السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة
الناشر
مكتبة العبيكان
الإصدار
الأولى
سنة النشر
١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٤ م
تصانيف
•الشمائل المحمدية
مناطق
العراق
السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة
(قراءة جديدة)
محمد الصوياني
الجزء الأول
مكتبة العبيكان
1 / 1
(ح) مكتبة العبيكان، ١٤٢٤هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
الصوياني محمَّد
السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة. / محمَّد الصوياني
- الرياض، ١٤٢٤ هـ
٢٨٦ ص، ١٦.٥ × ٢٤ سم
ردمك: ٠ - ٣٧٥ - ٤٠ - ٩٩٦٠ (مجموعة)
٩ - ٣٧٦ - ٤٠ - ٩٩٦٠ (ج١)
١ - السيرة النبوية ٢ - الحديث- مباحث عامة أ. العنوان
ديوى ٢٣٩
٢٨٧٨/ ١٤٢٤
ردمك:٠ - ٣٧٥ - ٤٠ - ٩٩٦٠ (مجموعة) رقم الإيداع: ٢٨٧٨/ ١٤٢٤
٩ - ٣٧٦ - ٤٠ - ٩٩٦٠ (ج١)
الطبعة الأولى الخاصة بمكتبة العبيكان
١٤٢٤هـ/٢٠٠٤ م
حقوق الطباعة والنشر محفوظة للناشر
الناشر
مكتبة العبيكان
الرياض- العليا- تقاطع طريق الملك فهد مع شارع العروبة
ص. ب: ٦٢٨٠٧ - الرمز: ١١٥٩٥
هاتف:٤٦٥٤٤٢٤ - فاكس: ٤٦٥٠١٢٩
1 / 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
1 / 3
الحمد لله رب العالمين .. والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ..
1 / 5
هذه القصة
قصة طفل طهور كالبرد .. ولد يتيمًا .. واستمر اليتم يلاحقه ويلاحق طفولته في طرقات مكة ودروبها .. يذيقه المرارة .. يفجعه بأهله وأحبابه ..
ويكبر محمَّد ﷺ .. وتكبر غربته .. ويكتشف في دروب الحياة يتمًا أكبر من يتمه .. وهمًّا أثقل من همِّه .. فالأرض كلها يتم .. والبشرية تئن همًا وحزنًا يعصر قلبها ..
الجزيرة العربية كانت غابةً من الأصنام .. وأوديةً تسيل دماء بريئة .. تسيل عادات بالية وتقاليد محيرة ..
ماذا يفعل أمامها .. وماذا بيديه حيالها .. ماذا يفعل سوى الغربة مهربًا وملاذًا .. يناجي بها ربه ويعج إليه بالتوحيد والدعاء .. وفي غربته الشعورية تلك تهبط عليه الرسالة .. فيحمل الأمانة وينحدر بها نحو مكة .. نحو أمته فينطق بها بهجة وبشرى لهم .. وينتظر الإجابة .. وتأتي الإجابة على غير ما يتمنى ويحب .. تأتى الإجابة سياطًا وشتائم وتكذيبًا له وهو الذي يلقب بالأمين.
فماذا فعل الأمين ﷺ مع هؤلاء؟
الإجابة كانت أكثر من خمسين عامًا من فنِّ التعامل مع الغير .. نقشها ﷺ في قلوب من حوله وقلوب غيرهم ممّن دبَّ على هذه الأرض إلى قيام الساعة.
الإجابة سيرة لم تكن ماضيًا أبدًا .. بل شعلة توقد شموس الحياة .. ودماء تتدفق في عروق المستقبل والأجيال.
1 / 7
سيرته ﷺ في مكة هي واقع هذه الصحوة التى تهز أركان الأرض من أقصاها إلى أقصاها .. ولا بد لهذه الصحوة من أن تشرب من النبع الذي شربت منه في مكة .. لا بد لها من أن تتقد بشعلتها الخالدة وإلا تحولت إلى رماد تذروها الرياح والأهواء.
أحاول في هذه السيرة- القصة أن أبسط ما أمكن .. أن أجعل هذه الأحداث سهلة في متناول الجميع خاصة من لا يبحثون عن التعقيد أو التفريع .. لذلك صغتها وربطت بين أحاديثها الصحيحة لتكون قصة لا روايات أحداث متفرقة فقط.
فالحمد لله حمدًا يليق بجلاله وعظمته إن كنت قد وفقت في ذلك ..
وأرجوه الصفح والغفران إن كنت قد زللت ..
1 / 8
جده عبد المطلب
لا أدري من أين أتى ..
ربما صعد جبلًا أو منه انحدر ..
ربما هبط واديًا؛ أو كان يرعى الغنم ..
لا أدري ..
لكنه كان متعبًا يقتلع خطاه ..
يسحب جسده الثقيل نحو الكعبة ..
حيث ألقى بذلك الجسد في الحجر ..
وتردى في هوة سحيقة من النوم ..
ليجد في قعرها هاتفًا يطالبه بعمق أكثر ..
فيقول له: (احفر طيبة) (١) ..
لم يمهله عبد المطلب ..
لقد عاجله قائلًا: وما طيبة؟
ولم تأت إجابة .. وأطبق الصمت، والهاتف اختفى ولم يرد. وفي الغد .. رجع عبد المطلب إلى مرقده ذلك عله يجد لذلك الحلم تفسيرًا. وما إن غاص في سباته حتى سمع ذلك الصوت الخفي يناديه مرة أخرى: (احفر بره) (٢).
(١) اسم من أسماء زمزم.
(٢) اسم من أسماء زمزم.
1 / 9
(يقول عبد المطلب: قلت: وما بره؟ ثم ذهب عني، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه .. فجاءني فقال:
احفر زمزم.
