المحجة في سير الدلجة
محقق
أبي مصعب طلعت بن فؤاد الحلواني
الناشر
الفاروق الحديثة للطباعة والنشر
الإصدار
الأولى
سنة النشر
١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م
المحجة في سير الدلجة
4 / 389
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
خرَّج البخاري ﵀ في "صحيحه" (١) من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لن يُنَجِّيَ أحدًا منكم عملُه".
قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟
قَالَ: "ولا أنا إلاَّ أن يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ برحمتِهِ، سَدِّدوا وقاربوا واغدوا ورُوحوا وشيءٌ من الدُّلجة، والقصدَ القصدَ تبلغوا".
وخرَّجه أيضًا (٢) في "موضع آخر" (*) في كتابه، ولفظه: "إن هذا الدِّين يُسر، ولن يشادَّ الدينَ أحدٌ إلاَّ غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة".
وخرج أيضًا (٣) من حديث عائشة ﵂ عن النبيّ ﷺ أنّه قَالَ: "سدّدوا وقاربوا وأبشروا، فإنَّه (لا يُدخل الجنةَ أحدًا عملُه) (**) ". قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟
قَالَ: "ولا أنا إلاَّ أن يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ برحمتِهِ" (...) ".
وخرج أيضًا (٤) من حديثها عن النبيّ ﷺ قَالَ: "سدّدوا وقاربوا واعلموا أنّه لن يُدخل أحدَكم عملُه الجنة، وإنَّ أحبَّ الأعمال إِلَى الله أدومها وإنْ قلَّ".
اشتملت هذه الأحاديثُ الشريفةُ عَلَى أصلٍ عظيمٍ، وقاعدةٍ مهمةٍ. ويتفرع عليها مسائلُ شتَّى من مسائِل السير والسلوك إلى الله تعالى في طريقه الموصل إِلَيْهِ.
(١) برقم (٦٤٦٣).
(٢) برقم (٣٩).
(*) مواضع آخر: "نسخة".
(٣) برقم (٦٤٦٧).
(**) (لن يَدخلَ الجنةَ أحد بعمله): "نسخة".
(...) بمغفرته ورحمته: "نسخة".
(٤) برقم (٦٤٦٤).
4 / 391
الأصل العظيم
أمَّا الأصلُ (فهو أنَّ عمل الإنسان لا يُنْجِيه) (*) من النَّار ولا يُدْخِله الجنَّة، وإنَّ ذلك كلَّه إِنَّمَا يحصل بمغفرة الله ورحمته.
وقد دلَّ القرآن العزيز عَلَى هذا المعنى في مواضع كثيرة كقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [آل عمران: ١٩٥]. وقوله: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٢١]، وقوله: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الصف: ١١ - ١٢].
فَقَرَن بين دخول الجنة والنجاة من النار وبينَ المغفرة والرحمة فدلَّ عَلَى أنّه لا يُنال شيء من ذلك بدون مغفرة الله ورحمته.
قَالَ بعض السَّلف: الآخرة إمَّا عفو الله أو النار، والدنيا إما عصمة الله أو الهلكة.
وكان محمد بن واسع يودع أصحابه عند موته ويقول: عليكم السلام إِلَى النار أو يعفو الله.
...
(*) فإن الإنسان لا ينجيه عمله: "نسخة".
4 / 392
بيان معنى الباء في الآية والحديث
فأما قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢]، وقوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤]، فقد اختلف العُلَمَاء في معنى ذلك عَلَى قولين:
أحدهما: أنَّ دخول الجنة (برحمته) (*)، ولكن انقسام المنازل بحسب الأعمال.
قَالَ ابن عيينة: كانوا يرون النجاة من النار بعفو الله ودخول الجنة بفضله واقتسام المنازل بالأعمال.
والثاني: أنَّ الباء المثبتة، في قوله تعالى: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وقوله ﴿بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾، باء السببية، وقد جعل الله العمل سببًا لدخول الجنة.
