تتمة الحدائق الناضرة

الإصدار

الأولى

سنة النشر

١٤١٠ هجري

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله المحمود لآلائه المشكور لنعمائه المعبود لكماله المرهوب لجلاله الذي ارتفع شأنه عن مشابهة الأنام وتقدس بكمال ذاته عن إحاطة دقائق الأفهام، وتعالى في عظمته أن تبلغ كنهه حقيقة الأوهام، وأفاض سحاب الأفضال على جميع البرية فشملهم بسوابغ الأنعام. أحمده على ما منحه من إرشاده وهدايته وأسأله العصمة من الشيطان الرجيم وغوايته، وأصلي على أشرف من بعثه ببرهانه وآياته، وجعله سيد متحمل رسالاته، سيدنا محمد صاحب شريعته ودلالاته، وعلى ابن عمه علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه المختار لوصيته وخلافته، وعلى الأئمة من ذريته وسلالته.

وبعد فإن أحق الفضائل بالتعظيم وأجراها باستحقاق التقديم وأتمها في استجلاب ثوابه الجسيم هو العلم بالأحكام الشرعية والوظائف الدينية إذ به تحصل السعادة الأبدية والتخلص من الشقاوة السرمدية، فوجب على كل مكلف صرف الهمة إليه بقدر القابلية وإنفاق هذه المهلة اليسيرة.

ولما نظرت أن قلم البحر الخضم العم الشيخ شيخ يوسف - قدس سره - قصر عن تتمه كتابه المسمى ب‍ " الحدائق " من حيث عاجله القضاء المحتوم الذي جارى على العموم عمدت على تتمته مستعينا بالله وبنبيه وبعترته الطاهرين صلوات

صفحة ٧

الله عليهم أجمعين وذلك لما جف منه قلم الناسخ وهو هذا: وقد ورد في الأخبار أنه مع اختلافهم في الحكم يؤخذ بخلاف ما إليه قضاتهم وحكامهم أميل (1) كما وقع في المقبولة الحنظلية، فيجوز أن يكون ذلك الوقت متلبسا بهذا المرجح لكنه لا يكون على سبيل التحقيق على أنه يمكن أن يكون الحامل للشيخ على ارتكاب التقية في أحد الطرفين دون الآخر لقوة المشهور وضعف ما قابله فتوى ودليلا لأن صحيحة بريد العجلي (2) كما في الفقيه وخبر الكناسي (3) كما في التهذيب والكافي مؤيدان باطلاق صحيحة محمد بن مسلم (4) عن أبي جعفر عليه السلام " قال: سألته عن رجل ظاهر من امرأته ثم طلقها قبل أن يواقعها فبانت منه، عليه الكفارة؟ قال: لا ".

وصحيح جميل (5) عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث " قال: سألناه عن الظهار متى يقع على صاحبه الكفارة؟ قال : إذا أراد أن يواقع امرأته، قلت: فإن طلقها قبل أن يواقعها، أعليه كفارة؟ قال: لا، سقطت عنه الكفارة ".

وصحيحته الأخرى وابن بكير وحماد بن عثمان " (6) كلهم عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: المظاهر إذا طلق سقطت عنه الكفارة ".

فيكون هذا موجبا لاختصاص التقية بصحيح علي بن جعفر المذكور إن أبقيناه على ظاهره، واحتمل فيه العلامة حمله على فساد النكاح لأنه عقيب تزويجها بعد طلاقها بشهر أو شهرين فيكون قد وقع في العدة فيكون باطلا.

واستحسنه بعضهم وأيده بأمرين: " أحدهما " تعقيب التزويج بالفاء المقتضية

صفحة ٨

للفورية وذلك يقتضي عدم الخروج من العدة " وثانيهما " أنه حكاية الحديث تشعر به حيث قال " فراجعها الأول " ولم يقل تزوجها، ولا يخفى عليك ما في هذا التنزيل والتأييد، لأن إطلاق التزويج محمول على الصحيح والشهر والشهران مختلفان بين الظهار والطلاق لا بين الطلاق والتزويج، ثم تعقيب التزويج بالفاء يقتضي التعقيب والفورية بحسب الممكن لا مطلقا كما نبه عليه أهل العربية وصححوه في قولهم: تزوج فلان فلانة فولدت، فإن المراد به وجود الولادة في أول أوقات الامكان وذلك بعد مضي مدة الحمل لا عقيب التزويج بلا فصل، وكذلك قول القائل: دخلت بغداد فالبصرة، وأمثال ذلك كثير حينئذ. فيكون المراد من الخبر أنه تزوجها في أوقات الامكان شرعا وهو بعد انقضاء العدة بلا فصل. هذا إذا سلمنا دلالتها في مثل هذا المقام على الفورية. وعلى تقدير تسليم وقوع الشهر والشهرين بين التزويج والطلاق فيمكن انقضاء العدة بهما وبأقل منهما كما مر بيانه في تحقيق أقل المدة التي يمكن خروج المطلقة فيها باعتبار عدة الظهار.

