فن المقال الصحفي في أدب طه حسين
الناشر
الهيئة المصرية العامة للكتاب
الإصدار
-
تصانيف
•الأدب والنقد
مناطق
مصر
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة: التفسير الإعلامي لأدب طه حسين:
الاتصال هو حامل العملية الاجتماعية، وهو الوسيلة التي يستخدمها الإنسان لتنظيم واستقرار وتغيير حياته الاجتماعية، ونقل أشكالها ومعناها من جيلٍ إلى جيلٍ عن طريق التعبير والتسجيل والتعليم، ولكل مجتمعٍ -مهما كانت درجة بداءته أو رقيِّه- نظامٌ معيَّنٌ من الاتصال يساعد على تسيير أموره، أما الاتصال بالجماهير فيمكن تعريفه على أنه "بثّ رسائل واقعية أو خيالية موَحَّدة على أعداد كبيرة من الناس، يختلفون فيما بينهم من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، وينتشرون في مناطق متفرقة١".
ويُقْصَدُ بالرسائل الواقعية مجموعة الأخبار والمعلومات التي تدور حول الأحداث، وتنشرها الصحف وتذيعها الإذاعة المسموعة والمرئية، أما الرسائل الخيالية فهي القصص والتمثيليات والروايات والأغاني وغيرها من المبتكرات الفنية التي قد ترتكن إلى الواقع وتنسج منه صورة فنية، أو قد تكون من نسج الخيال، وحتى في الحالة الثانية لا بُدَّ من ارتباط التعبير الاتصالي بواقع المجتمع وما فيه من اتجاهات ومبادئ ومعتقدات وقيم. وفي الاتصال الجماهيري الحديث تتعرَّض الجماهير المختلفة باختلاف السن أو الحالة الاقتصادية أو المكانة
١ O'Hara. Robert C. Media for the Million، New York، ١٩٦١، p. ٦.
1 / 5
الاجتماعية أو الثقافية لنفس المؤثِّرات الإعلامية والفنية الموحدة مهما تباعدت مناطق إقامتهم١.
ولا شك أن الأدب أو الفن بوجهٍ عام -كما يقرر تولستوي- إحدى وسائل الاتصال بين الناس، فكما أن الإنسان ينقل أفكاره إلى الآخرين عن طريق "الكلام"، فإنه ينقل إلى الآخرين عواطفه عن طريق الأدب والفن، ومعنى هذا: أن الأدب لا يخرج عن كونه أداة تواصل بين الأفراد، يتحقق عن طريقها ضَرْبٌ من الاتحاد العاطفي أو التناغم الوجداني فيما بينهم، ولما كان الناس يملكون هذه المقدرة الفطرية على نقل عواطفهم إلى الآخرين عن طريق الحركات والأنغام والخطوط والألوان والأصوات وشتَّى الصور اللفظية، فإن كل الحالات الوجدانية التي تمرُّ بالآخرين من حولنا هي بطبيعة الحال في متناول إحساساتنا، فضلًا عن أن في وسعِنَا أيضًا أن نستشعر عواطف أخرى أحسَّ بها غيرُنا من قبل منذ آلاف السنين٢.
