الأصلان في علوم القرآن
الناشر
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
الإصدار
الرابعة مزيدة ومنقحة ١٤١٧ هـ
سنة النشر
١٩٩٦ م
تصانيف
•علوم القرآن والتفسير
مناطق
مصر
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة:
الحمد لله الذي جعل القرآن مأدبة ينهل منها العلماء، ومأدبة يتزود منها الأتقياء، وأصلى وأسلم على سيدنا محمد إمام الأنبياء وخاتمهم، وأول العابدين وأخلصهم، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والمهتدين بهديه.. وبعد:
فإن علوم القرآن طائفة من المعارف تتصل بالقرآن من جوانب عديدة، فليست علمًا واحدًا قائمًا بنفسه محدد الموضوع؛ وإنما هي نماذج متعددة من فروع علوم مختلفة تتصل في النهاية باللغة والدين. وأقرب ما ترسم١ به علوم القرآن تعريفًا أن نقول: علوم القرآن معارف من اللغة والدين، موضوعها القرآن الكريم، ولا بد من الوقوف على تلك العلوم؛ فهى مقدمات لتفسير القرآن وفقه معناه، والإلمام بما يعرف الإنسان بسمو ما احتواه القرآن تعبيرًا وتشريعًا، أسلوبًا يوصل إلى الهداية للتي هي أقوم.
ويعتمد هذا الكتاب على أصلين: أصل يتصل باللغة وفروعها، وأصل يتصل بالدين وفروعه٢. ومن المعلوم أن علوم القرآن لم تدون في عصر النبوة وعصر الصحابة؛ اعتمادًا على فطرهم السليمة وأذهانهم الصافية.
١ تعريف بالرسم. وقد أحصى المناطقة المعرفات في قسمين: الحدود والرسوم، والحدود تشتمل على الذاتيات، والرسوم هي التي لم تشتمل على الذاتيات أو اشتملت على شيء منها.
٢ هذا وجه تسميته "الأصلان".
1 / 3
ولا يعني عدم التدوين عدم معرفتهم١ بما نعرفه نحن عن علوم القرآن، فما تشحن به أذهاننا من المعارف ربما عد من البديهيات عندهم، وقد أُمر المسلمون في صدر الإسلام أن يكتبوا القرآن فقط؛ لئلا يختلط به غيره، إلى أن يستقر في قلوبهم، وتألفه أسماعهم، وتتعود النطق به ألسنتهم، وبعد ذلك لا يمنعهم الشارع من تدوين ما هو نافع مفيد.
والتأليف في علوم القرآن له مرحلتان: المرحلة الأولى كان التأليف فيها عن نوع واحد؛ مثل: مؤلَّف علي بن المديني شيخ البخاري في أسباب النزول، و"الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد الله القاسم بن سلام، و"غريب القرآن" لأبي بكر السجستاني..
المرحلة الثانية كان التأليف فيها لأنواع عديدة، بدأت قليلة ثم كثرت بضم أنواع أخرى، كطبيعة أي شيء يبدو صغيرًا إلى أن يصل إلى التمام أو يكاد، ومن أمثال هذه المؤلفات: "فنون الأفنان في علوم القرآن" لابن الجوزي المتوفَّى سنة ٥٩٧هـ، و"جمال القراء" للسخاوي المتوفَّى سنة ٦٤١هـ، و"البرهان في علوم القرآن" للزركشي المتوفَّى سنة ٧٩٤هـ، ثم "الإتقان" للسيوطي المتوفَّى سنة ٩١١هـ.
١ الواقع أن قواعد علوم القرآن كانت مستقرة في نفوس العلماء من الصحابة، وكانوا يسيرون في ضوئها ولم يصرحوا بها، فعبد الله بن مسعود الصحابي الفقيه عندما كان يقول: إن الحامل المتوفَّى عنها زوجها تنقضي عدتها بوضع الحمل؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] ويستدل بأن سورة الطلاق التي فيها هذه الآية نزلت بعد سورة البقرة التي فيها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] إنما كان يشير بهذا الاستدلال إلى قاعدة من قواعد علوم القرآن؛ وهي أن النص اللاحق ينسخ النص السابق وإن لم يصرَّح بذلك، فالعادة أن الشيء يوجد ثم يدون، فالتدوين كاشف عن وجود الشيء لا منشئ له.
1 / 4
وتوقفت حركة التأليف في علوم القرآن إلى أن دبت حركة النشاط، وظهرت مؤلفات في القرن العشرين؛ منها: "التبيان في علوم القرآن" للشيخ طاهر الجزائري١، و"منهج الفرقان في علوم القرآن" للشيخ محمد علي سلامة٢، و"مناهل العرفان" للشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني٣، وتوجد غير هذه المؤلفات مذكرات في علوم القرآن لأساتذتنا٤ وزملائنا، جزى الله الجميع خير الجزاء.