قلت: وما زمزم؟
قال: لا تترف أبدًا ولا تذم، تسقي الحجيج الأعظم، وهي بين الفرث والدم، عند نقرة الغراب الأعصم، عند قرية النمل ..
فلما بيّن لعبد المطلب شأنها، ودل على موضعها وعرف أنه قد صدق، غدا بمِعْوَلِه ومعه ابنه الحارث بن عبد المطلب، وليس له يومئذ وليد غيره .. فحفر فيها، فلما بدا لعبد المطلب الطي (١) كبَّر (٢). فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته .. فقاموا إليه.
فقالوا: يا عبد المطلب، إنها بئر أبينا إسماعيل، وإن لنا فيها حقًا .. فأشركنا معك فيها.
فقال عبد المطلب: ما أنا بفاعل، إن هذا الأمر قد خصصت به دونكم وأُعطيتُه من بينكم.
فقالوا: أنْصفنا فإنّا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها.
قال عبد المطلب: فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه.
قالوا: كاهنة بني سعد هذبم.
قال عبد المطلب: نعم.
(١) طي البئر وهو من الحجارة.
(٢) قال: الله أكبر.
1 / 10
وكانت -هذه الكاهنة- بأشراف الشام. فركب عبد المطلب، ومعه نفر من بني أمية، وركب من كل قبيلة من قريش نفر، فخرجوا والأرض إذ ذاك مفاوز (١)، حتى إذا كانوا ببعضها نفذ ماء عبد المطلب وأصحابه، فعطشوا حتى استيقنوا بالهلكة فاستسقوا من معهم، فأبوا عليهم.
وقالوا: إنا بمفاوز .. وإنا نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم.
فقال عبد المطلب: إني أرى أن يحفر كل رجل منكم حفرته لنفسه بما لكم الآن من القوة، فكلما مات رجل، دفعه أصحابه في حفرته، ثم واروه، حتى يكون آخرهم رجلًا واحدًا، فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب جميعه. فقالوا: نِعْمَ ما أمرت به.
فحفر كل رجل لنفسه حفرة، ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشًا) (٢)
لقد كان ذلك الرأي سقيمًا، إنه انتحار بطىء سببه تلك الخصومة والضيق الذي لا مبرر له إلا حب الرياسة والشرف عند أولئك العرب، لقد أحس عبد المطلب بفساد ذلك الرأي فصاح في تلك الجثث الملقاة في اللُّحُود: (والله إن إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت لا نضرب في الأرض، ولا نبتغى لأنفسنا؛ لَعَجْزٌ .. فعسى الله أن يرزقنا ماءً ببعض البلاد: ارْتَحِلُوا.
فارتحلوا، حتى إذا بعث (٣) عبد المطلب راحلته انفجرت من تحت خفها عين ماء عذب، فكبر عبد المطلب، وكبر أصحابه، ثم نزل فشرب
(١) سميت بذلك لأنها مهلكة.
(٢) ما بين الأقواس خبر صحيح الإسناد، انظر ما بعده.
(٣) دفعها للنهوض.
1 / 11
وشرب أصحابه، واستسقوا حتى ملأوا أسقيتهم. ثم دعا قبائل قريش، وهم ينظرون إليهم في جميع هذه الأحوال.
فقال: هلموا إلى الماء، فقد سقانا الله، فجاءوا فشربوا واستقوا كلهم. ثم قالوا: قد والله قضي لك علينا، والله ما نخاصمك في زمزم أبدًا، إن الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة (١) هو الذي سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدًا، فرجع ورجعوا معه، ولم يصلوا إلى الكاهنة، وخلوا بينه وبين زمزم) (٢).
رجع عبد المطلب بقسمة الله لا بقسمة الكاهنة وتمتماتها .. وأرجع الله بنبع الماء البارد الحياة إلى جثث التحفت بقبورها .. وقادتهم ناقة عبد المطلب إلى مكة يحملون على عيسهم بعض الماء والتسليم بحق عبد المطلب وزعامته. إنه الآن يتولى سقاية زمزم .. بئر جده إسماعيل ﵇.
(١) الأرض التي لا ماء فيها.
(٢) ما بين الأقواس خبر صحيح الإسناد إلى علي بن أبي طالب، رواه لنا ابن إسحاق فقال: حدثي يزيد بن أبي حبيب عن مرثد بن عبد الله اليزني، عن عبد الله بن زرير، إنه سمع علي ابن أبي طالب ﵁، قال: قال عبد المطلب بن هاشم: إني لنائم في الحجر، إذ أتاني آت فقال لي: احفر طيبة. قلت: وما طيبة؟ ثم ذهب عني، فلما كان الغد رجعت إلي مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال: احفر المضنونة. قلت: وما المضنونة ... إلخ. انظر سيرة ابن كثير (١/ ١٦٧) ودلائل النبوة (١/ ٩٣). وإسناد ابن إسحاق قوي: يزيد بن أبي حبيب شيخ ابن إسحاق: ثقة فقيه من رجال الشيخين، انظر تقريب التهذيب (٢/ ٣٦٣). ومرثد بن عبد الله اليزني شيخ ليزيد، انظر التهذيب (١٠/ ٨٢) وهو ثقة أيضًا وفقيه. انظر تقريب التهذيب (٢/ ٢٣٦). وأما عبد الله بن زرير فهو تابعي ثقة، انظر التقريب (١/ ٤١٥) والتهذيب (١٠/ ٨٢) والتهذيب أيضًا (٥/ ٢١٦) علي ﵁ لم يدرك جده فهو مرسل سمعه من أحد أعمامه أو غيرهم.
1 / 12