والباء المنفية في قوله ﷺ: "لن يَدخلَ أحدٌ الجنة بعمله"، باء المقابلة والمعاوضة، والتقديرُ لن يستحقَّ أحدُ دخول الجنة بعمل يعمله. فأزال بذلك توهم من يتوهم أنَّ الجنة ثمن الأعمال، وأنَّ صاحب العمل يستحق عَلَى الله دخول الجنة كما يستحق من دفع ثمن سلعة إِلَى صاحبها تسليم سلعته، فنفى بذلك هذا التوهم، وبيَّن أن العمل وإن كان سببًا لدخول الجنة، فإنما هو من فضل الله ورحمته.
فصار الدخول مضافًا إِلَى فضل الله ورحمته ومغفرته؛ لأنّه هو المتفضل بالسبب والمسيَّب المرتَّب عليه، ولم يبق الدخول مرتبًا عَلَى العمل نفسه.
في "الصحيح" (١) عن النبى ﷺ: "إن الله تعالى يقول للجنة: أنتِ
(*) برحمة الله: "نسخة".
(١) أخرجه البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦).
4 / 393
رحمتي أرحمُ بكَ مَنْ أشاء مِنْ عبادي".
ما للعباد عليه حقٌّ واجب ... كلا ولا (سعي) (*) لديه ضائع
إن عُذِّبو فبعدلِهِ أو نُعِّمُوا ... فبفضله وهو الكريمُ الواسع
...
(*) فضل: "نسخة".
4 / 394
الحمد لله ثمن كل نعمة
فإن قيل: فقد روى حبيب بن الشهيد عن الحسن أنّه قَالَ: "الحمد لله ثمن كل نعمة، ولا إله إلاّ الله ثمن الجنة".
ورُوي هذا المعنى مرفوعًا من حديث أنس (١) وأبي ذر وغيرهما، وإن كان في (أسانيدها) (*) ضعف.
ويشهد لذلك قوله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١]. فجعل الجنة ثمنًا للنفوس والأموال.
فالجواب أنَّ الله ﷾ بفضله ورحمته وكرمه، ومنِّه وطَوْله، خاطب عباده بما ندبهم إِلَيْه من طاعته عَلَى حسب ما يتعارفونه بينهم في تصرفاتهم المعهودة المألوفة لهم.
وجعل نفسه مشتريًا منهم ومستقرضًا وجعلهم بائعين له ومقرضين ليكون ذلك أدعى إِلَى (استجابتهم) (**) لدعوته ومبادرتهم إِلَى طاعته، وإلاَّ ففي الحقيقة الكلُّ له (ومِلْكه) (...) ومن فضله وإحسانه ورحمته. فالنفوسُ والأموالُ كلُّها ملكٌ له، كما أمرنا عند المصائب أن نقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦].
ومع هذا فقد مدح من بذل له نفسه وماله وجعله بائعًا له ومقرضًا، كالذي
(١) أورده الديلمي في مسند الفردوس (٢٥٤٨)، ولم أقف عليه عن أبي ذر.
(*) إسنادهما: "نسخة".
(**) استجلابهم: "نسخة".
(...) ملك: "نسخة".
4 / 395
له ملكٌ يبيعه ويقرضه لغيره مِمَّن لا يملكه عليه كذلك الأعمالُ كلُّها من فضله ورحمته، وقد مدح عليها ونسبها إِلَى عاملها وجعلها شكرًا منهم لنعمه ومكافأة لها.
***
4 / 396
بيان معنى النعم وأنّ الحمد منها
وقد روى ابن ماجه (١) من حديث أنس مرفوعًا: "ما أنعم الله عَلَى عبدٍ نعمةً فَقَالَ: الحمد لله إلاَّ كان ما أُعْطِي أفضلَ مما أخذ".
وكذا قَالَ عمر بن عبد العزيز والحسن وغيرهما من السَّلف.
وأُشكل ذلك عَلَى كثير من العُلَمَاء قديمًا وحديثًا، وعلى ما قررناه معناه ظاهرٌ، فإنَّ المراد بالنعم: النعم الدنيوية، والحمد: من النعم الدينية.
