تنقيح القول الحثيث بشرح لباب الحديث

محقق

بدون

الناشر

مطبعة مصطفى البابي الحلبي

الإصدار

الرابعة

سنة النشر

١٣٧٧ هجري

مكان النشر

القاهرة

1 ( مقدمة المؤلف ) 1

بسم الله الرحمن الرحيم | الحمد لله الذي جعل أحاديث النبي المصطفى في

صفحة ٢

الاهتداء مثل النجوم ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسوله الذي أعطاه أسرار العلوم ، والصلاة والسلام على أفضل خلقه محمد المبعوث بالمعجزات ، وعلى آله مصابيح الدلالات ، وأصحابه أنجم الهدايات . | أما بعد : فهذا شرح على لباب الحديث للشيخ العلامة الفهامة جلال الدين ابن العلامة أبي بكر السيوطي تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جنته . سميته : | تنقيح القول الحثيث في شرح لباب الحديث | والله أسأل أن يجعله خالصا لوجهه الكريم ، وسببا للفوز بجنات النعيم ، وأن يختم لكاتبه بخير آمين آمين . واعلم أن الباعث في كتابة هذا الشرح حاجة المحتاجين إليه ، فإن هذا الكتاب كثير التحريف والتصريف لعدم الشرح عليه ، ومع ذلك كثر تداول الناس من أهل جاوة عليه . وإني لم أجد نسخة صحيحة فيه ، ولم أقدر على تصحيحه ، واستيفاء مراده لقصوري ، إلا أن بعض الشر أهون من بعض . وهذا الكتاب إن كان فيه حديث ضعيف لا ينبغي أن يهمل ، لأن الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال كما قال ابن حجر في تنبيه الأخيار ، والضعيف حجة في الفضائل باتفاق العلماء ، كما في شرح المهذب وغيره ، والله المستعان ، وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ( بسم الله الرحمن الرحيم ) أي أؤلف فالباء بارىء البرايا ، والسين ستار الخطايا ، والميم المنان بالعطايا ، وقيل : الله كاشف البلايا ، والرحمن معطي العطايا ، والرحيم غافر الخطايا ( الحمد لله رب العالمين ) فالحمد لغة الثناء باللسان على الجميل الاختياري على جهة التعظيم ، سواء كان في مقابلة نعمة أم لا ، فدخل في الثناء الحمد وغيره ، وخرج باللسان الثناء بغيره كالحمد النفسي ، وخرج بالاختياري المدح ، فإنه يعم الاختياري وغيره ، والحمد عرفا فعل ينبىء عن تعظيم المنعم من حيث إنه منعم على الحامد أو غيره ، وسواء كان باللسان أم بالجنان أم بالأركان ، والشكر لغة هو هذا الحمد ، وعرفا صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه من السمع وغيره إلى ما خلق لأجله ، والمدح لغة الثناء باللسان على الجميل مطلقا على جهة التعظيم ، وعرفا ما يدل على اختصاص الممدوح بنوع من الفضائل ، أفاد ذلك شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في رسالته ( والعاقبة ) أي المحمودة ( للمتقين ) أي المطيعين والمنزعين لقلوبهم عن الذنوب ( ولا عدوان ) أي لا ظلم ( إلا على الظالمين ) أي بارتكاب المعاصي ( والصلاة والسلام على خير خلقه ) كلهم من الإنس والجن والملائكة ( محمد ) المنزل عليه تعظيما له قوله سبحانه وتعالى : { يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا } [ الأحزاب : 64 ] ويبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا ( وعلى آله ) أي أقاربه المؤمنين من بني هاشم والمطلب ، أو أتقياء أمته ( وصحبه ) والصحابي هو من اجتمع مؤمنا بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم بعد نبوته ( أجمعين ) توكيد للآل والصحب ( أما بعد ) أي بعد ما تقدم ( فإني أردت أن أجمع كتابا للأخبار ) أي الأحاديث ( النبوية ) أي المنسوبة للنبي لأنها أقواله صلى الله عليه وسلم ( والآثار ) أي المنقولات ( المروية ) أي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( بإسناد صحيح ) فالصحيح هو ما اتصل سنده ، وعدلت نقلته ، والإسناد هو حكاية طريق المتن ، والسند هو الطريق الموصلة إلى المتن فقولك أخبرنا فلان إلى الآخر إسناد ، ونفس الرجال سند ، والمتن هو ألفاظ الحديث الذي تقوم بها المعاني . وقال ابن جماعة : هو ما ينتهي إليه غاية السند أفاد ذلك إبراهيم الشبرخيتي ( وثيق ) أي ضابط ناقل عن مثله إلى المنتهى ( فحذفت الأسانيد ) أي روما للاختصار ، وهو جمع إسناد قال البدر بن جماعة : الإسناد هو الإخبار عن طريق المتن ، والسند هو رفع الحديث إلى قائله . قال النووي : السند سلاح المؤمن ، فإذا لم يكن معه سلاح فبم يقاتل ؟ وقال الشافعي رضي الله عنه : الذي يطلب الحديث بلا سند ، كحاطب ليل يتحمل الحطب ، وفيه أفعى وهو لا يدري ( وجعلته أربعين بابا في كل باب ) منها ( عشرة أحاديث ) فمجموع الأحاديث أربعمائة ( وسميته ) أي هذا المجموع ( لباب الحديث ) واللباب خلاف القشر ( وأستعين بالله العظيم ) أي الكامل ذاتا وصفة ( على القوم الكافرين ) في إقامة الدين . | ولما أراد المصنف إتيان المقصود أتى أولا بالأبواب الأربعين على سبيل السرد ليكون عنوانا لهذا الكتاب تسهيلا للمتناولين فقال ( الباب الأول في فضيلة العلم والعلماء ) قال الله تعالى : { فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين } [ التوبة : 221 ] ( الباب الثاني في فضيلة لا إله إلا الله ) قال الفخر الرازي : وقد ذكرت هذه الكلمة في القرآن في سبعة وثلاثين موضعا ، اثنان في البقرة وأربعة في آل عمران ، وواحد في النساء واثنان في الأنعام ، وواحد في الأعراف واثنان في التوبة ، وواحد في يونس وفي هود وفي الرعد وفي النحل وثلاثة في طه ، واثنان في الأنبياء وواحد في المؤمنين وفي النمل ، واثنان في القصص ، وواحد في فاطر وفي الصافات وفي الزمر ، وثلاثة في المؤمن وواحد في الدخان ، وفي محمد واثنان في الحشر ، وواحد في التغابن وفي المزمل ( الباب الثالث في فضيلة بسم الله الرحمن الرحيم ) وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( لا يرد دعاء أوله بسم الله الرحمن الرحيم قال : وإن أمتي يأتون يوم القيامة وهم يقولون بسم الله الرحمن الرحيم فتتثاقل حسناتهم في الميزان فتقول الأمم : ما رجح موازين أمة محمد صلى الله عليه وسلم ؟ فتقول الأنبياء لهم : كان مبتدأ كلام أمة محمد صلى الله عليه وسلم ثلاثة أسماء من أسماء الله تعالى الكرام ، لو وضعت في كفة الميزان ، ووضعت سيئات الخلق جميعا في الكفة الأخرى لرجحت حسناتهم قال : وجعل الله تعالى هذه الآية شفاء من كل داء ، وغنى من كل فقر ، وسترا من النار ، وأمانا من الخسف والمسخ والقذف ما داموا على قراءتها ) . ( الباب الرابع في فضيلة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما اجتمع قوم في مجلس ولم يصل علي فيه إلا تفرقوا كقوم تفرقوا عن ميت ولم يغسلوه ) ( الباب الخامس في فضيلة الإيمان ) قال القطب الرباني سيدي الشيخ عبد القادر الجيلاني ، ونعتقد أن من أدخله الله تعالى النار بكبيرته مع الإيمان ، فإنه لا يخلد فيها بل يخرجه منها ، لأن النار في حقه كالسجن في الدنيا يستوفى منه بقدر جريمته ، ثم يخرجه برحمة الله تعالى ولا يخلد فيها ، ولا تلفح وجهه النار ، ولا تحرق أعضاء السجود منه ، لأن ذلك محرم على النار ، ولا ينقطع طمعه من الله تعالى في كل حال ما دام في النار حتى يخرج منها ، فيدخل الجنة ، ويعطى الدرجات على قدر طاعته التي كانت له في الدنيا ( الباب السادس في فضيلة الوضوء ) روي عن نافع رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ما من عبد توضأ فأحسن الوضوء على ترتيبه إلا أعطاه الله بكل قطرة تقطر من وضوئه عشر حسنات وتستغفر له تلك الأرض التي توضأ عليها إلى يوم القيامة ) ( الباب السابع في فضيلة السواك ) عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء ) أخرجه مالك وأحمد والنسائي . ( الباب الثامن في فضيلة الأذان ) عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبلال : ( إذا أذنت فترسل ، وإذا أقمت فاحرز واجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله ) رواه الترمذي وضعفه وعن أنس بن مالك قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة ) رواه النسائي ( الباب التاسع في فضيلة صلاة الجماعة ) عن أبي هريرة قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى فقال : يا رسول ليس لي قائد يقودني إلى المسجد ، فرخص له ، فلما ولى دعاه فقال : ( هل تسمع النداء بالصلاة ؟ ) قال نعم . قال : ( فأجبه ) رواه مسلم ( الباب العاشر في فضيلة الجمعة ) عن ابن عباس أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يغفر الله ليلة الجمعة لأهل الإسلام أجمعين ) وعن سلمان رضي الله عنه قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أتدري لم سمي يوم الجمعة ؟ قلت : لا . قال : لأن فيه جمع أبوك آدم ) قال بعضهم : هو اجتماع قالب آدم وروحه بعد أن كان ملقى أربعين سنة . وقال آخرون : لاجتماع آدم وحواء بعد الفرقة الطويلة . وقيل : إنما سمي بذلك لاجتماع أهل البلاد والرساتيق فيه . وقيل : لأنه تقوم فيه القيامة وهو يوم الجمع قال الله تعالى : { يوم يجمعكم ليوم الجمع } [ التغابن : 9 ] ذكر ذلك سيدي الشيخ عبد القادر الجيلاني ( الباب الحادي عشر في فضيلة المساجد ) وهي بيوت الله تعالى ، لأنها محال عبادات الله تعالى ( الباب الثاني عشر في فضيلة العمائم ) قال سيدي الشيخ عبد القادر الجيلاني : ويكره كل ما خالف زي العرب وشابه زي الأعاجم ( الباب الثالث عشر في فضيلة الصوم ) وعن الحسن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الصيام جنة من النار ما لم يخرقه ) قيل : وما يخرقه ؟ قال : بكذبة أو بغيبة ( الباب الرابع عشر في فضيلة الفرائض ) من الصلاة وغيرها قال عبد الله الصحابي ابن غسان في جواب سؤال منينا بن عبد المسيح الراهب قال نبينا صلى الله عليه وسلم : ( الصلاة صلة بين العبد وربه فيها إجابة الدعاء وقبول الأعمال وبركة في الرزق وراحة في الأبدان ، وستر بينه وبين النار ، وثقل في الميزان ، وجواز على الصراط ، ومفتاح الجنة ) ثم قال عبد الله : والصلاة جامعة لجميع الطاعات ، فمن جملتها الجهاد ، فإذا المصلي يجاهد عدوين نفسه والشيطان ففي الصلاة الصوم ، فإن المصلي لا يأكل ولا يشرب ، وزادت على الصيام بمناجاة ربه ، وفي الصلاة الحج ، وهو القصد إلى بيت الله ، والمصلي قصد رب البيت ، وزادت على الحج بقربه من ملكوت ربه . وقال نبينا صلى الله عليه وسلم : ( جميع المفترضات افترضها الله تعالى في الأرض إلا الصلاة ، فإن الله افترضها في السماء وأنا بين يديه ) . | ومعنى رفع الأيدي في الصلاة للتكبير أن العبد غريق في بحار الخطايا والمعصية ، فيرفع يديه كأنه يقول : يا رباه خذ بيدي فإني غريق في بحار الخطايا والمعصية ، هارب منك إليك . ومعنى القراءة عتاب بين العبد وربه ، ومعنى الركوع كأن