تحفة المسؤول في شرح مختصر منتهى السول
محقق
جـ ١، ٢ (الدكتور الهادي بن الحسين شبيلي)، جـ ٣، ٤ (يوسف الأخضر القيم)
الناشر
دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث - دبي
الإصدار
الأولى
سنة النشر
١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م
مكان النشر
الإمارات
تصانيف
•أصول فقه المالكي
مناطق
•المغرب
الإمبراطوريات و العصور
المرينيون (شمال أفريقيا)، ٦١٤-٨٦٩ / ١٢١٧-١٤٦٥
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا.
الحمد لله الذي باين بين العقول، مباينة أوهمت الأكثر اختلافها بالفضول، ومنعها من القضاء في أحكامه المتعلقة بأفعال المكلفين بتحليل أو تحريم، وأرشد القدسية منها معرفة استنباط الأحكام عن الأدلة الشرعية الراجعة إلى الكلام القديم، والصلاة على من به وصل علماء هذه الأمة أنبياء بني إسرائيل، النبي الأمي المكتوب في التوراة والإنجيل، وعلى آله وصحبه الذين حفظوا شرعه، وبلغوا إلينا أصله وفرعه.
أما بعد: فإن العقول السليمة متطابقة، والشرائع بأسرها متوافقة، على أن العلم من أكمل الكمالات، لا سيما علم الأحكام الشرعيات، فإنها وسائل مقاصد العباد، ومناط مصالحهم في المعاش والمعاد.
ولما كان لا سبيل إلى دركها دون معرفة مدركها، تعين معرفة أصلها، وتبين أن مرتبته من العلوم مرتبة أجلها.
وأعظم ما صنف فيه على الإطلاق «المختصر»، الذي عكف عليه العلماء في سائر الآفاق، المنسوب إلى الشيخ الإمام العالم السالك، أبي عمرو
1 / 125
عثمان بن الحاجب المالكي، فإنه مختصر وجيز النظم، كثير العلم، فقد تصدى لشرحه الفحول من [العلماء]، فذللوا منه كل صعب، كالأصفهاني، والتستري، والقطب.
ولما سمع مني بعض الأصحاب بعض معاني هذا الكتاب، أشار عليّ بأن أشرحه شرحًا يكشف عن وجهه النقاب، ويذلل ما غفل عنه الشراح من الصعاب، ظنًا منه أن ليس وراء مرتبتي مضاف لطيف الخاطر، ولا فوق درجتي في معرفة هذا الكتاب مطرح لشعاع الناظر، كلا ومظان الفكر نزار القدر، والإحاطة ممتنعة على كل البشر.
ولعله اعتقد من غير علم، وإن بعض الظن إثم، فاعتللت بأن للكتاب
1 / 126
بضعة عشر شرحًا، وإن كان بعضها مطرحًا، وإن لي في هذا العلم إصابة غرض أرميه، وإضاءة سقط أريه، واستخراج نكتب يلطف مسلكها، ومستودعات لطائف يدق سلكها، وغوامض أسرار كانت عن الشراح وراء أستار، إذا سرد ما أوردوه تحصيل الحاصل، وانتحاله فعل الغمر الجاهل.
ثم قلت: لولا ما رسم لنا المتقدمون في كتبهم، ودونوا من أوضاع علمهم، لكان سبيلنا قد انقطع مما يعلمونه، وذكرت وعيد ﴿[لتبيننه] للناس ولا تكتمونه﴾، فأجبته مع علمي بأن من صنف فقد استهدف، ومن ألف فقد أبدى صفحة عقله، وبين عن مقدار علمه وجهله.
هذا وإنه لابد أن يقع في يد أحد رجلين:
إما عالم، تعلم أن / الصواب قصدي، والحق إرادتي، فيصلح سهوًا إن وقع مني، ويغتفر زللًا إن صدر عني، لاعترافي قبل اقترافي، وإقراري قبل إيرادي وإصداري.
وإما جاهل، أحب الأشياء إليه، وأقلها لديه، عيب أهل العلم، لمنافرته إياهم، وبعد شكله عن أشكالهم، إذ من جهل شيئًا عابه، ومن
1 / 127
حسد أمرًا اغتابه.
وأرجو أن يكون شرحًا يذهب وصم العجز والافتقار عن الأصحاب، ويتبين منه أصول الفقه على مذهب إمام صاحب الكتاب، يعول المالكية في أصولهم عليه، وتنحل أغراض المؤلف إليه، وتندفع به بعض الشكوك الواردة، ويقع به التنبيه على أوهامه الشاردة.
وأبو عمرو [وإن كان] من سعة الحفظ والنبل، ومن الثقات في الضبط والنقل، في المحل الذي لا يُجهل، وبحيث يقصر عنه الثناء الأحفل، لكن البشر غير معصومين من الزلل، ولا مبرئين من الوهم والخطل، والعالم من عدت هفواته، وأحصيت سقطاته، كفى بالمرء نبلًا أن تعد معايبه.