وقد رأيت أن أكتب في هذا الكتاب زبد ما كتب في هذا الفن الجليل، بعبارة مركزة: ما استطعت إلى ذلك سبيلًا؛ تحاشيًا من الإطناب الممل، والإيجاز المخل، مضيفًا بعض الأبحاث التي تعين على تفهم القرآن الكريم. واللهَ نسألُ أن يهدينا سواء السبيل.
المؤلف
١ "التبيان في علوم القرآن" للشيخ طاهر الجزائري، هو اختصار رائع لكتاب "الإتقان في علوم القرآن" للحافظ السيوطي.
٢ "منهج الفرقان في علوم القرآن" للأستاذ محمد علي سلامة، الأستاذ بكلية أصول الدين سابقًا، هذب فيه بعض مباحث علوم القرآن من "الإتقان" و"البرهان"، وأوضح العبارة للطلاب بأسلوب السهل الممتنع.
٣ "مناهل العرفان" للشيخ الزرقاني، جمع فيه المؤلف بين الأسلوب البليغ والتحقيق العلمي.
٤ مثَّل منه "المنان في علوم القرآن" للأستاذ الدكتور إبراهيم عبد الرحمن خليفة، وقد ظهر منه إلى الآن جزآن، والباقي تحت الطبع.
1 / 5
الموضوع الأول: أماكن النزول وأزمنته وأحواله
أ- المكى والمدني:
معرفة ذلك من المهمات للوقوف على التاريخ الذي به يتميز الناسخ١ من المنسوخ عند التعارض، والذي يمكن به معرفة تقييد المطلق وتخصيص العام٢ عند مَن يرى جواز تأخير المخصص. وللناس للتمييز بين المكي والمدني أقوال؛ فمنهم من يجعل الفاصل الهجرة٣، ونظرة هذا زمنية، فما نزل قبلها فهو مكي، وما نزل بعدها فهو مدني وإن نزل في مكة.
ومنهم مَن نظرته مكانية، فما نزل بعيدًا عن مكة والمدينة وضواحيهما لا يعد مكيًّا ولا مدنيًّا؛ كالنازل في تبوك.
ومنهم مَن نظرته حالية، فخطاب أهل مكة له سماته، ولأهل المدينة خطاب يغاير خطاب أهل مكة.
والمتفق على نزوله بالمدينة عشرون سورة، والمختلَف في نزوله بمكة أو المدينة بعض السور، وما عدا ما اتفق على نزوله بالمدينة وما اختلف فيه قد نزل بمكة. وقد نظم بعض الناس ما اتفق على نزوله بالمدينة وما اختلف فيه فقال:
تعارض النقل في أم الكتاب وقد ... تؤولت حجر تنبيهًا لمعتبر
أم القرآن وفي أم القرى نزلت ... ما كان للخمس قبل الحمد من أثر
١ سيعرف المؤلف النسخ في الموضوع الخامس "النسخ وموهم الاختلاف" ص٧٨.
٢ سيتعرض المؤلف لبيان المطلق والعام والتخصيص والتقييد في مبحث اللفظ القرآني.
٣ هذا هو أشهر الاصطلاحات في المكي والمدني، كما ذكر السيوطي في "الإتقان" ١/ ٩، ويمتاز بشمول تقسيمه جميع القرآن لا يخرج عنه شيء.
1 / 6
وبعد هجرة خير الناس قد نزلت ... عشرون من سور القرآن في عشر
فأربع من طوال السبع أولها ... وخامس الخمس في الأنفال ذي العبر
وتوبة الله إن عدت فسادسة ... وسورة النور والأحزاب ذي الذكر
وسورة لنبي الله محكمة ... والفتح والحجرات الغر في غرر
ثم الحديد ويتلوها مجادلة ... والحشر ثم امتحان الله للبشر
وسورة فضح الله النفاق بها ... وسورة الجمع تذكارًا لمدكر
وللطلاق وللتحريم حكمهما ... والنصر والفتح تنبيهًا على العمر
يريد بذلك أن المتفق على نزوله بالمدينة هي:
البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنفال، والتوبة.... وهل التوبة سورة مستقلة، أو هي مع الأنفال سورة واحدة؟
ولعل هذا هو مختار غير الناظم.
والسادسة على هذا سورة النور، فالأحزاب، فسورة محمد، فالفتح، فالحجرات، فالحديد، فالمجادلة، فالحشر، فالممتحنة، فالمنافقون، فالتغاين، فالطلاق، فالتحريم، فسورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ .
وعليه، فعند الناظم عشرون سورة، وعند غيره تسع عشرة سورة.