المصلي يقول : أنا عبدك وقد مددت يدي إليك ومعنى الرفع من الركوع مع قول ربنا لك الحمد طلب العتق من الذنوب ، فكأن الله يقول : أذنبت ، فيقول العبد : أنا عبدك . ويقول الله قد أعتقتك من الذنوب ، ومعنى السجدة الأولى ووضع الجبهة على الأرض كأن العبد يقول منها : خلقتني . ومعنى الرفع منه كأنه يقول : منها أخرجتني . ومعنى السجدة الثانية كأن العبد يقول : وفيها تعيدني . ومعنى الرفع الثاني كأنه يقول : ومنها تخرجني تارة أخرى ، ومعنى السلام : اللهم أعطني كتابي بيميني ولا تعطني كتابي بشمالي ، ( الباب الخامس عشر في فضيلة السنن ) أي من صلوات خاصة ( الباب السادس عشر في فضيلة الزكاة ) أي الشاملة لزكاة الأموال والأبدان ( الباب السابع عشر في فضيلة الصدقة ) قال سيدي الشيخ عبد القادر الجيلاني : وتستحب صدقة التطوع في سائر الأوقات ليلا ونهارا قليلا وكثيرا لا سيما في الأشهر المباركة ، كشهر رجب وشعبان ، وشهر رمضان وأيام العيد وعاشوراء ، وأيام الجدب والضيق ، ليحوز بذلك العافية في الجسم والمال والأهل والخلف السريع في الدنيا ، والثواب الجزيل في الآخرة . ( الباب الثامن عشر في فضيلة السلام ) ويستحب القيام للإمام العادل والوالدين وأهل الدين والورع وأكرم الناس كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قوموا إلى سيدكم ) ( الباب التاسع عشر في فضيلة الدعاء ) وهو سيف المؤمن ، قال الله تعالى : { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم } [ غافر : 06 ] وسئل إبراهيم بن أدهم رحمه الله فقيل له : ما بالنا ندعو الله فلا يستجيب لنا ؟ فقال : لأنكم عرفتم الرسول ، فلم تتبعوا سنته ، وعرفتم القرآن فلم تعملوا به ، وأكلتم نعمة الله فلم تؤدوا شكرها ، وعرفتم الجنة فلم تطلبوها ، وعرفتم النار فلم ترهبوا منها ، وعرفتم الشيطان فلم تحاربوه ورافقتموه ، وعرفتم الموت فلم تستعدوا له ، ودفنتم الأموات فلم تعتبروا بهم ، وتركتم عيوبكم واشتغلتم بعيوب الناس . ( الباب العشرون في فضيلة الاستغفار ) قال صلى الله عليه وسلم : ( من أكثر من الاستغفار جعل الله عز وجل له من كل هم فرجا ، ومن كل ضيق مخرجا ، ورزقه من حيث لا يحتسب ) ( الباب الحادي والعشرون في فضيلة ذكر الله ) قال الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا } [ الأحزاب : 14 ] ( الباب الثاني والعشرون في فضيلة التسبيح ) قال أبو ذر رضي الله عنه : قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي الكلام أحب إلى الله عز وجل ؟ قال صلى الله عليه وسلم : ( ما اصطفى الله سبحانه لملائكته سبحان الله وبحمده وسبحان الله العظيم ) ( الباب الثالث والعشرون في فضيلة التوبة ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه ) رواه مسلم وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ) رواه الترمذي وابن ماجه . ( الباب الرابع والعشرون في فضيلة الفقر ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أحب الأعمال إلى الله تعالى من أطعم مسكينا من جوع أو دفع عنه مغرما أو كشف عنه كربة ) رواه الطبراني ( الباب الخامس والعشرون في فضيلة النكاح ) عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الدنيا كلها متاع وخير متاعها المرأة الصالحة ) رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه . وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ثلاثة حق على عونهم الله المجاهد في سبيل الله ، والمكاتب الذي يريد الأداء والناكح الذي يريد العفاف ) أي عفاف فرجه عن المحارم رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم . ( الباب السادس والعشرون في التشديد على الزنى ) وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( احذروا الزنى فإن فيه ست خصال ثلاثة في الدنيا وثلاثة في الآخرة فأما التي في الدنيا فإنه ينقص الرزق ويذهب البركة ، وإذا خرجت روحه تحجب عن الله ، وينظر إلى النار والزبانية ، وأما التي تصيبه في الآخرة : فينظر الله إليه بعين الغضب فيسود وجهه والثانية يكون حسابه شديدا ، والثالثة يسحب في سلسلة إلى النار ) ( الباب السابع والعشرون في التشديد على اللواط ) قال عليه السلام سبعة لعنهم الله تعالى ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ويقال لهم : ادخلوا النار مع الداخلين أولهم الفاعل والمفعول به في عمل قوم لوط ، وناكح المرأة في دبرها ، وناكح البهيمة ، وناكح البنت وأمها ، والزاني بامرأة جاره ، وناكح كفه إلا أن يتوبوا ( الباب الثامن والعشرون في منع شرب الخمر ) قال ابن مسعود إذا دفنتم شارب الخمر فانبشوه ، فإن لم تجدوا وجهه مصروفا عن القبلة فاقتلوني ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا شرب العبد الخمر أربع مرات سخط الله عليه ، وكتب اسمه في سجين ، ولا يقبل منه صومه ولا صلاته ولا صدقته إلا أن يتوب ) ( الباب التاسع والعشرون في فضيلة الرمي ) أي رمي السهام لأجل قتال الكفار لإعلاء دين الله تعالى : ( الباب الثلاثون في فضيلة بر الوالدين ) قال صلى الله عليه وسلم : ( ليس بين عاق والديه وبين إبليس في النار إلا طبقة واحدة فهو جار إبليس في النار ، وليس بين بار والديه وبين الأنبياء في الجنة إلا درجة واحدة فهو جار الأنبياء في الجنة ) ( الباب