ولا يَقِلُّ الفن أهميةً في نظر تولستوي عن "الكلام"؛ لأنه لو لم تكن لدينا تلك المقدرة على التعاطف مع الآخرين عن طريق الفن، لبقينا متوحشين منعزلين يحيا كلٌّ منَّا بمنأى عن الباقين، أو لظللنا فرادى عاجزين عن تحقيق أيِّ توافقٍ فيما بيننا بعضنا والبعض الآخر.. وكما أن اللفظ هو أداة اتصال فكري هامٍّ بين بني البشر، فإن الفن هو أداة اتصال عاطفيّ هام بين الناس أجمعين. وتبعًا لذلك فإن تولستوي يعرِّفُ الفنَّ بقوله: أنه "ضَرْبٌ من النشاط البشري الذي يتمَثَّلُ في قيام الإنسان بتوصيل عواطفه إلى الآخرين، بطريقة شعورية إرادية، مستعملًا في ذلك العلامات الخارجية"، ويضرب تولستوي لذلك مثلًا فيقول: إنه لو قُدِّرَ لطفلٍ صغير استشعر انفعال الخوف الشديد عند لقاء الذئب أن يروي لجماعة من الناس ما اعْتَوَر نفسه من مخاوف حينما التقى بذلك الحيوان الكاسر، ولو نجح مثل هذا الطفل في أن يسترجع نفس المشاعر عند روايته لتلك القصة، وأن يولِّدَ في نفس سامعيه مشاعر مماثلة، لكان عمله هذا فنًّا ما في ذلك ريب.. وحتى لو افترضنا أن هذا الطفل لم يلتق في حياته يومًا بذئب، ولكنه نجح في أن ينقل إلى الآخرين شعوره المتوهم بالخوف، فإن مثل هذه الصورة المتخيَّلة تُعَدُّ أيضًا ضربًا من الفن، بشرط أن يتمَّ عن طريقها انتقال العواطف من الراوي إلى المستمعين. وتبعًا لذلك، فإن تولستوي لا يَقْصِرُ كلمة "الفن" على ما نراه في المسارح والمعارض، أو ما نسمعه في صالات الموسيقى والغناء، أو ما نقرأه في كتب الأدب والشعر والقصة والرواية، بل هو يدخل أيضًا في دائرة الفن كل ما
١ د. إبراهيم إمام: الإعلام والاتصال بالجماهير، القاهرة ١٩٧٥ ص٢٨.
٢ د. زكريا إبراهيم: مشكلة الفن، القاهرة ١٩٧٧ ط٢.
1 / 6
من شأنه أن يوصِّلَ إلى الآخرين حياتنا الباطنية، أو أن يوصِّل إلينا حياتهم الباطنية، بما في ذلك أغاني الأمهات لهدهدة أطفالهن، وشتَّى ضروب الرقص الشعبي، وسائر حركات التقليد والمحاكاة.. إلخ.
والعمل الفني الحقيقي.. في نظر تولستوي.. هو ذلك الإنتاج الصادق الذي يمحو كل فاصل بين صاحبه من جهة، وبين الإنسان الذي يوجَّه إليه من جهة أخرى، ثم هو أيضًا ذلك الإنتاج العامر بالعاطفة الذي يكون من شأنه أن يوحِّدَ بين قلوب كل مَنْ يوجه إليهم. والميزة الرئيسية للفن إنما تنحصر على وجه التحديد في قدرته على محو شتى الفواصل بين الناس، لكي يحقق ضربًا من الاتحاد الحقيقي بين الجمهور والفنان.
ويذهب "جيروم ستولنتيز"١ إلى أن عددًا كبيرًا من الفنانين، وربما معظمهم، يهتمون بالقدرة التوصيلية لفنهم. والدليل على ذلك أنهم كانوا يراجعون عملهم، خلال عملية الخلق، ليجعلوه أسهل فهمًا أو أكثر جاذبية للجمهور المنتظر. ففي المجتمع القديم والوسيط، وفي كل مجتمع كان الفن يخدِمُ فيه أغراضًا جماعية، كان الفنان يفترض مقدمًا أهمية التوصيل الناجح إلى الآخرين. وفضلًا عن ذلك فإن الوسيط الذي كان يستخدمه الفنان، أي: "القوالب" من أمثال السوناتا والرواية، وكذلك رمزيته، تستمد عادة من تراث حضاري. ومن هنا فإنا نستطيع استخدامها من أجل إنتاج موضوع "عام" يمكن المشاركة فيه٢، غير أن تولستوي لم يفطن إلى الوسائل التي تجعل هذا الاتصال حقيقة، فالاتصال يتم بامتدادات أنفسنا، وهو في كل امتداد يتمثَّل خصائصه، كما أنه لم يفطن إلى أن تأثر الأفراد بالعمل الفني يختلف من فرد إلى آخر، بدليل أننا نجد أفرادًا يتحمَّسون لبعض الأعمال الفنية، في حين يعجز غيرهم عن تمييز ما فيها من عناصر وجدانية أو عاطفية.
