الثاقب في المناقب
محقق
نبيل رضا علوان
الإصدار
الثانية
سنة النشر
١٤١٢ هجري
بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة المؤلف الحمد لله العلي مجده (1)، الغالب جنده، الفائض فضله، الدائم طوله، الذي له الخلق والامر (2)، وبيده الخذلان (3) والنصر، وإليه المرجع والمصير، وهو العليم القدير، لا معقب لحكمه، ولا عازب (4) عن علمه ولا محيص عن قدره، ولا راد لقضائه، أحاط بكل شئ علما، وأحصى كل شئ عددا ".
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، شهادة قائدها التوفيق، وسائقها التحقيق، وباعثها (5) الايقان، وراعيها (6) البيان.
وأشهد أن محمدا " عبده ورسوله، (انتجبه من أفضل أرومة (7)
صفحة ٣١
وأكرم جرثومة، وأفضل قبيلة، ومعدن فضيلة) (1)، تناسخته كرائم الأصلاب إلى شرائف الأرحام، لم تدنسه الجاهلية بأنجاسها، ولم تلحقه الضلالة بعنادها، ولم يكنفه إلا من ذكا شهابه، وزكا نصابه، وطاب مولده، وكرم محتده، فأظهره من بيت العرب، ومعدن الحسب، من هاشم وعبد المطلب، (فرباه بالعلم، وغذاه بالحلم) (2) وعلمه البيان، وأنزل عليه القرآن.
بعثه (3) ومعالم الدين دارسة، ومناهج الحق طامسة، والناس حيارى في سكرة، سكارى في حيرة، فدعا إلى الحق، وهدى إلى الصدق، ونصح الخلق، وأمر بالقصد (4)، وبعث على الرشد، واحتمل العناء (5)، ويظل نهاره مجاهدا، ويبيت ليله مكابدا، حتى أقام عمود الدين، وثبت (6) قواعد اليقين، ونفر الشرك هاربا، ونكب الشك خائبا، ورست (7) دعائم الايمان، ورسخت قواعد (8) الاحسان، وأظهر (9) الاسلام، ونفذ الاحكام، وخلص الدين لله (10) ولو كره المشركون ثم إنه لما دنا أجله وانقضى نحبه وآثر جوار ربه، نظر لامته نظر الوالد لولده، وركز فيهم راية الحق، ونصب لهم لواء الصدق، وخلف
صفحة ٣٢
فيهم الثقلين: كتاب الله، وعترته أهل بيته، دليلين في الظلمة، قائدين إلى الرحمة.
وذكر أن الكتاب يصدق بعضه بعضا، قال الله تعالى: * (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) * (1) وفيه ما يجلو العمى، ويدعو إلى الهدى، وإن كان لا ينطق بلسانه، ولا يحكم ببيانه، ولا يذكر ما فيه، ولا يظهر ما في مطاويه، إلا بدليل ناطق، ومقر (2) صادق، والدليل على أحكامه من جعله النبي صلى ح الله عليه وآله له قرينا، ونصبه عليهم أمينا بقوله: " إني مخلف فيكم الثقلين : كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا، فإن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " (3). فهما قرينان متفقان، وصاحبان لا يفترقان.
وقد جعل عندهم بيانه، وعليهم أنزل قرانه، ومنهم ظهر برهانه، قال الله تعالى: * (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون) * (4) وقد دل الكتاب على أنهم المعصومون من الزلل، المأمونون من الخطل (5)، بقوله تعالى: * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل
صفحة ٣٣
البيت ويطهركم تطهيرا ") * (1).