وأما قوله " ثم طلقها فراجعها " فالكلام في الفاء هنا كالكلام في الأولى، فإن المراجعة بعد الطلاق ليس المراد بها هو العود إلى نكاحها بالعقد الأول وإنما المراد به التزويج، وأطلق عليه المراجعة من حيث إنها كانت زوجة له أولا فأقام عوده لها بعقد جديد مقام الرجوع وهو رجوع لغة، ولهذا جاء في مواضع عديدة من الأخبار إطلاق المراجعة إلى الزوجة في الطلاق النسبي بالمعنى الأخص بأن يراجعها بعقد جديد. فحمله في هذا الخبر على الرجوع الشرعي وإبقاء العدة الأولى في غاية السماجة (1) والبعد، على أنه يلزم ارتكاب المجاز في قوله " ثم طلقها " لأن الطلاق لا يتعقب النكاح الفاسد لأن تزوجها الثاني في العدة مما يوجب فساده والتحريم المؤبد إن كان دخل بها، أو كان عالما بذلك وإن لم يدخل بها كما تقدم في مباحث النكاح.

صفحة ٩

ثم استظهر شيخنا ثاني الشهيدين في المسالك حمل الكفارة في هذا الصحيح على الاستحباب جمعا، لأن الأخبار الأول النافية للكفارة إذا أمضى الطلاق ولم يراجع في العدة كما عليه المشهور أكثر عددا وأصح سندا فيوجب صرف هذه الحسنة إلى الاستحباب، وحينئذ فتسلم من الاطراح وتجامع لمؤدات تلك الصحاح هذا على تقدير تحقق التعارض للاغماض عن مرجحات الأولى.

ونقل الفاضل الهندي في كشف اللثام عن ابن حمزة قولا ثالثا وهو أنه إن جدد العقد المظاهر بعد العدة لم تلزم الكفارة كالمشهور رجعيا أو بائنا. ويلزمه إن جدده على البائن في العدة - ولعله لعموم النصوص - خرج ما لو خرجت من العدة لصحيحة بريد وخبر يزيد الكناسي (1)، فيبقى الباقي، وليس هذا ببعيد لأن المراجعة في العدة سواء كانت مراجعة شرعية أو لغوية الشاملة للعقد عليها في العدة مما تترتب عليه الكفارة في أخبار المراجع في العدة، وإن كان المشهور لا يرضون به لأن المتبادر من الرجعة حيث تطلق هي المراجعة الشرعية لظاهر صحيحة بريد وخبر يزيد الكناسي، وقد سمعتهما حيث قال فيهما " قال: إذا طلقها تطليقة فقد بطل الظهار وهدم الطلاق الظهار، قلت: فله أن يراجعها؟ قال: نعم هي امرأته، فإن راجعها وجب عليه ما يجب على المظاهر من قبل أن يتماسا " وهي كما ترى في المراجعة الشرعية.

وكذلك ما دل على إطلاق المراجعة مثل صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله والحسن بن زياد (2) عن أبي عبد الله عليه السلام كما في التهذيب " قال: إذا طلق المظاهر ثم راجع فعليه الكفارة " يجب حمله على المراجعة الشرعية حملا للمطلق على المقيد، ومع هذا كله لا تجب الكفارة بمجرد المراجعة بل لا بد من إرادة المسيس والجماع لما تقدم من ترتب الكفارة على ذلك في الأصح.

