في الصالحية فحسب، بل في دمشق ذاتها، وكثر أتباع هذا المذهب في ضواحيها كدومة، والرحيبة، والضمير، وبعلبك، وأثرت هجرتهم في مذهب الإمام أحمد، فقد استطاعوا بدراساتهم، وتآليفهم الفقهية أن يوجدوا كتبًا قيّمة في مذهب الإمام أصبحت عمدة المذهب الحنبلي إلى أيامنا، وأثّروا
(١) انظر: سير أعلام النبلاء، للإمام الذهبي، ٢١/ ٤٤٣ - ٤٤٤.
(٢) انظر: المرجع السابق، ٢١/ ٤٤٤.
1 / 10
أيضًا في علم الحديث، وظلّوا نحو مائة عام يعدّون من فطاحل علماء الحديث، وانتشرت في عصرهم دور الحديث في الصالحيّة ودمشق، وأدخلوا على هذا العلم اتجاهات جديدة كان لها أكبر الأثر في تنسيق علوم الحديث، وتصنيف أبحاثه المتعددة.
وقد تتلمذ الحافظ عبد الغني في صغره على عميد أسرته العلاّمة الفاضل الشيخ أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، ثم تتلمذ على شيوخ دمشق وعلمائها، فأخذ عنهم الفقه، وغيره من العلوم، ثم قصد بغداد سنة (٥٦٠ هـ)، ونزل عند الإمام الشيخ عبدالقادر الجيلاني، فقرأ عليه شيئًا من الفقه، والحديث، وأقام عنده نحو أربعن يومًا، بعدها مات الشيخ الجيلاني، فأخذ عن الشيخ أبي الفتح بن المني الفقه والخلاف، ثم رحل إلى أصبهان، فمكث فيها وقتًا طويلًا يدرُس، ويُدرِّس، إلى أن عاد إلى بغداد مرة ثانية سنة (٥٧٨هـ)، فحدّث بها، وانتقل من ثم إلى دمشق، فأخذ يقرأ الحديث في رواق الحنابلة من مسجد دمشق الأموي، فاجتمع الناس عليه، وكان رقيق القلب، سريع الدمعة، فحصل له قبول من الناس عظيم، فحسده بنو الزكي، وبنو الدَّوْلعي، وجهزوا الناصح ابن الحنبلي، فتكلم تحت قبة النسر في المسجد الأموي، وأمروه أن يجهر بصوته ما أمكنه حتى يشوش على الحافظ عبد الغني، وعند ذلك حوّل الحافظ ميعاد درسه إلى ما بعد العصر، فذكر يومًا عقيدته، فثار عليه القاضي ابن زكيّ الدِّين، وضياء الدين الدَّوْلعي، فعقدا له مجلسًا في
1 / 11