الحادي والثلاثون في فضيلة تربية الأولاد ) قال صلى الله عليه وسلم : ( من رزقه الله ولدا ولم يعلمه القرآن إلا كان كل ذنب يعمله الولد على أبيه ويوم القيامة يحاسب الولد أباه على تركه تعليم القرآن ويقضي الله له عليه ) ، وكان علي يقول : علموا أولادكم القرآن تدخلوا الجنة بشفاعتهم يوم القيامة ( الباب الثاني والثلاثون في فضيلة التواضع ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا ، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله ) . ( الباب الثالث والثلاثون في فضيلة الصمت ) قال عليه السلام : ( الصمت حكم وقليل فاعله ) . وقال صلى الله عليه وسلم : ( من وقي شر قبقبه وذبذبه ولقلقه فقد وقي الشر كله ) ، والقبقب هو البطن والذبذب الفرج واللقلق اللسان ( الباب الرابع والثلاثون في فضيلة الإقلال من الأكل والنوم والراحة ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( جاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش فإن الأجر في ذلك كأجر المجاهد في سبيل الله ، وإنه ليس من عمل أحب إلى الله من جوع وعطش ) . ( الباب الخامس والثلاثون في فضيلة الإقلال من الضحك ) قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس أفضل ؟ قال : ( من قل مطعمه وضحكه ورضي بما يستر به عورته ) ( الباب السادس والثلاثون في فضيلة عيادة المريض ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا عاد الرجل المريض خاض في الرحمة فإذا قعد عنده قرت فيه ) ( الباب السابع والثلاثون في فضيلة ذكر الموت ) قال عائشة رضي الله عنها : يا رسول الله هل يحشر مع الشهداء أحد ؟ قال : ( نعم من يذكر الموت في اليوم والليلة عشرين مرة ) ( الباب الثامن والثلاثون في فضيلة ذكر القبر وأهواله ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يقول القبر للميت حين يوضع فيه ويحك يا ابن آدم ما غرك بي ألم تعلم أني بيت الفتنة وبيت الظلمة وبيت الوحدة وبيت الدود ما غرك بي إذ كنت تمر بي فذاذا ، أي يقدم رجلا ويؤخر أخرى فإن كان مصلحا أجاب عنه مجيب للقبر فيقول أرأيت إن كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فيقول القبر : إني إذا أتحول عليه خضرا ويعود جسده نورا ، وتصعد روحه إلى الله تعالى ) ، وفي بعض النسخ تأخير هذا الباب عن الباب الذي بعده . ( الباب التاسع والثلاثون في منع النياحة على الميت ) قال الله تعالى : { والذين لا يشهدون الزور } [ الفرقان : 27 ] قيل هي النائحة وفي صحيح البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم برىء من الصالقة والحالقة والشاقة قال النووي : الصالقة التي ترفع صوتها بالنياحة ، والحالقة التي تحلق شعرها عند المصيبة ، والشاقة التي تشق ثيابها عند المصيبة ، وكل هذا حرام باتفاق العلماء انتهى . ( الباب الأربعون في فضيلة الصبر على المصيبة ) قال الله تعالى { وبشر الصابرين } [ البقرة : 551 ] وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إذا كان يوم القيامة نادى مناد من قبل الله تعالى : من له دين على الله تعالى فليقم ، فتقول الخلائق : ومن له دين على الله ؟ فتقول الملائكة : من ابتلاه الله تعالى بما يحزن قلبه فصبر احتسابا لله ، فليقم يأخذ أجره من الله تعالى ، فيقوم خلق كثير من أهل البلاء . فتقول الملائكة ليست الدعوة تقبل بلا بينة أرونا صحائفكم فمن وجد في صحيفته سخط أو كلام قبيح يقولون له اقعد مكانك لست من الصابرين وتأخذ الملائكة الصابرين من الرجال والنساء إلى تحت العرش فيقولون يا ربنا هؤلاء عبادك الصابرون فيقول الله تعالى : ردوهم إلى شجرة البلوى ، فيردونهم إلى شجرة أصلها من ذهب وأوراقها حلل ، وظلها يسير الراكب فيه مائة عام ، فيجلسون تحتها ، ويتجلى الحق سبحانه وتعالى ويسلم عليهم واحدا واحدا ، ثم يعتذر إليهم كما يعتذر الرجل للرجل ، ويقول : يا عبادي الصابرين ما ابتليتكم إلا أردت أن أحط عليكم البلاء لكثرة ذنوبكم وأوزاركم ، لأبلغنكم به درجات عالية ما تصلون إليها بأعمالكم ، فصبرتم لأجلي واستحييتم مني ، ولا أنصب ميزانا ولا أنشر لكم ديوانا ، ثم يعتذر سبحانه وتعالى إلى الفقراء يقول : يا عبادي ما ابتليتكم بالفقر إلا أن كل من أخذ من الدنيا شيئا أحاسبه عليه ، وأسأله من أين اكتسبته ، وفي أي شيء أخرجته ، فأحببت لكم الفقر ليخف حسابكم ، ثم يعتذر سبحانه وتعالى إلى العميان ، وسائر أصحاب الأمراض ، فيفرحون غاية الفرح بما حصل لهم من الأجر العظيم ، ثم يؤمر برايات وصناجق مثل صناجق الأمراء ثم تأخذهم الملائكة على النجائب والرايات بين أيديهم وهم سائرون إلى الجنة ، فينظر الناس إليهم فيقولون أهؤلاء شهداء أو أنبياء ؟ فتقول الملائكة هؤلاء قوم صبروا على الشدائد في الدنيا ، بصبرهم نالوا ، فإذا وصلوا إلى باب الجنة قال لهم رضوان من هؤلاء القوم الذين لم ينصب لهم ميزان ؟ فتقول الملائكة : هؤلاء الصابرون ليس عليهم حساب ، فافتح لهم الجنة ليقعدوا في قصورهم آمنين ، فيدخلون فتتلقاهم الملائكة والولدان بالفرح والتكبير ، فيجلسون على شرائف الجنة خمسمائة عام يتفرجون على حساب الخلق ، فطوبى للصابرين ) كذا في الجواهر للشيخ أبي الليث السمرقندي ، ولما ذكر المصنف أولا الأربعين بابا بالسرد ذكر مثلها بعد على نسق ما تقدم بالأحاديث فقال : |