وتأسيسًا على هذا الفهم، نحاول في هذا الكتاب تفسير أدب طه حسين من زاوية اتصاله بالجماهير، ذلك أن طه حسين قد اتَّخذ من وسائل الإعلام بعامة، والصحافة بخاصة، وسيلة للاتصال بالجماهير في تحقيق التقارب، والتواصل القائم على أن "الفكرة" في دلالتها الاجتماعية، و"الكلمة" في صيغتها العملية، من أقدم الوسائل لتحقيق ما ننشد، والفكرة والكلمة
١ جيروم ستولنتيز "ترجمة د. فؤاد زكريا": النقد الفني دراسة جمالة وفلسفية، القاهرة ١٩٧٤ ص٢٥٧.
٢ نفس المرجع ص٢٥٧، راجع للمؤلف: طه حسين وزوال المجتمع التقليدي، القاهرة ١٩٧٧ هيئة الكتاب ومركز الدراسات السياسية بالأهرام.
1 / 7
لهما القوة الساحرة التي تستطيع أن تتغلب على رواسب الفوارق والعنصريات بين الأمم في سبيل تحقيق المثل العليا من وحدة الشعور ووحدة الفكر، ووحدة القيم، لتعزيز الأخوة الإنسانية بأعمق دلالاتها، وأكرم معانيها.
فتمثل اتصاله بالجماهير هذه الرؤيا في الميدان الفكري والميدان العملي على السواء، لا يفصل بين الفكرة والفعل، وإنما ترتبط رؤياه الذهنية برؤياه الاجتماعية الفاعلة لإحداث التغيير الأساسي في المجتمع، ودعم قيمه الإيجابية.
ولعل في ذلك ما حَدَا بكثيرٍ من المستشرقين إلى توكيد الارتباط بين الجوانب المختلفة في كتابات طه حسين ونبوغه الفني١ -في كتاباته الثقافية والسياسية والأدبية على السواء٢، ذلك أن الاتصال الصحفي بالجماهير هو الذي استنفد هذه الكتابات، وأعطى شكلًا ومضمونًا لأشهر مؤلفاته التي كانت محل نقاش الكثيرين، والتي كانت سببًا في ذيوع شهرته داخل مصر والعالم العربي وخارجهما، ولعل في ذلك ما يشير إلى هدف الدراسة الاتصالية، في التعرف على طه حسين من وراء صحافته، على النحو الذي يبرز رؤياه الاجتماعية العملية التي تكمن وراء آثاره الفكرية في الاتصال بالجماهير، والتي يقيم من خلالها مشاركة مع مَنْ يتصل بهم، أو على حدِّ تعبيرٍ مستَعَارٍ من الإعلام، فإن "المرسل - طه حسين" يحاول توصيل معلوماته أو مشاهده أو مواقفه التي يحولها إلى كلمات مسموعة أو مكتوبة، وبعد أن ترسل الرسالة يتوقع المرسِلُ أنها قد رسمت في ذهن المتلقي الصورة نفسها التي كانت في ذهنه.
وإذا كانت عملية الاتِّصَال في الأدب تقوم على أساس من الوحدة، فإن طه حسين المرسل -والمضمون والوسيلة والمستقبل والاستجابة، جميعًا حلقات متصلة في سلسلة واحدة، ولقد عنينا في كتابنا عن "طه حسين وزوال المجتمع التقليدي" بدراسة هذه العناصر الاتصالية، ولكننا في هذا الكتاب الجديد نركِّزُ على أهم عناصر هذه الدورة، ونعني عنصر التعبير عن الفكرة الإبداعية وصياغتها في رموز، وهو العنصر الذي يطلق عليه مصطلح "الرسالة" الاتصالية، وإن كنا ننظر إلى هذا العنصر: "الرسالة"، على أنه جزء من الموقف الاتصالي العام بأبعاده النفسية والاجتماعية والثقافية، ذلك أن عملية الاتصال ليست موقفًا ساكنًا أو جامدًا، وإنما هي عملية ديناميكية
١ جورجيو ديلافيدا: "طه حسين المؤرخ" في طه حسين كما يعرفه كتاب عصره، القاهرة ١٩٧٠، ص٩٨.