وأما المختلَف فيها فعنه قال الناظم:
فالرعد مختلف فيها متى نزلت ... وأكثر الناس قالوا الرعد كالقمر
ومثلها سورة الرحمن شاهدها ... مما تضمن قول الجن في الخبر
1 / 7
وسورة للحواريين قد علمت ... ثم التغابن والتطفيف ذو النذر
وليلة القدر قد خصت بملتنا ... ولم يكن بعدها الزلزال فاعتبر
وقل هو الله من أوصاف خالقنا ... وعوذتان ترد البأس بالقدر
وذا الذي اختلفت فيه الرواة له ... وربما استثنيت آي من السور
وما سوى ذاك مكي في تنزله ... فلا تكن في خلاف الناس في حصر
يريد بذلك أن السور المختلَف في نزولها بمكة أو المدينة هي:
الرعد، والرحمن، والصف -لأن فيها ذكر الحواريين- والتغابن -مع أنه أشار إلى أنها من المتفق على نزوله بالمدينة- وسورة ويل للمطففين، وسورة القدر التي بعدها لم يكن، وليست الزلزلة، ثم سورة الزلزلة، ثم قل هو الله أحد، والمعوذتان.
وأحسن ما قاله هذا الناظم:
.......................... ... وربما استثنيت آي من السور
ولعل هذا هو سبب الخلاف، فليست أكثر السور نزلت دَفْعَةً واحدة.. فبعض الآيات نزل في مكان وبعضها نزل في آخر، وكل يُرْوَى ما علمه، فتظن الخلاف ولا خلاف في الحقيقة.
ومن المرجح أن سورة الجمعة من المتفق على نزوله بالمدينة، وكذا لم يكن، وسورة المطففين.
وأما سورة التغابن، فمنها ما نزل بمكة، ومنها ما نزل بالمدينة، والحق أنه لا يوجد دليل قاطع على نزول سورة بكاملها في مكة أو المدينة، وقد وضعت ضوابط تقريبية تميز ما كان بمكة أو المدينة.. منها ما يحمل طابع
1 / 8
التشريع فهو مدني، وما يحمل طابع الاعتقاد فهو مكي.. ومنها أن السور القصار نزل أكثرها بمكة.. وما عدا هذين لا يعول عليهما..
فقد تنزل الآية في مكة وتوضع في سورة مدنية؛ نحو: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ نزلت في عرفات، وهي من المائدة، آخر السور نزولًا.
وقد تنزل الآية بالمدينة وهي تخاطب أهل مكة؛ نحو: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ نزلت في المدينة ووضعت في سورة مكية هي سورة النحل.
ب- الحضري والسفري:
أكثر القرآن نزل على النبى ﷺ وهو مقيم، وبعض الآيات نزلت عليه وهو مسافر؛ منها١: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ ٢ نزلت وبلال يؤذن على ظهر الكعبة، واحتج المشركون قائلين: ما لهذا العبد يصعد فوق الكعبة، فأنزلها الله.
ج- النهاري والليلي:
أكثر القرآن نزل نهارًا، وبعضه نزل بالليل كالآيات من آخر سورة آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ٣. عن بلال أنه وجد النبي يبكي قبل الفجر، فسأله عما أبكاه، فتلا عليه هذه الآيات وقال: "ويل لمن قرأهن ولم يتفكر" ٤.
١ وذلك لأن حياة الرسول كانت عامرة بالجهاد في سبيل الله حين ينزل عليه الوحي وهو في مسيره، وقد ذكر الحافظ السيوطي أن كثيرًا من الأمثلة نزلت عليه وهو مسافر. "الإتقان" ١/ ١٨.
٢ سورة الحجرات: ١٣.
٣ سورة آل عمران: ١٩٠.
٤ أخرجه ابن حبان في صحيحه وابن المنذر وابن مردويه وابن أبي الدنيا عن عائشة.
1 / 9
وفي الصحيح أنه كان يحرس بالليل فصرف الحارس لما نزلت: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ وقد نزلت ليلًا. ومن القرآن ما نزل بين الفجر وطلوع الشمس، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ نزلت في الركعة الأخيرة من الصبح وهو يدعو على قوم.
د- الصيفى والشتائي:
كان القرآن ينزل في أكثر الأوقات. بيد أن بعض الآيات والأحاديث تشير إلى حالة الطقس من حر وبرد؛ كالآيات من سورة التوبة، ومنها عن المنافقين: ﴿لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ ١.. ومن سورة الأحزاب آيات تشير إلى شدة البرد؛ كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ ٢.
هـ- الفراشي والنومي:
المراد بالفراشي: نزول الوحى وهو على فراش النوم قبل أن ينام، أو بعد أن يستيقظ، ومثاله: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ ٣ نزلت والنبي على فراشه عند أم سلمة.