1 ( الباب الأول في فضيلة العلم والعلماء ) 1

قال الله تعالى : { شهد الله لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم

صفحة ٧

قائما بالقسط } [ آل عمران ] فانظر كيف بدأ سبحانه وتعالى بنفسه ، وثنى بالملائكة ، وثلث بأهل العلم ، وناهيك بهذا شرفا وفضلا . ( قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن مسعود رضي الله عنه ) واسمه عبد الله وكان صاحب سير رسول الله صلى الله عليه وسلم ووساده ونعليه وطهوره في السفر ، وكان خفيف اللحم قصيرا جدا نحو ذراع ، شديد الأدمة ، وكان من أجود الناس ثوبا وأطيب الناس ريحا ، وكان دقيق الساقين ، أخذ يجتني سواكا من الأراك ، فجعلت الريح تكفؤه فضحك القوم منه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لم تضحكون ؟ ) فقالوا : يا رسول الله من دقة ساقيه فقال : ( والذي نفسي بيده لهما في الميزان أثقل من أحد ) وكان هو كثير الولوج عليه صلى الله عليه وسلم ويمشي معه ، وأمامه بالعصا ويستره إذا اغتسل ويوقظه إذا نام ويلبسه نعليه إذا قام فإذا جلس أدخلهما في ذراعيه ( يا ابن مسعود جلوسك ساعة ) أي من الزمان ليلا كان أو نهارا ( في مجلس العلم ) وفي لفظ حلقة العالم ( لا تمس ) فتح الميم ( قلما ولا تكتب حرفا خير لك من عتق ) أي إعتاق ( ألف رقبة ) أي عبدا أو أمة ( ونظرك إلى وجه العالم ) أي بنظر المحبة خير لك من ألف فرس تصدقت بها في سبيل الله ) أي في جهاد الكفار لإعلاء دين الله تعالى ( وسلامك على العالم خير لك من عبادة ألف سنة ) كذا ذكره الحافظ المنذري في الدرة اليتيمة ، وعن عمر بن الخطاب قال : سمعت رسول الله يقول : ( من مشى إلى حلقة عالم كان له بكل خطوة مائة حسنة ، فإذا جلس عنده واستمع ما يقول كان له بكل كلمة حسنة ) كذا ذكره النووي في رياض الصالحين . ( وقال صلى الله عليه وسلم : فقيه ) أي عالم بعلم الشريعة ( واحد متورع ) أي متكلف بترك المحارم فهو المبتدىء في ذلك ( أشد على الشيطان من ألف عابد مجتهد ) أي في العبادة ( جاهل ) أي بما يطرأ عليها ( ورع ) أي تارك للمحارم ، فهو المنتهي في الكف عن المحارم ، وذلك لأن الشيطان كلما فتح بابا على الناس من الأهواء وزين الشهوات في قلوبهم بين الفقيه العارف مكايده ، فيسد ذلك الباب ويجعله خائبا خاسرا بخلاف العابد ، فإنه ربما يشتغل بالعبادة وهو في حبائل الشيطان ولا يدري ، أفاد ذلك العزيزي نقلا عن الطيبي ، وفي رواية الترمذي وابن ماجه عن ابن عباس : فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد . ( وقال صلى الله عليه وسلم : فضل العالم ) أي العامل بعلمه ( على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ) المراد بالفضل كثرة الثواب الشامل لما يعطيه الله للعبد في الآخرة من درجات الجنة ولذاتها ومآكلها ومشاربها ومناكحها ، وما يعطيه الله تعالى للعبد من مقامات القرب ولذة النظر إليه ، وسماع كلامه رواه أبو نعيم عن معاذ بن جبل . وفي رواية للحارث بن أبي أسامة عن أبي سعيد الخدري عنه صلى الله عليه وسلم : ( فضل العالم على العابد كفضلي على أمتي ) وفي رواية للترمذي عن أبي أمامة : ( فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم ) أي نسبة شرف العالم إلى شرف العابد كنسبة شرف النبي إلى أدنى شرف الصحابة . قال الغزالي : فانظر كيف جعل العلم مقارنا لدرجة النبوة وكيف حط رتبة العمل المجرد عن العلم ، وإن كان العابد لا يخلو عن علم بالعبادة التي يواظب عليها ، ولولاه لم تكن عبادة ( وقال صلى الله عليه وسلم : من انتقل ) أي تحول ماشيا أو راكبا من محل إلى محل آخر ( ليتعلم علما ) من العلوم الشرعية ( غفر له ) أي ما تقدم من ذنبه الصغائر ( قبل أن يخطو ) أي خطوة من موضعه إذا أراد بذلك وجه الله تعالى رواه الشيرازي عن عائشة ( وقال صلى الله عليه وسلم أكرموا العلماء ) أي بعلوم الشرع العاملين بأن تعاملوهم بالإجلال والإحسان إليهم بالقول والفعل . ( فإنهم عند الله كرماء ) أي مختارون ( مكرمون ) أي عند الملائكة . وعن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله يقول : ( إذا تحدث العالم في مجلسه بالعلم ولم يدخله هزل ولا لغو ، خلق الله تعالى من كل كلمة طلعت من فمه ملكا يستغفر الله له ولسامعه إلى يوم القيامة فإذا انصرفوا مغفورين لهم ) ثم قال : ( هم القوم لا يشقى بهم جليسهم ) . ( وقال صلى الله عليه وسلم : من نظر إلى وجه العالم نظرة ) أي واحدة ( ففرح بها ) أي بتلك النظرة ( خلق الله تعالى من تلك النظرة ملكا يستغفر ) أي ذلك الملك ( له ) أي الناظر ( إلى يوم القيامة ) وكان علي بن أبي طالب يقول : النظر إلى وجه العالم عبادة ونور في النظر ونور في القلب ، فإذا جلس العالم للعلم كان له بكل مسألة قصر في الجنة ، وللعامل بها مثل ذلك كذا في رياض الصالحين ( وقال النبي صلى الله عليه وسلم : من أكرم عالما فقد أكرمني ) أي لأنه حبيبي ( ومن أكرمني فقد أكرم الله ) أي لأني حبيبه ( ومن أكرم الله فمأواه الجنة ) أي لأنها محال سكنى أحباء الله تعالى وقال صلى الله عليه وسلم : ( أكرموا العلماء فإنهم ورثة الأنبياء ، فمن أكرمهم فقد أكرم الله ورسوله ) رواه الخطيب البغدادي عن جابر ( وقال النبي صلى الله عليه وسلم : نوم العالم أفضل من عبادة الجاهل ) أي نوم العالم الذي يراعي آداب العلم أفضل من عبادة الجاهل الذي لا يسلم آداب العبادة ، وفي رواية لأبي نعيم عن سلمان بإسناد ضعيف نوم على علم خير من صلاة على جهل ، أي لأنه قد يظن المبطل مصححا والممنوع جائزا كما قال ضرار بن الأزور الصحابي من عبد الله بجهل كان ما يفسد أكثر مما يصلح . وكما قال واثلة بن الأسقع : المتعبد بغير فقه كحمار الطاحون . ( وقال النبي صلى الله عليه وسلم : من تعلم بابا من العلم يعمل به أو لم يعمل به كان أفضل من أن يصلي ألف ركعة تطوعا ) وهذا يدل على أن العلم أشرف جوهرا من العبادة ، ولكن لا بد للعبد من العبادة مع العلم ، وإلا كان علمه هباء منثورا كما روي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ما من عالم لا يعمل بعلمه إلا نزع الله روحه على غير الشهادة ، وناداه مناد من السماء يا فاجر خسرت الدنيا والآخرة ) وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن العالم إذا لم يعمل بعلمه لعنه العلم من جوفه ، ويلعنه كل شيء طلعت عليه الشمس ، وتكتب الحفظة كل يوم ختما على صحيفته هذا عبد آيس من رحمة الله يا عبد الله يا مضيع حقوق سيده ، يا من لا يعمل بعلمه عليك لعنة الله ، فإذا مات نزع الله روحه على غير الشهادة ، ويحرم الموت على الإيمان ) ( وقال النبي صلى الله عليه وسلم : من زار عالما فكأنما زارني ، ومن صافح عالما فكأنما صافحني ، ومن جالس عالما فكأنما جالسني في الدنيا ، ومن جالسني في الدنيا أجلسته معي يوم القيامة ) وعن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من زار عالما فقد زارني ، ومن زارني وجبت له شفاعتي ، وكان له بكل خطوة أجر شهيد ) وعن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من زار عالما ضمنت له على الله الجنة ) وعن علي بن أبي طالب أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من زار عالما أي في قبره ثم قرأ عنده آية من كتاب الله أعطاه الله تعالى بعدد خطواته قصورا في الجنة وكان له بكل حرف قرأه على قبره قصر في الجنة من ذهب ) ، كذا في رياض الصالحين . |