٢ فرانثيسكو جابريللي: "طه حسين الناقد" في طه حسين كما يعرفه كتاب عصره، المرجع السابق، ص١٦٣.
1 / 8
متحركة، نخطئ إذا قلنا أن لها بداية معينة ونهاية معينة؛ لأنها تسري في المجتمع سريان الدورة الدموية في جسم الإنسان.
ومن ذلك يتضح أن دراسة "الرسالة" في الاتصال الجماهيري عند طه حسين، تعني: دراسة "المادة والشكل"، أما "المادة" فتدل على "قوالب البناء" الحسية التي يتركَّبُ منها العمل -من أصوات وألفاظ.. إلخ. وفي العمل ترتب هذه القوالب وتنظمٌ على نحو معين -هو الشكل. غير أن العمل "الرسالة" أكثر من مجرَّد ترتيب لعناصر مادية، فعندما ندركه جماليًّا، نجده ينطوي على انفعالات وصور وأفكار، وهناك عنصر آخر يوجد في بعض الأعمال الفنية وإن لم يكن في كلها، وقد أسماه "جيروم ستولنتيز"١ بموضوع العمل الفني "Subject Matter"، أي: الموضوعات والحوادث التي تصوّر في الفن التمثيلي كالدراما والتصوير التقليدي.
على أن دراسة التركيب الفني في الرسالة الاتصالية عند طه حسين، تنظر إلى الرسالة أو العمل الفني كوحدة، لا يمكن أن تفهم نظريًّا أو تتذوَّق جماليًّا إلّا على هذا الأساس، وإذا كان العمل الفني شديد التعقيد، فإننا نحاول في دراسته عند طه حسين أن نحلل تعقده إلى أجزائه المكوِّنة له، من خلال استقراء علمي للآثار الاتصالية في صحافته كوسيلة للاتصال الجماهيري، ولذلك اتجهنا إلى دراسة عناصر الأصالة ومظاهر التجديد للتعرُّف على صياغة تجربته الاتصالية المستمرة في مراحل تطوره الصحفي، فعرضنا لتنوع فنونه المقالية في الاتصال بالجماهير.
١ نفس المرجع المذكور ص٣٢٢.
1 / 9
ودراستنا هذه تتوسَّل بالمنهج العلمي في دراسة الاتصال بالجماهير، الذي يتوسل بالمناهج الكيفية والكمية على السواء، كما يتوسَّل بالدراسة التاريخية في تعيين الآراء والاتجاهات المختلفة في مكانها من عصرها، وتبيان قيمتها في عصرنا، في الوقت الذي يغدو الاستقراء العلمي فيه سبيل كسب المعرفة الجديدة عن طريق الانتقال من معلوم إلى مجهول، ولذلك ذهبت هذه الدراسة إلى رفض التضاد الذي يفصل بين الدراسات "الكيفية" أو "الكمية"، وأفادت من مزايا هذين الأسلوبين قدر المستطاع، ذلك أن البيانات الإحصائية ليست إلّا نقطة البداية التي تيسّر دراسة الاتصال بالجماهير في ضوء الفوارق الكيفية، انطلاقًا من المرحلة الأولى في وصف المقال وصفًا موضوعيًّا ومنتظمًا من خلال الرموز المستخدمة في عملية الاتصال.
