توضيح الأحكام شرح تحفة الحكام
وهو في اللغة الاعتراف وفي الاصطلاح قال القرافي وغيره الرواية والإقرار والدعوى والشهادة كلها إخبارات (والفرق) بينها إن الأخبار لن كان لا يختص حكمه بمعين فهو الرواية نحو الأعمال بالنيات والشفعة فيما لا ينقسم وإن كان خاصا بمعين فأما أن يقصر حكمه على قائله فهو الإقرار كقول القائل لفلان علي كذا وإن لم يقصر حكمه على قائله بل على غيره فأما أن يكون للمخبر فيه نفع فهو الدعوى كقوله لي على فلان كذا وإن لم يكن للمخبر فيه نفع فهو الشهادة كقول القائل لزيد على عمرو كذا (وقال) ابن راشد الإقرار حقيقته إخبار الرجل عن نفسه بأمر يوجب عليه حكما (وقال) ابن عرفة هو خبر يوجب حكم صدقه على قائله فقط بلفظه أو بلفظ نائبه اه فخرج بقوله خبر الإنشاءات كبعت وما لا يوجب شيئا كزيد قائم. وخرج بقوله يوجب حكم صدقه على قائله فقط الرواية والدعوى والشهادة كما علمت. وخرج به أيضا قول القائل زيد زان لأنه ولو أوجب حكما على قائله فقط وهو حد القذف لكن ليس لما اقتضاه الصدق بل لما اقتضاه كذبه إذ لو كان كما اقتضاه صدقه لوجب جلد زيد مائة جلدة أو رجمه إن كان محصنا وزاد قوله أو بلفظ نائبه ليدخل إقرار الوكيل عن موكله المالك أمر نفسه (تنبيهان) الأول قال الحطاب (فرع) قال في الكافي في كتاب الوكالة عن ابن خويز منداد وقد اتفق الفقهاء فيمن قال ما أقر به علي فلان فهو لازم لي لا يلزمه اه (الثاني) قال الحطاب أيضا (مسألة) امرأة ادعت على أخيها بميراثها من أبيها في أملاك سمتها فقال وكيل الأخ إن أخاها قد قاسمها # جميع الأملاك وقبضت حصتها من ذلك. فقال ابن رشد في نوازله إن كان الأخ جعل لوكيله الإقرار فقوله إن موكله قد قاسم أخته في جميع الأملاك التي وقف عليها إقرار منه عليه بمشاركة أخته له في جميعها فيقضى لها بميراثها في سائرها إن كانت في يديه اه وفي مسائل الأقضية من البرزلي عن ابن أبي زيد أن من طلبت منه أخته ميراثها من أملاك أبيها فقال بيدي ربع ملكته من أبي وربع ملكته بكسبي وغفل عنه حتى مات إن على ورثته إثبات ما ادعى أنه استفاده بعد موت أبيه وإلا حلفت ما علمت بما استفاده وقسم بينهما اه بنصه من أول باب الإقرار (وحكمه) اللزوم وهو أقوى من البينة عندنا لقوله صلى الله عليه وسلم أحق ما يؤاخذ به المرء إقراره على نفسه الحديث. وحكمة مشروعيته صيانة الحقوق قاله ابن راشد. وأركانه أربعة الصيغة والمقر والمقر له والمقر به (فالصيغة) هي صريح اللفظ أو ما يقوم مقامه كالإشارة والكتابة والسكوت قال ابن راشد والإشارة من الأبكم والمريض فلو قيل لمريض لفلان عندك كذا فأشار برأسه أي نعم فهو إقرار إذا فهم عنه مراده والكتابة مثل أن يكتب بيده بمحضر بينة ويقول أشهدوا علي بما فيه وإن لم يشهدهم وقام من أقر له بذلك وشهد أنه خطه لزمه أن كتبه في صحيفة أو لوح أو خرقة ولو كتب ذلك في الأرض لم يلزمه إلا أن يقول أشهدوا بذلك علي. والسكوت مثل أن يكون له حق على رجل فيموت وتباع تركته وتقسم وهو ساكت فلا قيام له ما لم يكن له عذر اه (والمقر) وشرطه أن يكون مالكا لأمره كما يأتي في النظم بأن يكون بالغا رشيدا غير مكره ولا خائف لم يكذبه الذي أقر له فإن كذبه لم يسلم إليه ويترك في يد المقر قاله ابن شاس (والمقر له) وشرطه أن يكون أهلا للاستحقاق كالولد والزوجة كما يأتي في النظم أيضا أما لو كان غير أهل للاستحقاق فإنه باطل قال صاحب الجواهر فلو قال لهذا الحجر أو لهذا الحمار علي ألف لبطل (والمقر به) وهو نوعان نسب كالأبوة والبنوة والأخوة ويعبر عنه بالاستلحاق ومال وهو مراد الناظم في هذا الفصل وشرط صحته أن يكون المقر به تحت يد المقر وفي حوزه ثم إن الإقرار تارة يكون في الصحة وتارة # يكون في المرض وفي كل منهما إما أن يكون المقر له وارثا أو أجنبيا فالأقسام أربعة. وقد أشار إلى إقرار الصحيح لأجنبي أو وارث مع ذكر بعض الأركان فقال
(ومالك لأمره أقر في ... صحته لأجنبي أقتفي)
(وما لوارث ففيه اختلفا ... ومنفذ له لتهمة نفى)
(ورأس متروك المقر ألزما ... وهو به في فلس كالغرما)
يعني أن من أقر في صحته لأجنبي غير وارث فإن إقراره معمول به نافذ للمقر له ما لم يكذبه كما تقدم. وإن أقر لوارث فقولان (أحدهما) إن إقراره نافذ أيضا لأن التهمة منفية عنه بصحته ويلزم المقر ما أقر به من رأس ماله ويكون كالدين الثابت بالبينة يحاصص به الغرماء في الفلس وهذا هو القول المشهور وبه العمل (قال) ابن عبد البر في الكافي كل بالغ جائز الفعل رشيد فإقراره جائز على نفسه في كل ما يقر به في صحته والأجنبي والوارث في ذلك سواء وكذلك القريب والبعيد والعدو والصديق في الإقرار في الصحة سواء (والأخر) إن إقراره غير معمول به للتهمة المفهومة من قول ومنفذ له لتهمة نفي وقوله ومالك الخ مبتدأ وجملة اقتفي من الفعل ونائب الفاعل خبر أي أتبع إقراره إذ لابد من الرابط لوقوع الخبر جملة وقوله ما لوارث الخ ما مبتدأ واقع على الإقرار ولوارث متعلق بمحذوف صلته وجملة ففيه اختلفا خبره وقرن بالفاء لشبه المبتدأ بأداة الشرط وألف اختلفا للإطلاق وقوله ومنفذ له أي لإقراره مبتدأ وجملة نفي من الفعل والفاعل خبره ولتهمة معمول لنفي ولامه زائدة ورأس متروك الخ مفعول به مقدم به منصوب وهو مضاف ومتروك مضاف إليه وألزما فعل وفاعل يعود على قوله منفذ وألفه للإطلاق كذلك وإعراب البقية ظاهرة والله أعلم (ولما) فرغ من الكلام على الإقرار في الصحة لأجنبي أو لوارث شرع في الكلام على الإقرار في المرض لأجنبي غير صديق أو لصديق أو لقريب غير وارث فقال
(وإن يكن لأجنبي في المرض ... غير صديق فهو نافذ الغرض) # (ولصديق أو قريب لا يرث ... يبطل ممن بكلالة ورث)
صفحة ٩٥