والمراد بالنومي: تجسد ما نزل أو ينزل عليه في يقظة، ورؤيته لذلك وهو نائم، ورؤيا الأنبياء حق. وقد نزلت عليه سورة الكوثر وهو بين أصحابه فأغفى إغفاءة ثم سري عنه فرأوه مبتسمًا، فتلا عليهم: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر﴾ . والوحي كله
١ سورة التوبة: آية ٨١، وقد أمر الله رسوله أن يجيبهم ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ .
٢ سورة الأحزاب: آية ٩.
٣ سورة التوبة: ١١٧، ١١٨، وهم الثلاثة الذين قَبِلَ الله عذرَهم في التخلف بغزوة تبوك.
1 / 10
نزل في اليقظة، وما يعبر عنه الرواة من أنه أغفى إغفاءة، فتصوير منهم للحالة التى كان يأتيه الوحي بها.
والأرضي والسمائي:
أكثر القرآن نزل وهو على الأرض. وبعضه نزل فوق السماوات ليلة الإسراء والمعراج. فقد رُوي أن أوآخر سورة البقرة من قوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ نزلت وهو ﵇ فوق السماوات.
ز- ما نزل مفرقًا وما نزل جمعًا:
أكثر القرآن نزل مفرقًا؛ فمن سورة العلق نزلت الآيات الأولى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى قوله: ﴿عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ونزل: ﴿وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ . وتمام السورتين نزل بعد ذلك.
ومن سور القرآن ما نزل جملة واحدة؛ كسورة المرسلات وسورة الصف.
ح- ما نزل مشيعًا وما نزل مفردًا:
القرآن كله نزل به أمين الوحي جبريل، وهو قادر على حماية ما بيده، وتوصيله إلى النبي، وما من خبر فيه نزول ملائكة مع جبريل بسورة من السور إلا فيه علة قادحة في سنده أو في متنه.
وبهذا ينتهي هذا الموضوع.
1 / 11
الموضوع الثاني: النزول وما يتعلق به
أول ما نزل وآخر ما نزل
...
الموضوع الثاني: النزول وما يتعلق به
وفيه نقاط:
١- أول ما نزل وآخر ما نزل:
اختلفوا في أول ما نزل؛ فعن عائشة وأبي موسى الأشعرى أنها ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ . وشاهد ذلك في الصحيحين١. وعن جابر بن عبد الله أنها "المدثر"، وروي أيضًا في البخاري٢: وجمع بين هذين القولين بأن مراد جابر في أولية المدثر إما سورة كاملة، ولا دليل لهذا التأويل؛ لأنها لم تنزل كلها دَفْعَةً واحدة٣، ومنهم من جعل ذلك من اجتهاده٤.
قلت: وليكن القول الأول أيضًا من اجتهاد الرواة٥.
ومنهم مَن أوَّله بأنه بعد انقطاع الوحي.
ويرد بأنهم عارضوا جابر بـ"اقرأ"، فقال للمعترضين: أحدثكم عن رسول الله وتحدثونني؟!!
ومنهم مَن جعل الأولية نسبية، كل يحدث بما يعلم، وهذا مسلم.
ومنهم مَن جعل أولية ما قاله جابر في الرسالة، و"اقرأ" في النبوة، وهذا مسلم أيضًا٦.
ومنهم مَن جعل أولية ما قاله جابر فيما نزل بسبب؛ وهو ارتعاده ﷺ، وما قالت عائشة فيما نزل بغير سبب٧.
١ أخرجه البخاري، ك بدء الوحي.
٢ البخاري في بدء الوحي ١/ ٣، ٤، وتفسير سورة المدثر ٤/ ١٦١-١٦٣، وتفسير سورة اقرأ ٤/ ١٧٤، ومسلم في صحيحه ١/ ٩٨، ٩٩.
٣ قلت: ما ادعاه بعض علماء القرآن من أن سورة المدثر نزلت بتمامها جملة واحدة لا يتلاءم مع ما ذكرناه في سبب نزولها؛ فإنها نزلت على أسباب متعددة ومتباعدة في الزمن، وقد نزل لكل سبب منها جملة من الآيات، فوق أن هذا القول يحتاج إلى دليل مثبت له.
٤ التحقيق أن هذا القول من جابر بن عبد الله اجتهاد منه، وقد أخطأ في الاجتهاد.
٥ قلت: القول الأول ليس بالاجتهاد؛ بل هو من مقولة النبي ﷺ على ما عليه المحققون من علماء القرآن.
٦ هذان الرأيان مسلمان عند المؤلف رحمه الله تعالى.
٧ كل هذه تأويلات ذكرها الحافظ السيوطي وغيره، وهي تحتاج إلى دليل.
1 / 12