ونخلص مما تَقَدَّمَ إلى أن المقال الصحفي في أدب طه حسين، كان في عاقبة الأمر هو محور دراسة اتصاله بالجماهير، بجلاء مصادره وأصوله، وتعيين مكانته، واستقراء الحديث من الاتجاهات التي سرت إليه، أو التي يُعْتَدُّ بها فيه، ومن أجل ذلك لم نورد النصوص المقالية إلّا للاستشهاد بها على مضمون المقال أو اتجاهاته أو فنونه، انتقالًا منها كجزئيات إلى حكم عام لا يدعي اليقين، وإن حاول الاقتراب منه، لما ينشده من تعليل إعلامي قائم على العلم.
والحق أن الأمة العربية تشهد في نهضتها الحاضرة، ازدهارًا للدراسات الإعلامية، يقوم على أساس من وحدة فنون الإعلام والربط بين وسائله جميعًا، تتلاقى في أصولها وفروعها، على النحو الذي تطورت إليه الدراسات الأكاديمية في مصر، وبلغت مداها الآنيّ بتحقيق هذه الوحدة الإعلامية، في كلية الإعلام بجامعة القاهرة، ويعود الفضل إلى عميدها الأسبق الدكتور إبراهيم إمام، في تحديد النظرية الإعلامية المصرية، التي تذهب إلى أن الفن الصحفي هو الفن الإعلامي الكلاسيكي الذي تعلَّمَت منه سائر الفنون الإعلامية الأخرى كالإذاعة والتليفزيون والسينما١، واشتقت منه سائر فنون الإعلام أشكالها وفنونها وأساليبها وطرائقها٢.
وفي هذا البحث حاولنا -ما وسعنا- أن نتعرَّفَ على الأسس الجوهرية والتيارات الفكرية العامة والنواحي الفنية الهامة التي أسفر عنها الفن الصحفي فيما يخص المقال الصحفي في أدب الدكتور طه حسين، في تلاقيه مع أهداف الفن الصحفي أو افتراقه عنها، من حيث تحريره، وغايته في الارتباط بالجماهير، فضلًا عن عمومية وسيلة الاتصال الصحفي ودوريتها، والرؤية الوظيفية التي تدفع الفن المقالي وتحدد شكله ومضمونه.
١، ٢ الدكتور إبراهيم إمام: دراسات في الفن الصحفي، ص٤.
1 / 10
ذلك أن الدكتور طه حسين، قد اتخذ من الفن الصحفي وسيلة للاتصال بالجماهير في تحقيق التقارب، والتواصل، القائم على أن "الفكرة" في دلالتها الاجتماعية، و"الكلمة" في صيغتها العملية، من أقدم الوسائل لتحقيق ما ينشد، والفكرة والكلمة لهما القوة الساحرة التي تستطيع أن تتغلب على رواسب الفوارق والعنصريات بين الأمم في سبيل تحقيق المثُل العليا من وحدة الشعور ووحدة الفكر، ووحدة القيم، لتعزيز الأخوة الإنسانية بأعمق دلالاتها، وأكرم معانيها١.
ولقد كان طه حسين أحد الطلائع الذين استوت على أيديهم معالم النهضة المصرية الحاضرة، فقوموها على ذلك النهج الواضح من الفكر والثقافة العصرية، وسبروا أعماق الشخصية المصرية وتمثَّلُوها حتى استقامت على نهجها الواضح ومعالمها الأصيلة، فكانت مراحل حياته المختلفة كما كانت جهوده الصحفية، مظهرًا لإيمانه بهذه المثل، ومصداقًا لعمله على التعبير عنها في الوصول بمصر إلى الغد المشرق، وفي تعزيز صلاتها بالفكر الإنساني على تعدد آفاقه، وفي مقاومة العزلة، بجميع ألوانها، متمثِّلًا في ذلك كله تراثها التاريخي وطابعها العقلي وقيمها الفكرية، ومقوماتها الأصيلة، التي كانت في مجرى الحضارة الإنسانية الموصول عاملًا فعَّالًا لا يجحد أثره الدارسون.