صفحة ١٠

ويدل عليه هنا بخصوصه صحيحة الحلبي (1) " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يظاهر من امرأته ثم يريد أن يتم على طلاقها، قال: ليس عليه كفارة، قلت: فإن أراد أن يمسها؟ قال: لا يمسها حتى يكفر ". وكأن قوله " ثم يريد أن تيم على طلاقها " مؤذن بأنه قد طلق بعد المظاهرة، وهذا من القرائن المقالية الواضحة، وكذا قوله " فإن أراد أن يسمها " قرينة على المراجعة في ذلك الطلاق ولو بالامساس، فيكون قوله " لا يمسها حتى يكفر " يعني بعد المراجعة أو بما إذا أراد المراجعة بنفس المسيس، أما ما جاء في خبر موسى بن بكير النمري (2) المرسل عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل ظاهر ثم طلق، قال: سقطت عنه الكفارة إذا طلق قبل أن يعاود المجامعة، قيل: فإنه راجعها، قال: إن كان طلق لاسقاط الكفارة عنه ثم راجعها فإن الكفارة لازمة له أبدا إذا عاود المجامعة، وإن كان طلقها وهو لا ينوي شيئا من ذلك فلا بأس أن يراجع ولا كفارة عليه " فهو من الأخبار المشكلة حيث لم يذهب ذاهب إلى تفصيله المذكور، ولم يطابقه شئ الأخبار الواردة في هذا المضمار، وقد احتمل فيه محدث الوسائل حمل المراجعة المنفية الكفارة معها عند إرادة مطلق الطلاق على المراجعة بعد العدة بعقد جديد لما تقدم في صحيحة بريد وغيرها، ويتحمل صدره أن الطلاق إذا وقع بقصد الفرار عن أثر الظهار غير عامل عمله بدليل قوله " إن كان طلق لاسقاط الكفارة عنه " فلم يحصل قصد البينونة فيكون لاغيا، كما أن الطلاق بقصد أن يراجع يقع لاغيا أو أنه وإن حصلت به البينونة لكن الغاية الموجبة له غير حاصلة به عقوبة من الشارع.

ولا ينافي هذا ما سيجئ عن قريب في المسائل والفروع من أن المظاهر يلزم بالطلاق أو الرجوع بعد المرافعة للحاكم الشرعي بعد ثلاثة أشهر من المرافعة ،

صفحة ١١

لأن ذلك الطلاق الملزوم به ليس لاسقاط الكفارة بل لتسريح المرأة بإحسان ولهذا يخير بينه وبين المراجعة والتكفير ولوجوب الوطء عليه بعد أربعة أشهر لبقائها على الزوجية. وقد ألحق جماعة من الأصحاب كالمحقق والعلامة بالطلاق في إسقاطه الكفارة إذا بانت منه لو عاودها بعد العدة الارتداد إذا كان عن ملة وقد صدر منه، وكذلك لو كان منها مطلقا. أما لو راجعها معه بعد التوبة منه أو منها في العدة حيث يصح الرجوع وجبت الكفارة لأنه كالطلاق الرجعي. وأوجب ابن الجنيد الكفارة في الارتداد إذا جدد العقد بناء على وجوبها بمجرد التربص وعدم الطلاق، وكذا لو ماتت أو مات أحدهما فلا كفارة إذا كان قبل المس، إلا على قول الإسكافي، أما لو وطأها بعد موتها فالظاهر أن عليه كفارتين للعموم والاستصحاب لأن الموت لم يخرجها عن الزوجية، ولهذا يغسلها وتغسله، وإن حرم وطؤها في تلك الحالة عليه فإن محرمات الأزواج أسباب الكثيرة كالحيض والاحرام والصيام والظهار والايلاء وكالمنكوحة قبل التسع إذا أفضاها لبقائها على الزوجية وإن حرم وطؤها، وأمثال ذلك في الأحكام كثيرة.

المسألة الرابعة: لو ظاهر من زوجته الأمة ثم اشتراها من مولاها فقد بطل العقد، فلو وطأها بالملك لم تجب الكفارة لما تقدم من أن البضع لا يستباح بسببين، والسبب الطارئ أقوى. وكذا لو ملكها بالإرث أو بسائر الأسباب المملكة لأن العقد لا يجامع ملك اليمين، وقد تقدم ما يدل عليه من الأخبار في نكاح الأمة مثل موثقة سماعة (1) " قال: سألته عن رجلين بينهما أمة فزوجاها من رجل ثم إن الرجل اشترى بعض السهمين، قال: حرمت عليه " وفي موثقته (2) الأخرى عنه عليه السلام مثله، إلا أنه قال " حرمت عليه باشترائه إياها وذلك أن بيعها طلاقها ".

