وبني ﴿كتب﴾ للمفعول وحذف الفاعل للعلم به، وللاختصار، إذ معلوم أنه الله تعالى، ومرفوعُ: كتب الظاهر أنه الوصية، ولم يلحق علامة التأنيث للفعل للفصل، لا سيما هنا، إذ طال بالمجرور والشرطين، ولكونه مؤنثًا غير حقيقي، وبمعنى الإيصاء. وجواب الشرطين محذوف لدلالة المعنى عليه، ولا يجوز أن يكون من معنى: كتب، لمضي كتب واستقبال الشرطين. ولكن يكون المعنى: كتب الوصية على أحدكم إذا حضر الموت إن ترك خيرًا فليوص. ودل على هذا الجواب سياق الكلام. والمعنى: ويكون الجواب محذوفًا جاء فعل الشرط بصيغة الماضي، والتحقيق أن كل شرط يقتضي جوابًا فيكون ذلك المقدر جوابًا للشرط الأول، ويكون جواب الشرط الثاني محذوفًا يدل عليه جواب الشرط الأول المحذوف، فيكون المحذوف دل على محذوف، والشرط الثاني شرط في الأول، فلذلك يقتضي أن يكون متقدّمًا في الوجود، وإن كان متأخرًا لفظًا. واجتماع الشرطين غير مجعول الثاني جوابًا للأول بالفاء من أصعب المسائل النحوية، وقد أوضحنا الكلام على ذلك واستوفيناه فيه في كتاب «التكميل» من تأليفنا، فيؤخذ منه.
وقيل: جواب الشرطين محذوف ويقدر من معنى (كتب عليكم الوصية) ويتجوز بلفظ: كتب، عن لفظ: يتوجه إيجاب الوصية عليكم. حتى يكون مستقبلًا فيفسر الجواب، لأن مستقبل، وعلى هذا التقدير يجوز أن يكون إذا ظرفًا محضًا لا شرطًا، فيكون إذ ذاك العامل فيها: كتب، على هذا التقدير، ويكون جواب: ﴿إن ترك خيرًا﴾ محذوفًا يدل عليه: كتب، على هذا التقدير، ولا يجوز عند جمهور النحاة أن يكون إذا معمولًا للوصية لأنها مصدر وموصول، ولا يتقدّم معمول الموصول عليه، وأجاز ذلك أبو الحسن لأنه يجوز عنده أن يتقدّم المعمول إذا كان ظرفًا على العامل فيه إذا لم يكن موصولًا محضًا، وهو عنده المصدر، والألف واللام في نحو: الضارب والمضروب، وهذا الشرط موجود هنا، وإلى هذا ذهب في قوله:
أبعلي هذا بالرحى المتقاعس
فعلق: بالرحى، بلفظ: المتقاعس.
1 / 373