فيمثل مقاله الصحفي هذه الرؤيا في الميدان الفكري والميدان العملي على السواء، لا يفصل بين الفكرة والفعل، وإنما ترتبط رؤياه الذهنية برؤياه الاجتماعية الفاعلة لإحداث التغيير الأساسي في المجتمع المصري ودعم قيمه الإيجابية، كما قلنا من قبل.
ولعلَّ في ذلك ما حَدَا بكثيرٍ من المستشرقين، إلى توكيد الارتباط بين الجوانب المختلفة في كتابات طه حسين ونبوغه الفني٢ -في كتاباته الثقافية والسياسية والأدبية على السواء٣، ذلك أن فن المقال الصحفي هو الذي استنفذ هذه الكتابات، وأعطى شكلًا ومادة لأشهر مؤلفاته التي كانت محلَّ نقاش الكثيرين، والتي كانت سببًا في ذيوع شهرته داخل مصر والعالم العربي وخارجهما. وعندما أذاعت الأكاديمية الإيطالية وأكاديمية الآداب الرفيعة بباريس عضويته فيهما، كان ذلك اعترافًا دوليًّا بفضل طه حسين الذي شاء له القدر أن يبدأ حياته بظرفه البصري الخاص -بذلك التعليم التقليدي وبذلك التكوين الأزهري٤، وأن لا يستجيب المصريون لصيحته فحسب، وإنا تستجيب له أوروبا وأمريكا، حتى أن الكاتب"دونالد رونسن" في مؤلفه
١ خطاب طه حسين إلى أدباء أمريكا اللاتينية، جريدة الأخبار في ١٣ ديسمبر ١٩٧٠.
٢ جورجيور ديلافيد: طه حسين المؤرخ، طه حسين كما يعرفه كتاب عصره، ص٩٨.
٣، ٤ فرانسيسكو جابريللي: "طه حسين الناقد"، المرجع السابق، ص١٦٣.
1 / 11
عن أشهر الرجال المائة الذين كانوا على قيد الحياة، وقت إصدار الكتاب -عَدَّه بين العشرة الذي لهم أعمق الأثر في الحضارة العربية١.
إن ذلك الطريق الطويل الشاق حسبما جاء في تاريخ حياته الذي وضعه عند "ليدر باسكي"٢ الذي قاد الشاب الأزهري إلى هضم أعظم الثقافات الكلاسيكية والأوروبية، على النحو الذي تحدَّث عنه طه حسين في أيامه، إنما يلخص سيرة "المقال الصحفي" في أدبه، والذي كان موضع التجربة في هذا التطور. فسرعان ما تخلَّى عن الأساليب التقليدية في الصحافة المصرية، وسرعان ما ظهرت أسس الفن الصحفي الحديث، في اتجاهها بالمقال من تحويل الفكر الأكاديمي المجرَّد إلى عرض فني منسق يستسيغه الجمهور دون أن يهبط إلى مستوى الإسفاف والمبالغة، مواجهًا بمقاله المعادلة الصعبة أو التحدي العظيم الذي يواجه الفن الصحفي الحديث٣ من خلال ارتباطه بالجماهير، وتمثُّله للوظائف الصحفية الاجتماعية، إلى جانب تمثُّله في لغته القومية تلك الأناقة والوضوح والشفافية التي امتازت بها لغة الفن الصحفي في فرنسا، والتي يسمِّيَها بعض المستشرقين "لغته الثانية"٤ أي: اللغة الفرنسية التي أتقنها كل الإتقان "كأستاذ فيها دون مساس بروح اللغة العربية، ودون أن يعرض نفسه لتهمة الخروج عن قواعدها، أو بث العجمة والكلمات الأجنبية في مفرداتها"٥، ذلك أن الرؤية العملية للغة العربية، هي التي جعلت لغته الصحفية تبتعد عن الحذلقة والخشونة، لتنساب في يسر وبساطة، وفي عبارات وظيفية، لا تتعارض مع ما في نثره الفني من ثروة وتنوع، مكتفيًا بالأثر الذي يشع عن الفكرة العملية، وما تتضمنه من إرادة في إحداث التغيير والتدعيم في المجتمع، لتحقيق التواصل بين التجديد والأصالة، من خلال أدبه وصحافته على السواء.