والنعم الدينية أفضل من النعم الدنيوية، ولكن لما كان الحمد منسوبًا إِلَى العبد لفعله له، وقيامه به، جعله الله معطيًا لأعظم النعمتين، مكافئًا بها للنعمة الأخرى.
ولهذا جاء في الأثر "الحمد لله حمدًا يوافي نعمه ويدافع نقمه ويكافئ مزيده" (٢).
فبهذا الاعتبار يكون الحمد ثمنًا للجنة.
...
(١) برقم (٣٨٠٥) وقال في الزوائد: إسناده حسن، شبيب بن بشر مختلف فيه.
(٢) أورده المنذري في التركيب (٢٤٢٨ - دار الكتب العلمية) بلفظ: روي، وعزاه للبخاري في "الضعفاء".
4 / 397
الجنة والعمل من فضل الله تعالى
وعند تحقيق النظر فالجنة والعمل كلاهما من فضل الله ورحمته عَلَى عباده المؤمنين؛ ولهذا يقول أهل الجنة عند دخولها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٤٣].
فلما اعترفوا لله بنعمته عليهم بالجنة وبأسبابها من الهداية، وحمدوا الله عَلَى ذلك كله جُوزُوا بأَنْ نُودُوا: ﴿أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣] فأضيف العمل إليهم وشُكروا عليه.
ونظير هذا ما قاله بعض السَّلف: إنَّ العبد إذا أذنب ثم قَالَ: يا رب أنت قضيت عَلَيَّ، قَالَ له ربه: أنتَ أذنبت وأنت عصيت، فإن قَالَ العبد: يا رب أنا أخطأت وأنا أسأت، وأنا أذنبت.
قَالَ الله: أنا قضيت عليك وقدرت، وأنا أغفر لك.
***
4 / 398
الشقاء والسعادة بعدله ورحمته جلَّ وعلا
ومما يتحقق به معنى قول النبيّ ﷺ: "لَنْ يدخلَ أحدٌ الجنةَ بِعملِهِ"، أو "لَنْ ينجّيَ أحدًا عملُهُ"، أن مضاعفة الحسنات إِنَّمَا هي من فضل الله ﷿ وإحسانه، حيث جازى بالحسنة عشرًا ثم ضاعفها إِلَى سبعمائة ضعف إِلَى أضعاف كثيرة. فهذا كله فضل منه ﷿، ولو جازى بالحسنة مثلها كالسيئات لم تقوَ الحسنات عَلَى إحباط السيئات، فكان يهلك صاحبُ العمل لا محالة.
كما قَالَ ابن مسعود ﵁ في صفة الحسنات: إن كان وليًّا لله فَفَضل له مثقال ذرة ضاعفها الله له حتى يُدخله بها الجنة، وإن كان شقيًّا قَالَ المَلَك: يا رب فَنِيت حسناته وبقي له طالبون كثير؟
قَالَ: خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إِلَى سيئاته ثم صكوا له صكًّا إِلَى النار (١).
فتبيَّن بهذا أن من أراد اللهُ سعادَتَهُ أضعفَ اللهُ له حسناته حتى يستوفي (منها) (*) الغرماء، ويبقي له منها مثقال ذرة فتضاعف له ويدخل بها الجنة، وذلك من فضل الله ورحمته.
ومن أراد الله شقاوته وله غرماء لم تضاعف حسناته كما تضاعف لمن أراد الله سعادته، بل يضاعفها عشرًا فتقسم عَلَى الغرماء فيستوفونها كلها، وتبقى لهم عليه مظالم فيطرح عليه من سيئاتهم فيدخل بها النار، قهذا عدله (وذاك) فضله (**).
ومن هنا قَالَ يحيى بن معاذ: إذا بسط فضله لم يبق لأحد سيئة، وإذا جاء
(١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٤١٦)، والطبري في تقسيره (٥/ ٨٩ - ٩٠)، (١٩/ ٥٤ - ٥٥)، وعزاه ابن كثير (١/ ٤٩٨) لابن أبى حاتم والطبري وقال: ولبعض هذا الأثر شاهد في الحديث الصحيح.
(*) منه: "نسخة".
(**) وذلك: "نسخة".
4 / 399