316

التبيان في أيمان القرآن

محقق

عبد الله بن سالم البطاطي

الناشر

دار عطاءات العلم (الرياض)

الإصدار

الرابعة

سنة النشر

١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم)

مكان النشر

دار ابن حزم (بيروت)

الآجلة، وهذا لاستعجاله بالتمتُّع بما يَفْنَى، وإيثاره على ما يَبْقَى، ورتَّبَ كلَّ ذَمٍّ ووعيدٍ في هذه السورة على هذا الاستعجال، ومحبَّةِ العاجلة على الآجلة (^١)، فإرادتُهُ أن يَفْجُرَ أمَامَهُ هو من استعجاله وحُبِّ العاجلة، وتكذيبُهُ بيوم القيامة من فَرْطِ حُبِّ العاجلة، وإيثاره لها، واستعجاله بنصيبه، وتمتُّعه به قبل أَوَانِه، ولولا حُبُّ العاجلة وطلب الاستعجال لتمتَّعَ به في الآجلة أكمل ما يكون. وكذلك تكذيبُه، وتَوَلِّيه، وتركُهُ الصلاةَ هو من استعجاله ومحبته العاجلة.
والرَّبُّ - سبحانه - وصف نفسه بضدِّ ذلك، فلم يَعْجَل على عبده، بل أمهله إلى أن بلغت "الرُّوْح" التراقي، وأيقن بالموت، وهو إلى هذه الحال مستمِرٌّ على التكذيب والتولِّي، والرَّبُّ - تعالى - لا يعاجله (^٢)؛ بل يُمْهِلُه، ويُحْدِثُ له الذِّكْرَ شيئًا بعد شيءٍ، ويُصَرِّفُ له الآياتِ، ويضربُ له الأمثالَ، ويُنَبِّهه على مبدئه: من كونه نطفةً من مَنيٍّ يُمْنَى، ثُمَّ علقةً، ثُمَّ خلقًا سويًّا، فلم يَعْجَلْ عليه بالخلق وَهْلَةً واحدةً، ولا بالعقوبة إذ كذَّبَ خَبَرَهُ، وعصى أمرَهُ؛ بل كان خَلْقُهُ وأمرُهُ وجزاؤُهُ بعد تَمَهُّلٍ، وتدريجٍ، وأناةٍ، ولهذا ذَمَّ الإنسانَ بالعجلة بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١)﴾ [الإسراء: ١١]، وقال تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧)﴾ [الأنبياء: ٣٧].

(^١) "على الآجلة" ساقط من (ح) و(م).
(^٢) بعده في (ز) زيادة: ولا، ولا مكان لها.

1 / 246