ذلك أن مقالات طه حسين، ومؤلفاته الشاملة، أو التي ضمَّت جانبًا من هذه المقالات، تنبع دائمًا من فكرة محاولة التأثير في مجتمعه، لنقله من حالة التخلق إلى حالة التقدم، ومن حالة الذل والاستكانة والخمول والجهل والاستبداد والظلم الاجتماعي والجمود، إلى حالة العزة والكرامة والنباهة والعلم، والمساواة والحرية الاجتماعية والازدهار الاقتصادي٦، من خلال مواقف عملية واضحة ترتبط أوثق الارتباط بالحياة الواقعية.
١ جريدة "مونيتو سيرا" الإيطالية في ٢٧ سبتمبر ١٩٥٢، سامي الكيالي مع طه حسين جـ٢ ص٣.
٢ فرانسيسكو جابريللي: نفس المرجع، ص١٦٣.
٣ الدكتور إبراهيم إمام: مرجع سابق ص٥.
٤، ٥ فرانسيسكو جابريللي: نفس المرجع، ص١٧٩.
٦ الدكتور على سعده "طه حسين: الوحدة في التنوع" مجلة الآداب، بيروت، آذار، مارس ١٩٧٤.
1 / 12
بل أن المؤلفات التي تبدو مغرقة في البحث الأكاديمي الصِّرْف لا تخلو من هذا الاتجاه الصريح أو الخفيِّ لتنوير مواطنيه بحقائق الأوضاع المختلفة في نظامهم السياسي والاجتماعي والفكري، وذلك إما بالكشف عن مواضع هذا الخلل، وإما بالتنوير بأنظمة أفضل تحققت في عهود مضت، أو في مجتمعات حديثة غير المجتمع المصري١. ولعل في ذلك ما يشير إلى هدف الدراسة الصحفية، في التعرُّف على طه حسين من وراء صحافته، على النحو الذي يبرز هذه الرؤية الاجتماعية العلمية التي تَكْمُنُ وراء آثاره الصحفية والفكرية على السواء، في نطاق الصحفيين والأدباء ودعاة الإصلاح الذين كان يعيش بينهم، وفي نطاق علاقات التأثُّرِ والتأثير التي تمثِّل لنا مقاله الصحفي أشدَّ وضوحًا، وتضعه في مكانه من آثار رواد النهضة المصرية الحديثة.
ولعل في هذه الرؤيا الصحفية لآثار طه حسين، ما يفسِّر اتجاه بعض الدارسين٢ إلى اعتباره أكثر اتساقًا في التفكير وفنية الأسلوب، وأكثر تأثيرًا في النهضة المصرية، كما يعتبر "ألبرت حوراني"٣ إن الأفكار التي نادى بها زعماء النهضة الحديثة قد بدأت تتبلور عند طه حسين، وأنها أثَّرت على التفكير الاجتماعي والعمل السياسي في العالم العربي بأسره على مدى ثلاثة أجيال٤.
ولقد تقاضانا المنهج العلمي في دراسة "فن المقال الصحفي في أدب طه حسين" أن ننطلق من فهم عملية الإعلام على أنها في جوهرها عملية اتصال بين كاتب وقارئ، عن طريق وسيلة إعلامية تنتقل بواسطتها الرسالة من طرف إلى آخر٥. الأمر الذي يجعل دراسة المقال الصحفي في مكانه من عملية الإعلام، كجزء من الموقف الاتصالي العام بأبعاده النفسية والاجتماعية والثقافية.
ولذلك انقسمت هذه الدراسة إلى عدد من الفصول، نتناول في كلٍّ منها جانبًا من جوانب العملية الإعلامية، في الأطر الاجتماعية والطبيعية والسيكولوجية والثقافية٦.