والله تعالى أسأل أن يجعله علمًا باقيًا بعد الممات، ومرادًا من عموم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث».
1 / 128
وها أن أشرع في المقصود، مستعينًا بواجب الوجود، وأسميه: «تحفة المسؤول في شرح مختصر منتهى السول».
1 / 129
قال: (وينحصر في: المبادئ والأدلة السمعية والترجيح والاجتهاد).
أقول: ينحصر المبحوث عنه في المختصر المذكور، فيكون من قسمة الكلي إلى جزئياته.
ويفسر أيضًا ضمير وينحصر بالمختصر؛ لأنه جارى به الإحكام لسيف الدين، الذي قال فيه: «رتبته على أربعة قواعد: الأولى في المبادئ ... إلى آخره»؛ ولأن المبادئ ليست جزءًا من الأصول، [وهي جزء من المختصر]، فيكون من قسمة الكل إلى الأجزاء
ويفسر أيضًا بالأصول؛ لأن الضمير في قوله: «فالمبادئ حده وفائدته
1 / 131
واستمداده» يعود على ما عاد عليه ضمير وينحصر، وعد المبادئ [جزءًا] من الأصول إما تغليبًا، أو لأن الأدلة لما توقفت على المبادئ بوجه، وكان لها مدخل في معرفة الأحكام، صح انقسام الأصول إليها وإلى الثلاثة، على معنى الأجزاء، على تجوز فيها.
أو نقول: هي جزء من الأصول، وسنده ما سيأتي.
لا يقال: حق التقسيم أن يكون بعد معرفة مورده، إذ التصديق مسبوق بالتصور. لأنا نقول: لا يشترط التصور الحدي أو الرسمي، بل باعتبار ما، وهو إن كان للمختصر فهو متصور باعتبار وصفه الذي وصفه به المؤلف المصنف، وإن كان للأصول فهي متصور [باعتبار] اسمها.
1 / 132
ووجه الحصر في المذكور اسقرائي.
ومن رام حصرًا عقليًا اعتقل دونه، ومن قصد تسهيل الاستقراء وتقليل الانتشار قال:
المبحوث / عنه في المختصر، إما أن يكون بيان ما يتمكن العالم به من الاستنباط، وهو المقصود إثباته من أصول الفقه بالذات، أو ما يتوقف عليه المقصود بالذات بوجه ما، والثاني المبادئ، والأول ينحصر في الثلاثة، إذ لا يتمكن [من] الاستنباط من الأدلة بدون معرفتها، ولا بدون الاجتهاد لأنه ما لم يعلم الاجتهاد [وحكمه] وأحكامه، لا يمكنه الاستنباط، ولا بدون الترجيح؛ لكون غالب الأدلة ظنيًا قد تتعارض فلا يتمكن من
1 / 133
الاستنباط بدون الترجيح، والاستقراء دل على حصول التمكن بها من غير توقف على غيرها.
قيل عليه: نفس الاجتهاد لا يكون جزءًا من المختصر، ومعرفته لا تكفي؛ لأن انتفاء المعارض يعلم [بنفس] الاجتهاد لا بالعلم به.
وأيضًا: إن أريد بالأدلة الكلية، لم يتم الحصر؛ لتوقف الاستنباط على [الأدلة] التفصيلية.
وإن أريد التفصيلية، يلزم أن يكون معرفتها والبحث عنها في الأصول، وليس كذلك.
وأيضًا: التقليد والتخيير والوقف عما يبحث فيه، وليس واحدًا من الأربعة.
ورد الأول: أن نختار القسم الثاني، على معنى أنه إذا حصل المذكور تمكن من الاستنباط، وعنده يعلم انتفاء المعارض.
1 / 134
ورد الثاني أيضًا: بأنا نختار القسم الأول.
قوله: (الاستنباط يتوقف على معرفة التفصيلية).
قلنا: نعم، لكن لا على التفصيل، بل يتوقف [على] معرفة التفصيلية بالجملة، وذلك غير خارج عن الأربعة؛ لأن معرفة الأدلة الكلية على وجه كلي، معرفة الأدلة التفصيلية بوجوه.
ورد الثالث: بأنه عبر بلفظ الترجيح عنه وعن الوقف والتخيير، وبلفظ الاجتهاد عنه وعن التقليد، إطلاقًا لاسم المقابل [الأهم] على الشيء ومقابله.
قال: (فالمبادئ: حده، وفائدته، واستمداده).
أقول: قدم [الكلام على] المبادئ وضعًا لتقدمها طبعًا؛ لأن من حاول علمًا لابد أن يتصوره، إذ لا يطلب ما لا يتصور فائدته؛ لأن
1 / 135