صفحة ٩

1 ( الباب الثاني في فضيلة : لا إله إلا الله ) 1

قال الفاكهاني : إن ملازمة ذكرها عند دخول المنزل تنفي الفقر ، وقد ورد

صفحة ١٠

أن : ( من قال لا إله إلا الله ومدها هدمت له أربعة آلاف ذنب من الكبائر . قالوا : يا رسول الله فإن لم يكن له شيء من الكبائر ؟ قال : يغفر لأهله ولجيرانه ) رواه البخاري اه سنوسي . ( قال النبي صلى الله عليه وسلم : من قال كل يوم لا إله إلا الله محمد رسول الله مائة مرة جاء يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر ) أي التمام وهو ليلة أربعة عشر . ( وقال صلى الله عليه وسلم : أفضل الذكر لا إله إلا الله ) أي لأنها كلمة التوحيد ، والتوحيد لا يماثله شيء ، ولأن لها تأثيرا في تطهير الباطن فيفيد نفي الآلهة بقوله لا إله ، ويثبت الوحدانية لله تعالى بقوله إلا الله ، ويعود الذكر من ظاهر لسانه إلى باطن قلبه ، ولأن الإيمان لا يصح إلا بها ، أي مع محمد رسول الله ، وليس هذا فيما سواها من الأذكار ( وأفضل الدعاء الحمد لله ) قيل : إنما جعل الحمد أفضل ، لأن الدعاء عبارة عن ذكر ، وأن يطلب منه حاجته ، والحمد لله يشملها فإن من حمد الله إنما يحمد على نعمة ، والحمد على النعمة طلب مزيد قال تعالى : { لئن شكرتم لأزيدنكم } [ إبراهيم : 7 ] أفاد ذلك العزيزي ، روى هذا الحديث الترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم عن جابر . ( وقال صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى ) أي في الحديث القدسي والكلام الأنسي ( لا إله إلا الله كلامي وأنا هو من قالها دخل حصني ) بكسر الحاء ( ومن دخل حصني أمن من عقابي ) أخرجه الشيرازي عن علي . وفي نسخة لهذا الكتاب وقال صلى الله عليه وسلم : ( لا إله إلا الله حصني ومن دخل حصني أمن من عذاب الله ) وعن عبد الواحد بن زيد أنه قال : كنت في مركب فطرحتنا الريح على جزيرة ، فخرجنا إلى الجزيرة فرأينا شخصا يعبد صنما فقلنا له : تعبد هذا الصنم وفينا من يصنع مثله ؟ فقال : أنتم من تعبدون ؟ فقلنا : نعبد إلها في السماء عرشه وفي الأرض بطشه وفي البحر سبيله قال : من أعلمكم به ؟ قلنا : أرسل إلينا رسولا . قال : ما فعل بالرسول ؟ قلنا قبضه الملك إليه . قال : فهل ترك عندكم من علامة ؟ قلنا : نعم كتاب الملك ، قال : هل عندكم منه شيء ؟ فشرعنا نقرأ عليه سورة الرحمن ، فما زال يبكي حتى ختمت ، ثم قال : ما ينبغي أن يعصى صاحب هذا الكلام ، ثم عرضنا عليه الإسلام فأسلم وحملناه معنا في السفينة فلما جن الليل وصلينا العشاء أخذنا مضاجعنا للنوم فقال لنا : هذا الإله الذي دللتموني عليه ينام ؟ قلنا بل هو حي قيوم لا ينام . قال : بئس العبيد أنتم تنامون ومولاكم لا ينام ، فلما وصلنا البر وأردنا الانصراف جمعنا له شيئا من الدراهم فقال : ما هذا ؟ قلنا تستعين به على نفسك . فقال : دللتموني على طريق ما أراكم سلكتموها أنا كنت أعبد غيره فلم يضيعني أفيضيعني الآن بعد ما عرفته ، فلما كان بعد ثلاثة أيام قيل لي : إنه في النزع فجئت إليه وقلت له : هل من حاجة ؟ فقال : قضى حوائجي الذي أخرجني من الجزيرة ونمت عنده ، فرأيت جارية في روضة خضراء وهي تقول : عجلوا به في سلام فقد طال شوقي إليه ، فاستيقظت وقد مات فدفنته ونمت تلك الليلة فرأيته في المنام وعلى رأسه تاج وبين يديه الحور العين وهو يقرأ { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار } [ الرعد : 42 ] ( وقال صلى الله عليه وسلم : أدوا زكاة أبدانكم بقول لا إله إلا الله ) وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن قول لا إله إلا الله تدفع عن قائلها تسعة وتسعين بابا من البلاء أدناها الهم ) . وقال صلى الله عليه وسلم : ( من قال لا إله إلا الله خرج من فيه طائر أخضر له جناحان أبيضان مكللان بالدر والياقوت يصعد إلى السماء فيسمع له دوي تحت العرش كدوي النحل ، فيقال له اسكن فيقول لا حتى تغفر لصاحبي فيغفر لقائلها ، ثم يجعل بعد ذلك للطائر سبعون لسانا تستغفر لصاحبه إلى يوم القيامة ، فإذا كان يوم القيامة جاء ذلك الطائر يكون قائده ودليله إلى الجنة ) ( وقال صلى الله عليه وسلم : ما من عبد يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله إلا قال الله تعالى صدق عبدي أنا الله لا إله إلا أنا أشهدكم يا ملائكتي قد غفرت له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ) . أي من الصغائر ( وقال صلى الله عليه وسلم : من قال لا إله إلا الله خالصا ) أي من الرياء مثلا ( مخلصا ) أي من المنهيات ( دخل الجنة ) أي مع السابقين ، وأخرج الحكيم عن زيد بن الأرقم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قال لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة قيل : يا رسول الله وما إخلاصها ؟ قال : أن تحجزه عن المحارم ) ( وقال صلى الله عليه وسلم : من كان أول كلامه لا إله إلا الله وآخر كلامه لا إله إلا الله وعمل ألف سيئة ) أي ذنب صغير ( إن عاش ألف سنة لا يسأله الله عن ذنب واحد ) وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال لسيدنا زيد الأنصاري : فإن صعب لك شيء من أمور الدينا فأكثر من قول لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ( وقال صلى الله عليه وسلم : من قال لا إله إلا الله من غير عجب ) بفتح العين والجيم أي حال كون القائل من غير تعجب بما رآه أو سمعه ( طار بها ) أي بسبب ذكر هذه الكلمة المشرفة ( طائر تحت العرش يسبح مع المسبحين إلى يوم القيامة ويكتب له ) أي لقائلها ( ثوابه ) أي تسبيح ذلك الطائر ( وقال صلى الله عليه وسلم : من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله مرة غفر له ذنوبه ) أي الصغائر ( وإن كانت ) أي تلك الذنوب ( مثل زبد البحر ) بفتح الزاي والباء أي مائه أو ما يعلو وجهه من رغوة وعيدان ونحوهما ، والأول أولى لأن المراد كناية عن المبالغة في الكثرة كما قاله عطية الأجهوري ( وقال صلى الله عليه وسلم : إذا مر المؤمن على المقابر فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت . بيده الخير وهو على كل شيء قدير نور الله تلك القبور كلها وغفر لقائلها وكتب له ) أي للقائل ( ألف ألف حسنة ورفع له ألف ألف درجة وحط ) أي أسقط ( عنه ألف ألف سيئة ) أي من الصغائر وروى الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من دخل السوق فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير ، ورفع بها صوته كتب الله له ألف ألففحسنة ، ومحا عنه ألف ألف سيئة ، ورفع له ألف ألف درجة ) . |