ففي دراستنا لمقومات الاتصال الصحفي -في الفصل الأول- عنينا عنايةً خاصَّةً بدارسة هذه الأُطُر من خلال تحديد الصلة بين البيئتين العامة والخاصة،
١ الدكور علي سعد "طه حسين: الوحدة في التنوع" مجلة الأداب، بيروت، آذار، مارس ١٩٧٤.
٢، ٣، ٤ ألبرت حوراني: الفكر العربي في عصر النهضة، ص٣٩٠.
٥ د. عبد العزيز شرف: فن التحرير الإعلامي، هيئة الكتاب.
٦ W. Schramm "How Commuuication Works "in Scharmm "eds." The Process and Effects of mass communication "١٩٥٥" p. ٤.
1 / 13
محاولين تعيين ما لكليهما من أثرٍ في مقاله الصحفي، وما لكليهما من أثرٍ في تحقيق التناغم والتوافق بين طه حسين وقرَّائه، من خلال ربط مقاله بجوانب من خبرته تشابه إلى حَدٍّ كبير خبرة الوجهة والمستقبل، كما تبين من دراسة مقومات شخصيته ومصادر ثقافته، ومكانه من النظام الاجتماعي، والأدوار التي قام بها من خلاله، والمهام التي ذهب إليها مقاله الصحفي، وذلك إلى محاولة التعرُّفِ على سلوكه في الاتصال بالجماهير، من خلال الصحف التي حررها أو اشترك في تحريرها.
وقد حاولنا في كتابنا السابق "طه حسين وزوال المجتمع التقليدي"١ التعرُّف على اتجاهات الاتصال الصحفي عند طه حسين في إطارٍ من تحديد مقوماته الاتصالية، وأثرها في طريقة التفكير، والرؤية الخاصة المتميزة للحياة في مقال طه حسين، وما ترتكز عليه من رؤية عملية وظيفية للفن الصحفي تمثَّلت في نموذج اتصالي، حاولنا تصوره من خلال استقراء مقالاته، وتحديد مكان قادة الفكر في هذا النموذج.
وفي هذا الكتاب السابق أيضًا دراسةٌ لمضمون المقال الصحفي واتجاهات هذا المضمون، فبحثنا في فصوله الأربعة: الموضوعات والعوامل والمتغيرات التي ترتبط بهذا المضمون، والوظائف التي ذهب إلى أدائها في المقال الصحفي، من خلال دراسة المقال في الاتجاه السياسي، ثم في الاتجاه الاجتماعي، والاتجاه الثقافي، ودوره في زوال المجتمع التقليدي.
وفي دراستنا لأساليب التحرير في مقال طه حسين في هذا الكتاب الجديد، حاولنا أن نقوم باستقراءٍ علميٍّ للآثار المقالية في صحافته، للتعرُّف على نواحيها الفنية، التي لا تنفصل بحالٍ عن المضمون، بوصفها مجهودات متتابعة تعالج الحياة الواقعية في فنون المقال وإنتاجه، ولذلك اتجهنا إلى دراسة عناصر الأصالة ومظاهر التجديد للتعرُّف على صياغة تجربته الاتصالية المستمرة في مراحل تطوره الصحفي، فعرضنا لتنوع فنونه المقالية، التي أسفر عنها الاستقراء في هذه الدراسة، وهي: فن المقال التنويري، والمقال النقدي، والعمود الثقافي المتخصص، والعمود الصحفي، والمقال القصصي، والمقال الوصفي، والتقرير الصحفي، والمقال الرمزي، وفن اليوميات الصحفية، ثم فنون المقال المرتبطة بالصحيفة اليومية، كذلك من خلال الرؤيا الوظيفية في تحرير المقال الرئيسي والافتتاحي، وفن المقال النزالي، وفن المقال الكاريكاتيري، ثم فن المقال التحليلي والتقويم الصحفي.
١ د. عبد العزيز شرف: طه حسين وزوال المجتمع التقليدي، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، وهيئة الكتاب ١٩٧٧.
1 / 14