صفحة ١٢

وإذا ثبت ذلك بمقتضى الاجماع والأدلة زال التحريم المترتب على العقد واستباحها بالملك، وكان ذلك كما لو طلقها أو تزوجها بعد انقضاء العدة، بل هنا أقوى لاختلاف جنس السبب الذاهب والعائد بخلاف ما لو تزوجها بعد البينونة، فإن السبب وإن تعدد إلا أنه متحد في الجنس وإن اختلف في الشخص وفي معناه عندهم ما لو اشتراها غيره ثم فسخ النكاح وزوجه إياها بعقد مستأنف، وقد تقدم في أحكام نكاح الأمة ما يدل على أن له الفسخ كما في صحيحة محمد بن مسلم (1) وخبر الحسن بن زياد وصحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله (2) وغيرها من الأخبار.

نعم، لو أقرها على نكاحه وجبت الكفارة لاستقرار النكاح المترتب عليه الظهار، ثم إنه على الأول لا يتوقف صحة العقد على الاستبراء ولا الاعتداد لأن الماء الواحد. ومثله أيضا ما لو طلقها بائنا ثم تزوجها في العدة كما تقدم خلافا لابن حمزة وللإسكافي وعلى المشهور، فتحصل الحيلة بهذا في إسقاط حكم الظهار بغير تكفير، لكنه لا ينطبق بما دل عليه خبر موسى بن أكيل النمري (3)، حيث إن طلاقه وقع فرارا عن كفارة الظهار، وقد عرفت الكلام فيه لكنه لا ينطبق على المذهب المشهور بل لأعامل بها.

ولو قلنا بوقوع الظهار بملك اليمين كما هو الحق لدلالة المعتبرة المستفيضة عليه وضعف المعارض لها وهو خبر حمزة بن حمران كما تقدم في كلام جامع الأصل - قدس الله سره - فيمن ظاهر من أمته ثم باعها من غيره بطل حكم الظهار، فإن اشتراها منه لم يعد الظهار كما لو طلق بائنا ثم تزوجها، وأولى منه ما لو أعتقها ثم تزوجها لاختلاف السبب ولبينونتها من النكاح الأول بالعتق.

صفحة ١٣

فروع الأول: لو ظاهر من زوجته الأمة ثم عاد ثم قال لمالكها: أعتقها عن ظهاري، ففعل وقع عتقها عن كفارته وانتقلت لملكه آنا ما يستحق العتق عنه وانفسخ النكاح بينهما لأن إعتاقها عنه بإذنه يتضمن تمليكه - كما سيأتي في الكفارات وفي كتاب العتق - وقد تقرر بالنص والاجماع أنه إذا ملك زوجته انفسخ النكاح، ومثله ما لو أعتقها عنه باستدعائه عن كفارة أخرى ولو ملكها بعد ما ظاهر منها وعاد فانفسخ النكاح بينهما ثم أعتقها عن ظهاره عنها، ومثله لو آلى من زوجته الأمة ووطأها وحنث ولزمته الكفارة فقال لسيدها: أعتقها عن كفارة عني، ففعل فإنه يجوز وينفسخ النكاح لملكه لها بهذا الأمر بعتقها كما في مسألة الظهار السابقة. ولو ظاهر من زوجته الذمية بناء على جواز نكاحها ثم نقضت المرأة العهد فاسترقت فملكها ذلك الزوج المظاهر فأسلمت فأعتقها عن كفارة ظهاره أو غيرها جاز.

الثاني: لو ظاهر من أربع نسوة له بلفظ واحد وجب عليه عن كل واحدة كفارة لانعقاد الظهار من الأربع بكلمة واحدة بحيث يقول: أنتن علي كظهر أمي، فيصير بذلك مظاهرا منهن إجماعا، والنصوص بذلك مستفيضة وسيأتي ذكرها ثم إن فارقهن بما يجب البينونة من طلاق ونحوه ورفع به الظهار فلا كفارة وإن عاد إليهن جمع، فالمسألة موضع خلاف، فالمعظم بل حكى عليه الاجماع في الخلاف عن كل واحدة كفارة لأصالة تعدد المسبب بتعدد السبب وخالف الإسكافي فلم يوجب سوى واحدة، واحتج للمشهور بصحيحة حفص بن البختري (1) عن أبي عبد الله عليه السلام وأبي الحسن عليه السلام " في رجل كان له عشر جوار فظاهر منهن جميعا كلهن بكلام واحد، فقال: عليه عشر كفارات ".

صفحة ١٤

وصحيحة صفوان (1) " قال: سأل الحسين بن مهران أبا الحسن الرضا عليه السلام عن رجل ظاهر من أربع نسوة، قال: يكفر لكل واحدة كفارة. وسأله رجل ظاهر من امرأته وجاريته، ما عليه؟ قال: عليه لكل واحدة منهما كفارة عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا " ولعل لفظة " أو " للتقسيم أو للتخيير لما يأتي إن شاء الله تعالى عن قريب من أن كفارة الظهار مرتبة لا مخيرة.