صفحة ١١

1 ( الباب الثالث في فضيلة بسم الله الرحمن الرحيم ) 1

عن عطاء عن جابر بن عبد الله قال : لما نزل بسم الله الرحمن الرحيم هرب

صفحة ١٢

الغيم إلى المشرق ، وسكنت الرياح ، وهاج البحر ، وأصغت البهائم بآذانها ، ورجمت الشياطين من السماء ، وحلف الله عز وجل بعزته لا يسمى اسمه على سقم إلا شفاه ، ولا يسمى اسمه على شيء إلا بارك فيه ، ومن قرأ بسم الله الرحمن الرحيم دخل الجنة ، ذكره سيدي الشيخ عبد القادر الجيلاني . ( وقال صلى الله عليه وسلم : ما من عبد يقول بسم الله الرحمن الرحيم إلا ذاب الشيطان كما يذوب الرصاص ) بفتح الراء . ( على النار ) قال ابن مسعود شيطان المؤمن مهزول . وقال قيس بن الحجاج قال لي شيطاني دخلت فيك وأنا مثل الجزور ، وأنا الآن مثل العصفور قلت : ولم ذلك ؟ قال : تذيبني بذكر الله تعالى . ( وقال صلى الله عليه وسلم : ما من عبد يقول بسم الله الرحمن الرحيم إلا أمر الله تعالى الكرام ) أي على الله تعالى ( الكاتبين ) أي أعمال الناس ( أن يكتبوا في ديوانه ) أي صحائفه ( أربعمائة حسنة . وقال صلى الله عليه وسلم : من قال بسم الله الرحمن الرحيم مرة لم يبق من ذنوبه ) أي الصغائر ( ذرة ) وذكر أن بشرا الحافي رأى رقعة فيها بسم الله الرحمن الرحيم وكان معه ثلاثة دراهم فأخذ بها طيبا وطيبها ، فنودي في سره كما طيبت اسمنا لنطيبن اسمك ( وقال صلى الله عليه وسلم : من كتب بسم الله فجود تعظيما لله غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ) . وفي رواية للخطيب البغدادي وابن عساكر عن زيد بن ثابت إذا كتبت بسم الله الرحمن الرحيم فبين السين فيه ، أي إذا أردت كتابة ذلك فأظهر السين ووضح سننها إجلالا لاسم الله تعالى ( وقال صلى الله عليه وسلم إذا كتب أحدكم بسم الله الرحمن الرحيم ) أي إذا أراد أن يكتبها ( فليمد الرحمن ) أي حروفه بأن يمد اللام والميم ويجوف النون ويتأنق ، أي يحسن في ذلك رواه الخطيب والديلمي عن أنس بن مالك ( وقال صلى الله عليه وسلم إن الله سبحانه وتعالى زين السماء بالكواكب ) وهي الشمس والقمر والنجوم ( وزين الملائكة بجبريل ) فهو نقيب الملائكة ( وزين الجنة بالحور والقصور ، وزين الأنبياء بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وزين الأيام بيوم الجمعة ، وزين الليالي بليلة القدر ، وزين الشهور بشهر رمضان ، وزين المساجد بالكعبة ، وزين الكتب بالقرآن ، وزين القرآن ببسم الله الرحمن الرحيم ) هذه عشرة أشياء مزينة بعشرة أشياء ( وقال صلى الله عليه وسلم : من قال بسم الله الرحمن الرحيم كتب اسمه من الأبرار ) أي الصادقين ( وبرىء من الكفر والنفاق ) . وعن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : من أراد أن ينجيه الله من الزبانية التسعة عشر فليقل بسم الله الرحمن الرحيم ، فإنها تسعة عشر حرفا ليجعل الله تعالى كل حرف منها جنة من واحد منهم . ( وقال صلى الله عليه وسلم : من قال بسم الله الرحمن الرحيم غفر الله له ما تقدم من ذنبه ) والمراد الصغائر ( وقال صلى الله عليه وسلم : إذا قمتم ) أي من المجلس أي مجلس كان ( فقولوا بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم فإن الناس إذا اغتابوكم يمنعهم الملك عن ذلك . وقال صلى الله عليه وسلم : إذا جلستم مجلسا ) أي مجلس كان ( فقولوا بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم فإن من فعل ذلك وكل الله به ملكا يمنعهم من الغيبة حتى لا يغتابوكم ) وقد نظم بعض أهل العلم رضي الله عنه المسائل التي تسن التسمية فيها فقال : | وتسمية الرحمن جل جلاله | لنا شرعت فاحرص عليها وأوصل | كذي الأكل والشرب اللذين تجملا | وغسل بها حال الطهور لغاسل | وعند ركوب جاز في الشرع فعله | على البر أو في البحر ثم لداخل | إلى مسجد أو بيته وللبسه | ونزع وإغلاق لباب المنازل | وإطفاء مصباح ووطء حليلة | له وصعود منبر خير حامل | وتغميض ميت ثم في اللحد جعله | خروج من المرحاض ثم لداخل | وعند ابتداء للطواف بكعبة | لها شرف الرحمن تشريف عادل | وعند وضوء ثم عند تيمم | ونحر فواظب كالحبيب المواصل | وبعد صلاة الله ثم سلامه | على المصطفى المختار خير الأفاضل |

1 ( الباب الرابع في فضيلة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ) 1

قال بعض الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم : صلى الله عشرا لمن

