منار السبيل في شرح الدليل

محقق

زهير الشاويش

الناشر

المكتب الإسلامي

الإصدار

السابعة ١٤٠٩ هـ

سنة النشر

١٩٨٩م

المجلد الأول
مقدمة
...
مقدمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، الذي شرح صدر من شاء من عباده للفقه في الدين، ووفق لاتباع آثار السلف الصالحين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ند ولا معين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله الأمين، وخاتم الأنبياء والمرسلين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد فهذا شرح على كتاب: "دليل الطالب لنيل المطالب" الذي ألفه
الشيخ مرعي بن يوسف المقدسي الحنبلي
تغمده الله برحمته، وأباحه بحبوحة جنته، ذكرت فيه ما حضرني من الدليل والتعليل، ليكون وافيًا بالغرض من غير تطويل، وزدت في بعض الأبواب مسائل يحتاح إليها النبيل، وربما ذكرت رواية ثانية أو وجهًا ثانيًا لقوة الدليل، نقلته من كتاب الكافي لموفق الدين عبد الله بن ًاحمد بن محمد بن قدامة المقدسي ثم الدمشقي.

1 / 3

من شرح المقنع الكبير لشمس الدين عبد الرحمن بن أبي عمر بن قدامة وغالب نقلي من مختصره، ومن فروع ابن مفلح وقواعد ابن رجب وغيرها من الكتب.
وقد أفرغت في جمعه طاقتي وجهدي، وبذلت فيه فكري وقصدي، ولم يكن في ظني أن ًاتعرض لذلك، لعلمي بالعجز عن الخوض في تلك المسالك، فما كان فيه من صواب فمن الله، أو خطأ فمني، وأسأله سبحانه العفو عني، ولما تكففته من أبواب العلماء وتطفلت به على موائد الفقهاء تمثلت بقول بعض الفضلاء:
أسير خلف ركاب النجب ذا عرج ... مؤملًا كشف ما لا قيت من عوج
فإن لحقت بهم من بعد ما سبقوا ... فكم لرب الورى في ذاك من فرج
وإن بقيت بظهر الأرض منقطعًا ... فما على عرج في ذاك من حرج
وإنما علقته لنفسي، ولمن فهمه قاصر كفهمي، عسى أن يكون تذكرة في الحياة، وذخيرة بعد الممات، وسميته "منار السبيل في شرح الدليل" أسأل الله العظيم أن يجعله لوجهه خالصًا، وإليه مقربًا، وأن يغفر لي ويرحمني والمسلمين، إنه غفور رحيم.

1 / 4

مقدمة صاحب المتن مع شرحها
بسم الله الرحمن الرحيم
"الحمد لله رب العالمين" ابتدأ كتابه بالبسملة ثم بالحمدلة اقتداء بكتاب الله ﷿، وعملًا بحديث "كل أمر ذي بال، لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر"، أي ذاهب البركة، رواه الخطيب والحافظ عبد القادر الرهاوي، وبحديث "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع" وفي رواية: "بحمد الله". وفي رواية: "بالحمد". وفي رواية "فهو أجذم". رواها الحافظ الرهاوى في الأربعين له.
"وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مالك يوم الدين" قال ابن عباس ومقاتل: قاضي يوم الحساب، وقال قتادة: الدين الجزاء. وإنما خص يوم الدين بالذكر مع كونه مالكًا للأيام كلها، لأن الأملاك يومئذ زائلة فلا ملك ولا أمر الا له.
"وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المبين لأحكام شرائع الدين" بأقواله وأفعاله وتقريراته، والدين هنا الإسلام، قال تعالى ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] وقال ﷺ في حديث عمر: "هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم".
"الفائز بمنتهى الإرادات من ربه" كالحوض المورود، والمقام المحمود،

1 / 5

وغير ذلك من خصائصه. قال تعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى١﴾، والفوز والنجاة والظفر بالخير، قاله في القاموس.
"فمن تمسك بشريعته" بفعل المأمورات، واجتناب المنهيات.
"فهو من الفائزين" في الدنيا والآخرة.
"صلى الله وسلم عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين" حكى البخاري في صحيحه عن أبي العالية الصلاة من الله تعالى ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى وقيل الرحمة، وقيل رحمة مقرونة بتعظيم. وتستحب الصلاة عليه ﷺ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا٢﴾ ولقوله ﷺ: "أكثروا علي من الصلاة" وتتأكد في ليلة الجمعة ويومها، وعند ذكره، وقيل تجب لقوله ﷺ: "البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي" وحديث: "رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي" وهي ركن في التشهد الأخير وخطبتي الجمعة كما يأتي - والنبي إنسان أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، فإن أمر بتبليغه فهو رسول.
"وعلى آل كل وصحبه أجمعين" وآل النبي أتباعه على دينه الصحيح عندنا، وقيل أقاربه المؤمنون، والصحب اسم جمع لصاحب بمعنى الصحابي، وهو من اجتمع بالنبي ﷺ مؤمنًا ومات على ذلك. وجمع بين الآل والصحب ردًا على الشيعة المبتدعة، حيث يوالون الآل دون الصحب.