ونبه على أنهم هم الامناء على التنزيل، العلماء بالتأويل، بقوله:
* (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به) * (2) وذكر أنه * (ما فرطنا في الكتاب من شئ) * (3). فهم الفائزون بعلمه، العالمون بحكمه، الملهمون لسره، العاملون بأمره وهم ورثة الأنبياء، وبقية الأصفياء، وحملة الكتاب، والمهتدون إلى الصواب بقوله تعالى:
* (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين * ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم) * (4) فدل على أنهم الصفوة من الصفوة، والأسوة من الأسوة، ليظهر مواقعها، ويشهر مواضعها ويسفر (5) صاحبها، ويزهر مصباحها (6)، ولا يغلق بابها، ولا يبهم خطابها، ولا يتقحم راكبها، ولا يتخلل مواكبها (7).
قال الله تعالى: * (وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هدهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شئ عليم) * (8) ثم بين على ذلك دليلا، وهدى إليه سبيلا بقوله تعالى: * (فمن حاجك فيه من بعدما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين) * (9). فنبه على أنهم هم الذرية والصفوة، والنفس والأسوة،
صفحة ٣٤
والمبرؤون من الكذب، والمطهرون من الريب، والمخصوصون بالاصطفاء، والمكرمون بالاجتباء، والحجج على الخليقة، والهداة إلى الطريقة، بعثا " على حط رحل الطلب بفنائهم، وفصل الحكم بقضائهم.
قال الله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) * (1) ثم نفى الاختيار عن غيره، وأضافه إلى أمره بقوله تعالى:
* (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة) * (2) فتناسى أكثر الأمة وصيته، واجتهدوا في إطفاء نوره، وإخفاء نهجه (3)، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، ويوضح منهاجه، ويزهر سراجه، ويحيى معالمه، ويرسي دعائمه، فأمدهم على تشردهم في الأقطار، وتباعدهم في الديار، مما تخر له الجباه (4)، وتتقلص له الشفاه، وتعنو له الرقاب، وتتضاءل له الألباب من زواهر الآيات، وبواهر البينات، ما تأثره المقر والجاحد، ويرويه الشامخ والمعاند، وتزداد على مر الأيام جدة، وعلى كر الأيام عدة، وعلى كثرة الأعداء ظهورا، وعلى فترة الأولياء (5)، بهورا "، لتأكيد الحجة، وتبيين المحجة.
ثم إني ذكرت ذات يوم من خصائصهم نتفا " (6)، ومن فضائلهم طرفا "، بحضرة من هو شعبة من تلك الدوحة الغراء، وزهرة من تلك الروضة الغناء، فاستحسن واردها، واستطرف (7) شاردها، واستحلى مذاقها، واستوسع نطاقها، وأشار بتصنيف أمثالها، وتزويق ظلالها،
صفحة ٣٥
وجمع ما بذ (1) من فوائدها، وشذ من فرائدها، فاستخرت الله سبحانه في ذلك، وطفقت أجمع على ترتيب غريب، وتركيب عجيب، وأنظم أن أذكر أولا طرفا من المعجزات لسيد الأنبياء، وإمام الأولياء محمد المصطفى صلى الله عليه وآله، ثم اثني بما في كتاب الله سبحانه وتعالى من آيات الأنبياء ودلالات الأصفياء، ثم إني أذكر بإزاء كل آية ما توازيها، وبدل كل فضيلة فضيلة تضاهيها، من آيات أئمتنا (صلوات الله عليهم).
ثم أستأنف الكلام، وأرتب النظام، وابتدئ بذكر أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، وأذكر قليلا من آياته، وطرفا من دلالاته.
ثم أذكر لسيدة النساء الانسية، الحوراء المرضية، فاطمة الزهراء (عليها السلام)، ما يدل على شرف فضائلها، ويهدي إلى وضوح دلائلها.
ثم أذكر لكل واحد من الأئمة عليهم السلام، على الترتيب والنسق، إلى الحجة المنتظر، بعض آياته، ليدل على شرف غايته، إذ لو ذهبت أجمع ما ظهر من الآيات وما بهر على أيديهم (2) من الدلالات لضاق الزمان، وتعذر الامكان، وفني القلم، ونفد البياض.
