توضيح الأحكام شرح تحفة الحكام
يعني أن من أحدث ما فيه ضرر محقق لجاره بشهادة أهل المعرفة فإنه يمنع منه ويزال في الحين من غير نظر ولا توقف لقوله صل الله عليه وسلم لا ضرر ولا ضرار فالضرر هو مالك فيه منفعة وعلى جارك فيه مضرة والضرار بكسر الضاد هو ما ليس لك فيه منفعة وعلى جارك فيه مضرة وقيل معناهما واحد توكيد في المنع وقيل غير ذلك ثم مثل الناظم لذلك بأمثلة فقال كالفرن أي كأحداث الفرن للفخاريين فإنه يؤذي القريب منه بدخانه أو بناره ومثله الحمام والكوشة للخبازين ومدخنة السنفاجين. والأصل فيه قول الله عز وجل فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغش الناس هذا عذاب أليم فجعله الله عذابا مؤلما. وأما دخان التنور أي الطابونة والمطابخ ونحوهما مما لا يستغنى عنه في المعاش فلا يمنع منه كما لا يمنع من القديم المشهور إلا إذا أراد أن يحدث دخانا ويضيفه إلى القديم في مدخنة أخرى فإنه يمنع منه لزيادة الضرر وبه القضاء. وكذلك يمنع من فتح باب يقابل باب جاره إذا كانت السكة غير نافذة ولو حرف الباب المحدث عن باب جاره بحيث لا يطلع منه على ما في دار جاره ولا يقطع عنه مرفقا على القول الذي به العمل أما إذا كانت السكة نافذة فله فتح الباب وإن كان مقابل لباب جاره وليس له فتح الكوة والشباك والحانوت إلا إذا حرف بحيث لا يطلع منه على ما في دار غيره لأنها أشد ضررا من الباب فلهذا لم يشترط فيه التحريف وبه العمل. وقوله ومثل الأندر هو بفتح الهمزة والدال كما تقدم فإنه يمنع من أحداثه قابلة باب دار جاره أو بستانه لأن ربه يتضرر بالتبن والغبار عند الذروة كما يمنع من نفض الحصير حذاء باب داره لتضرر المارة أو الجار بغباره وقد يتسبب عنه المرض (وقوله) أو ماله مضرة بالجدر وذلك كحفر مرحاض أو بئر أو بناء حمام أو فرن لتشبيب ذهب أو فضة أو لقلي شعير أو قهوة أو كير لخدمة حديد أو رحى أو # إسطبل ونحوها فإنه يمنع من أحداثه (تنبيه) تقدم أن حفر البئر يمنع إذا كان يضر بالجدار أما إذا كان لا يضر به وإنما يضر ببئر جاره في تقليل مائها ففيه تفصيل وهو إن كانت البئر في الدور فإن أحداثها إذا كان يؤثر في غيره فإنه لا يمنع لأن أهلها يستغنون بالماء القليل عن الماء الكثير وإن كانت في الأرضيين والبساتين فإن أحداثها يمنع إذا كانت تقلل ماء بئر الغير وأولى إذا قطعته بالكلية لأن أهلها يحتاجون إلى كثرة المياه للسقي قاله ابن الرامي التونسي وهو تفصيل حسن للغاية وسمعت جري العمل به. وأشار إلى الثاني بقوله
(فإن يكن يضر بالمنافع ... كالفرن بالفرن فما من مانع)
يعني أن الشيء المحدث إذا كان يضر بالمنافع فقط كمن أحدث فرنا ونحوه بقرب فرن جاره فتقصت غلة الأول أو انقطعت بالكلية أو كان ينقص من ثمنه عند البيع فإنه لا يمنع من ذلك وليس لصاحب القديم اعتراضه على القول المعتمد حتى إن بعضهم حكي الاتفاق عليه لقوته والله أعلم وظاهر النظم أن ضرر الأصوات مثل ما يقع من الحداد عند ضرب الحديد غير معتبر وهو كذلك على القول المشهور قال ابن ناجي ويلغوه مطلقا جرى العمل وقيل يمنع مطلقا وقيل إن عمل بالنهار فالأول وإن عمل بالليل فالثاني وقيل يجوز أن خف ولم يكن فيه كبير مضرة ثم قال
(وهو على الحدوث حتى يثبتا ... خلافه بذا القضاء ثبتا)
يعني أن أمر الضرر إذا أشكل هل هو قديم فيبقى على حاله أو حادث فيزال فإنه يحمل على الحدوث حتى يثبت قدمه وإثبات القدم على مدعيه وبه القضاء وقوله
(وإن يكن تكشفا فلا يقر ... بحيث الأشخاص تبين والصور)
صفحة ١١٣