١ الضحى -٥.
٢ الأحزاب – ٥٦.

1 / 6

"وبعد" يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى آخر استحبابًا، في الخطب والمكاتبات، لفعله ﵇.
"فهذا مختصر" وهو ما قل لفظه وكثر معناه، قال علي ﵁: خير الكلام ما قل ودل ولم يطل فيمل.
"في الفقه" وهو لغةً الفهم، واصطلاحًا معرفة الأحكام الشرعية الفرعية بالاستدلال بالفعل أو بالقوة القريبة.
"على المذهب الأحمد مذهب الإمام أحمد" بن محمد بن حنبل الشيباني ﵁ وأرضاه، ولد ببغداد في ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة، ومات بها في ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين ومائتين، وفضائله ومناقبه شهيرة.
"بالغت في إيضاحه رجاء الغفران" من الله جل وعلا.
"وبينت فيه الأحكام أحسن بيان" والأحكام خمسة: الوجوب، والحرمة، والندب، والكراهة، والإباحة.
"لم أذكر فيه إلا ما جزم بصحته أهل التصحيح والعرفان وعليه الفتوى فيما بين أهل الترجيح والإتقان" من المتأخرين.
"وسميته بدليل الطالب لنيل المطالب والله أسأل أن ينفع به من اشتغل به من المسلمين"
"وأن يرحمني والمسلمين إنه أرحم الراحمين" آمين.

1 / 7

كتاب الطهارة
مدخل
مدخل
...
كتاب الطهارة
[وهي رفع الحدث] أي زوال الوصف القائم بالبدن، المانع من الصلاة ونحوها.
[وزوال الخبث] أي النجاسة، أو زوال حكمها بالاستجمار أو التيمم [وأقسام الماء ثلاثة، أحدها طهور وهو الباقي على خلقته] التي خلق عليها سواء نبع من نبع من الأرض، أو نزل من السماء، على أي لون كان.
[يرفع الحدث ويزيل الخبث] لقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] وقول النبي ﷺ: "اللهم طهرني بالماء والثلج والبرد" متفق عليه، وقوله في البحر "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" رواه الخمسة، وصححه الترمذي.
وهو أربعة أنواع:
١ -[ماء يحرم استعماله ولا يرفع الحدث ويزيل الخبث وهو ما ليس مباحًا] كمغصوب ونحوه، لقوله ﷺ، في خطبته يوم النحر بمنى "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا" رواه مسلم من حديث جابر.
٢-[وماء يرفع حدث الأنثى لا الرجل البالغ والخنثى، وهو ما خلت به المرأة المكلفة لطهارة كاملة عن حدث] لحديث الحكم بن عمرو الغفاري

1 / 8

﵁ أن رسول الله ﷺ "نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة" رواه الخمسة. وقال أحمد: جماعة كرهوه. وخصصناه بالخلوة، لقول عبد الله بن سرجس: توضأ أنت ها هنا وهي ها هنا، فأما إذا خلت به، فلا تقربنه.
٣ -[وماء يكره استعماله مع عدم الاحتياج إليه وهو ماء بئر بمقبرة] قال في الفروع في الأطعمة: وكره أحمد ماء بئر بين القبور، وشوكها وبقلها. قال ابن عقيل: كما سمد بنجس والجلالة، انتهى.
[وماء اشتد حره أو برده] لأنه يؤذي ويمنع كمال الطهارة.
[أو سخن بنجاسة أو بمغصوب] لأنه لا يسلم غالبًا من صعود أجزاء لطيفة إليه، وفي الحديث "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" رواه النسائي والترمذي وصححه.
[أو استعمل في طهارة لم تجب] لتجديد وغسل جمعة.
[أو في غسل كافر] خروجًا من خلاف من قال: يسلبه الطهورية.
[أو تغير بملح مائي] كالملح البحري لأنه منعقد من الماء.
[أو بما لا يمازجه، كتغيره بالعود القماري، وقطع الكافور والدهن] على اختلاف أنواعه لأنه تغير عن مجاوره لأنه لا يمازج الماء وكراهته خروجًا من الخلاف، قال في الشرح: وفي معناه ما تغير بالقطران والزفت والشمع لأن فيه دهنية يتغير بها الماء.
[ولا يكره ماء زمزم إلا في إزالة الخبث] تعظيمًا له ولا يكره الوضوء والغسل منه، لحديث أسامة أن رسول الله ﷺ "دعا بسجل من ماء زمزم فشرب منه وتوضأ" رواه أحمد عن علي،