وإن أصحابنا (رضي الله عنهم) قد صنفوا في هذا المعنى كتبا " وصحفا ضخمة، وأنا التقط منها ما هو أروع إلى السمع، وأوقع في القلب، وأملاء للصدر، وقد سميته ب " الثاقب في المناقب ".
وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل ذلك خالصا " لرضاه، ولا يكلني إلى سواه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
صفحة ٣٦
الباب الأول في ذكر طرف من معجزات نبينا محمد صلى الله عليه وآله ويحتوي على خمسة عشر فصلا
صفحة ٣٧
1 - فصل:
في بيان مقدمات (*) الكتاب اعلم وفقك الله أنا لو ذهبنا نجمع جميع معجزاته (1)، ونؤلف أكثر آياته، لاعترانا الفتور، وأزرى (2) بنا القصور، لأنه لم يعط أحد من الأنبياء الماضين (عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام) آية، إلا وقد أعطي مثلها وزيد له (3)، لأنه أفضل البشر، وسيد الخلق (عليه أفضل الصلاة والسلام)، وقد اقتصرنا على عدة آيات تبركا بذكره، وتيمنا بنشره.
وقد ظهرت معجزاته على أنحاء، فأظهرها وأسناها وأبهرها وأبهاها: القرآن، لأنه باق على مر الأزمان، لا يزيده طول الأحقاب إلا اعتلاء، ولا كثرة التلاوة إلا بهاء، ولو ذكرت ما فيه لطال (4) الخطاب، ولم يسع سطره الكتاب.
وله معجزات أخر، يشهد بصحتها القرآن، ويحكم بحقيتها
صفحة ٣٩
البيان، مثل انشقاق القمر، والمعراج، فأعرضنا عن ذكر ذلك (1) لشهرتها بين أهل الاسلام.
وللمعجز أحكام لابد من معرفتها:
أحدها: أن يكون من فعل الله تعالى.
وثانيها: أن يكون خارقا " للعادة.
وثالثها: أن يكون متعذرا مثله على الخلق في الجنس، مثل إحياء الموتى، أو في الصفة نحو القرآن وانشقاق القمر.
ورابعها: أن يكون موافقا لدعوى المدعي، وإنما يدل (2) المعجز على صدق المدعي فحسب، سواء (3) كان مدعيا للنبوة، أو الإمامة، أو الصلاح.
وقد يظهر الله تعالى (4) المعجز على أيدي الصالحين من عباده - بحسب المصلحة - إذا كان الوقت يقتضيه، فلا يدل بالإبانة على النبوة، كما ذهب إليه قوم وشرح ذلك وبيانه مذكوران في موضعهما.
وما ظهر من آياته صلى الله عليه وآله إما ظهر قبل بعثته، أو بعدها.
فالأول: إنما أظهره الله تعالى على يده، تعظيما " له في قلوب الناس، لطموح الابصار إليه، واعتماد الخلق عليه.
والاخر: إنما أظهره (5) عقيب دعواه (6) ليدل (7) على أنه
صفحة ٤٠
الصادق فيما ادعاه، المحق فيما ابتناه، المقتدى بفعاله، المهتدى بمقاله.
فإن ظهر لا عقيب (1) دعواه كان ذلك تنبيها " للحاضر، وتعريفا " للناظر، وتذكيرا " للمتأمل الذاكر، سواء كان ابتداء من القديم تعالى، أو بسبب أمر يقتضي ذلك، سواء ظهر على يده، أو على يد غيره من إجابة الدعاء، أو دفع البلاء، أو كبت عدو، أو عون ولي، أو نفاذ أمر، أو إنهاء عذر، أو تقديم نذر، أو إحياء سنة، أو تضعيف (2) منة، أو ترغيب في الاسلام، أو ترهيب عن الآثام.
ونحن نذكر - بعون الله - من ذلك مقدار مائة آية له صلى الله عليه وآله، ليسهل حفظه، ولا يبعد حظه، ومن الله استمد (3) التوفيق على العمل، والعصمة من الزلل، لأنه ولي ذلك والقادر عليه.
صفحة ٤١