واحتج لابن الجنيد بموثقة غياث بن إبراهيم (2) عن الصادق عن أبيه عن علي عليهم السلام كما في التهذيب والنهاية " في رجل ظاهر من أربع نسوة، قال: عليه كفارة واحدة " وحمله الشيخ في كتابي الأخبار على أن الوحدة فيه جنسيته ولا ينافي تعددها بالشخص. واحتمل فيها محدث الوسائل الحمل على الانكار وفيه بعد، وربما طعن عليها بضعف سندها بناء على ضعف الموثق وترجيح الحسن عليه، لأن صحيحة حفص حسنة بالاصطلاح الجديد لاشتمالها على إبراهيم بن هاشم، وحيث يطعن علي رواية حفص بالحسن بناء على أنه دون الموثق أو لأن حفص بن البختري قد ضعفه محقق المعتبر في مواضع عديدة ورمى بلعب الشطرنج. يجاب عن ذلك بأن مضمونه موافق للتعليل الموجب للوحدة مع أنه معتضد بالشهرة، وربما بني الخلاف على أن الغالب في الظهار مشابهة الطلاق أو الأيمان، فإن غلبنا مشابهة الطلاق لزمته أربع كفارات ولم يكن يختلف الحال بين أن يظاهر بكلمة أو كلمات كما لو شرك بينهن بالطلاق بكلمة أو كلمات بالاتفاق، وإن غلبنا مشابهة الأيمان كما احتج به الإسكافي لم يجب إلا كفارة واحدة كما لو حلف أن لا يكلم جماعة فكلمهم فليس عليه إلا كفارة واحدة باتفاق، والظهار يمكن رجوعه إلى الأصلين، لكن هذا البناء مهدوم الأساس لعدم ثبوت الظهار إلى شئ من الأصلين المذكورين، وعلى تقدير

صفحة ١٥

الاغماض عن هذا كله فالمناسب إلحاقه بالطلاق لما ثبت أن شرائطه كشرائطه لأنه لا يكون إلا في طهر لم يقربها فيه - كما سمعت - ولا بد من شاهدي عدل يسمعان الطلاق ولا بد من القصد وارتفاع الغضب، وللأخبار الدالة على أنه لا يقع إلا فيما يقع فيه الطلاق، على أنا لو سلمنا حسن خبر حفص ولا ينجبر بالشهرة لكان الترجيح له حاصلا لأن صحيحة صفوان التي سمعتها لا يلحقها شئ من هذه المطاعن فتكون هي الأساس والأصل في الاستدلال، على أنا في راحة من هذا كله لعدم ثبوت هذا الاصطلاح الجديد - كما قررناه غير مرة - فعلى الأشهر من وجوب أربع كفارات، ولو حمل العود في بعضهن دون بعض كان الكفارة بعدد من حصل فيها العود، وعلى القول بوجوب وحدة الكفارة كذلك يكون الحكم لوجوب الكفارة بالعود لواحدة حتى لو طلق ثلاثا وجب الكفارة للرابعة واحتمل شهيد المسالك على هذا أن لا تجب الواحدة لتفريعه على اليمين كما لو حلف أن لا يكلم جماعة فلا تلزمه الكفارة بتكليم بعضهم، ويمكن الفرق بينه وبين اليمين أن كفارة اليمين سببها الحنث والحنث لا يحصل إلا بتكلم الجميع بخلاف الظهار، فإن سبب كفارته الامساك مع المخالفة لقوله والمخالفة تحصل بإمساك واحدة منهن بلا كلام كما تحصل بإمساك الجميع، وإنما قيدنا الخلاف بالمظاهرة بلفظ واحد، لأنه لو ظاهر عنهن بأربعة ألفاظ فإن الكفارة تتعدد بتعدد هن بلا خلاف.

الثالث: لو ظاهر من امرأة واحدة مرارا متعددة ففي تعدد الظهار أقوال، المشهور بين الأصحاب التعدد سواء كان فرق الظهار أو تابعه، اتحدت المشبه بها أم تعددت لأصالة عدم التداخل، وللأخبار المستفيضة.

منها: صحيحة محمد بن مسلم (1) عن أحدهما عليهما السلام " قال: سألته عن رجل

صفحة ١٦