1 / 9

وعنه يكره الغسل لقول العباس "لا أحلها لمغتسل". وخص الشيخ تقي الدين الكراهة بغسل الجنابة.
[وماء لا يكره إستعماله كماء البحر] لما تقدم.
[والآبار والعيون والأنهار] لحديث أبي سعيد قال: قيل يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة - وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن - فقال ﷺ: "الماء طهور لا ينجسه شئ". رواه أحمد وأبو داود والترمذي. وحديث "أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شئ؟..".
[والحمام] لأن الصحابة دخلوا الحمام ورخصوا فيه، ومن نقل عنه الكراهة علل بخوف مشاهدة العورة أو قصد التنعم به، ذكره في المبدع. وروى الدارقطني بإسناد صحيح عن عمر أنه كان يسخن له ماء في قمقم فيغتسل به. وروى ابن أبي شيبة عن ابن عمر أنه كان يغتسل بالحميم.
[ولا يكره المسخن بالشمس] وقال الشافعي: تكره الطهارة بما قصد تشميسه لحديث "لا تفعلي فإنه يورث البرص" رواه الدارقطني وقال: يرويه خالد بن إسماعيل، وهو متروك، وعمرو الأعسم، وهو منكر الحديث، ولأنه لو كره لأجل الضرر لما اختلف بقصد تشميسه وعدمه.
[والمتغير بطول المكث] وهو الآجن قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه أن الوضوء بالماء الآجن جائز سوى ابن سيرين. وكذلك ما تغير في آنية الأدم والنحاس، لأن الصحابة كانوا يسافرون

1 / 10

وغالب أسقيتهم الأدم وهي تغير أوصاف الماء عادة، ولم يكونوا يتيممون معها، قاله في الشرح.
[أو بالريح من نحو ميتة] قال في الشرح: لا نعلم في ذلك خلافًا.
[أو بما يشق صون الماء عنه كطحلب، وورق شجر ما لم يوضعا] وكذلك ما تغير بممره على كبريت وقار وغيرهما، وورق شجر على السواقي والبرك، وما تلقيه الريح والسيول في الماء، من الحشيش والتبن ونحوهما، لأنه لا يمكن صون الماء عنه، قاله في الكافي.
[الثاني طاهر يجوز استعماله في غير رفع الحدث وزوال الخبث، وهو ما تغير كثير من لونه أو طعمه أو ريحه، بشئ طاهر] غير اسمه حتى صار صبغًا، أو خلًا، أو طبخ فيه فصار مرقًا، فيسلبه الطهورية، قال في الكافي: بغير خلاف لأنه أزال عنه اسم الماء فأشبه الخل.
[فإن زال تغيره بنفسه: عاد إلى طهوريته، ومن الطاهر ما كان قليلًا واستعمل في رفع حدث] لأن النبي ﷺ "صب عليه جابر من وضوئه" رواه البخاري. وفي حديث صلح الحديبية: "وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه" ويعفى عن يسيره. وهو ظاهر حال النبي، ﷺ وأصحابه، لأنهم يتوضؤن من الأقداح.
[أو انغمست فيه كل يد المسلم المكلف، النائم ليلًا نومًا ينقض الوضوء قبل غسلها ثلاثًا بنية وتسمية وذلك واجب] لقوله ﷺ: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه، قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثًا، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده" رواه مسلم. ويفتقر

1 / 11

للنيًة لحديث عمر "إنما الأعمال بالنيات" وللتسمية قياسًا على الوضوء قاله: أبو الخطاب.
[الثالث نجس يحرم استعماله إلا للضرورة، ولا يرفع الحدث، ولا يزيل الخبث، وهو ما وقعت فيه نجاسة وهو قليل] لحديث ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه سلم وهو يسأل عن الماء يكون في الفلاة من الأرض، وما ينو به من السباع والدواب فقال: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث" رواه الخمسة وفي لفظ ابن ماجه وأحمد لم ينجسه شئ يدل على أن ما لم يبلغهما ينجس. وقول النبي ﷺ: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات" متفق عليه يدل على نجاسة من غير تغير، ولأن الماء اليسير يمكن حفظه في الأوعية، فلم يعف عنه. قاله في الكافي. وحمل حديث بئر بضاعة على الكثير جمعًا بين الكل. قاله في المنتقى.
[أو كان كثيرًا وتغير بها أحد أوصافه] قال في الكافي: بغيرخلاف. وقال في الشرح: حكاه ابن المنذر إجماعًا.
[فإن زال تغيره بنفسه أو بإضافة طهور إليه أو بنزح منه ويبقى بعده كثير طهر] أي عاد إلى طهوريته.
[والكثير قلتان [من قلال هجر] ١ تقريبًا، واليسير ما دونهما] وإنما خصت القلتان بقلال هجر، لوروده في بعض ألفاظ الحديث، ولأنها كانت مشهورة الصفة، معلومة المقدار. قال ابن جريج: رأيت قلال هجر، فرأيت القلة تسع قربتين وشيئًا، والاحتياط أن يجعل الشئ نصفًا، فكانت

١ ما بين القوسين أدخل تصحيحا على متن الشارح وليس في الأصول المخطوطة.

1 / 12