صفحة ١٣

صلى عليك مرة واحدة هل ذلك لمن كان حاضر القلب ؟ قال : ( لا ، بل لكل مصل غافل ، ويعطيه الله أمثال الجبال ، والملائكة تدعو له وتستغفر له ، وأما إذا كان حاضر القلب وقت الصلاة علي ، فلا يعلم قدر ذلك إلا الله تعالى ( قال النبي صلى الله عليه وسلم : من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشرا ) رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن حبان عن أبي هريرة رضي الله عنه ، وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من صلى علي صلاة صلى الله عليه عشرا ) كذا ذكر النووي في الأذكار ، أي وكلما زاد زاده بتلك النسبة ( وقال النبي صلى الله عليه وسلم : من صلى علي ألف مرة لم يمت حتى يبشر له بالجنة ) وفي رواية : من صلى علي ألف مرة بشر بالجنة قبل موته . ( وقال صلى الله عليه وسلم : من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرا ، ومن صلى علي عشرا صلى الله عليه بها مائة ، ومن صلى علي مائة صلى الله عليه بها ألفا ، ومن صلى علي ألفا لم تمسه النار ) أي نار جهنم وفي رواية لم يعذبه الله بالنار ، وفي رواية الطبراني قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه عشرا ، ومن صلى علي عشرا صلى الله عليه مائة ، ومن صلى علي مائة كتب الله له براءة من النفاق وبراءة من النار ، وأسكنه يوم القيامة مع الشهداء ) ( وقال صلى الله عليه وسلم : من نسي الصلاة علي فقد أخطأ طريق الجنة ) أراد النبي صلى الله عليه وسلم بالنسيان الترك عمدا ، فإذا كان التارك يخطىء طريق الجنة كان المصلى عليه سالكا إلى الجنة فقد روي عن أبي هريرة أنه قال : الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم هي الطريق إلى الجنة كذا ذكر السملاوي . ( وقال صلى الله عليه وسلم : إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة ) أي أقربهم مني في القيامة ، وأحقهم بشفاعتي أكثرهم علي صلاة في الدنيا ، لأن كثرة الصلاة عليه تدل على صدق المحبة وكمال الوصلة ، فتكون منازلهم في الآخرة منه بحسب تفاوتهم في ذلك رواه البخاري والترمذي وابن حبان عن ابن مسعود بأسانيد صحيحة . ( وقال صلى الله عليه وسلم : صلاتكم علي محاقة ) أي إذهاب لذنوبكم كما يمحق الماء النار كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أمحى للذنوب من الماء لسواد اللوح ( وقال صلى الله عليه وسلم : من صلى علي في كل جمعة أربعين مرة محا الله ذنوبه كلها ) وعن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك قال : كنت واقفا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( من صلى علي في كل جمعة ثمانين مرة غفر الله تعالى له ذنوب ثمانين سنة ) ، قلت : يا رسول الله كيف الصلاة عليك ؟ قال صلى الله عليه وسلم : ( تقول اللهم صل على محمد عبدك ورسولك النبي الأمي وتعقد واحدة ) . ذكر ذلك سيدي الشيخ عبد القادر الجيلاني . ( وقال صلى الله عليه وسلم : ما من دعاء إلا بينه وبين السماء حجاب حتى يصلي علي ، فإذا صلى علي انخرق ذلك الحجاب ورفع الدعاء ) . | وفي لفظ عن علي قال : ما من دعاء إلا بينه وبين الله حجاب حتى يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ، فإذا صلى تخرق الحجاب فاستجيب ، وإن لم يصل عليه لم يستجب الدعاء رواه الحسن بن عرفة . ( وقال صلى الله عليه وسلم : من صلى علي في يوم مائة مرة قضى الله له مائة حاجة سبعين منها لآخرته وثلاثين منها لدنياه ) رواه ابن النجار عن جابر . ( وقال صلى الله عليه وسلم : من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه وملائكته عشرين مرة ولم يمت حتى يبشر بالجنة ) وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : ( من صلى على النبي صلى الله عليه وسلم واحدة صلى الله عليه وملائكته سبعين صلاة فليقل من ذلك أو ليكثر ) رواه الإمام أحمد بإسناد حسن موقوف . وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( جاءني جبريل عليه السلام وقال : يا رسول الله لا يصلي عليك أحد إلا ويصلي عليه سبعون ألفا من الملائكة ) . وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( من صلى علي صلت عليه الملائكة ، ومن صلت عليه الملائكة صلى الله عليه ، من صلى الله عليه لم يبق شيء في السموات ولا في الأرض إلا صلى عليه ) . قال بعض الصوفية : كان لي جار مسرف على نفسه لا يعرف يومه من أمسه من تعمقه في السكر ، وكنت أعظه فلم يقبل ، وأمرته بالتوبة فلم يفعل ، فلما مات رأيته في المنام وهو في أرفع مقام وعليه حلة خضراء من حلل الجنة لباس الإعزاز والإكرام فقلت له : بم نلت هذه المرتبة العظيمة ؟ قال : حضرت يوما مجلس الذكر ، فسمعت العالم يقول من صلى على النبي صلى الله عليه وسلم ورفع صوته وجبت له الجنة ، ثم رفع العالم صوته بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ورفعت صوتي ورفع القوم أصواتهم فغفر لنا جميعا في ذلك اليوم فكان نصيبي من المغفرة والرحمة أن جاد علي بهذه النعمة . |

1 ( الباب الخامس في فضيلة الإيمان ) 1

وهو في اللغة تصديق القلب المتضمن للعلم بالمصدق به ، وهو في الشريعة

صفحة ١٥

التصديق ، وهو العلم بالله وصفاته مع جميع الطاعات الواجبات منها والنوافل ، واجتناب الزلات والمعاصي ، ويجوز أن يقال : الإيمان هو الدين والشريعة والملة ، لأن الدين هو ما يدان به من الطاعات مع اجتناب المحظورات والمحرمات ، وذلك هو صفة الإيمان . وأما الإسلام فهو من جملة الإيمان ، وكل إيمان إسلام وليس كل إسلام إيمانا ، لأن الإسلام هو بمعنى الاستسلام والانقياد ، فكل مؤمن مستسلم منقاد لله تعالى ، وليس كل مسلم مؤمنا بالله ، لأنه قد يسلم مخافة السيف ، فالإيمان اسم يتناول مسميات كثيرة أقوالا وأفعالا ، فيعم جميع الطاعات ، والإسلام عبارة عن الشهادتين مع طمأنينة القلب والعبادات الخمس كذا قاله سيدي الشيخ عبد القادر الجيلاني : ( قال النبي صلى الله عليه وسلم : الإيمان معرفة ) وفي رواية لابن ماجه أيضا يدل ذلك عقد ( بالقلب وقول باللسان ) وهو النطق بالشهادتين كما قاله القسطلاني ( وعمل بالأركان ) والمراد أن الأعمال شرط في كمال الإيمان ، وأن الإقرار اللساني يعرب عن التصديق النفساني كذا قاله العزيزي نقلا عن ابن حجر رواه ابن ماجه والطبراني عن علي ، وهو حديث ضعيف . ( وقال صلى الله عليه وسلم : الإيمان عريان ولباسه التقوى ) وهي تنزيه القلب عن الذنوب ( وزينته الحياء ) أي من الله تعالى في إتيان نهيه ( وثمرته العلم ) أي من العمل ( وقال صلى الله عليه وسلم : لا إيمان لمن لا أمانة له ) أي فإن المؤمن من أمنه الخلق على أنفسهم وأموالهم ، فمن خان وجار فليس بمؤمن . | وأراد صلى الله عليه وسلم نفي الكمال لا الحقيقة رواه أحمد وابن حبان عن أنس . ( وقال صلى الله عليه وسلم : لا يؤمن أحدكم ) إيمانا كاملا ( حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) رواه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أنس قال إبراهيم الشبرخيتي : ووقع في رواية الإسماعيلي حتى يحب لأخيه المسلم ما يحبه لنفسه من الخير ، والظاهر أن التعبير بالأخ المسلم جرى على الغالب ، لأنه ينبغي لكل مسلم أن يحب للكافر الإسلام ، وما يتفرع عليه من الكمالات وقال النووي في شرح الأربعين وابن العماد : الأول أن يحمل ذلك على عموم الإخوة حتى يشمل الكافر والمسلم ، فيحب لأخيه الكافر ما يحب لنفسه من دخوله في الإسلام ، كما يحب لأخيه المسلم دوامه على الإسلام ، ولهذا كان الدعاء بالهداية للكافر مستحبا ( وقال صلى الله عليه وسلم : الإيمان في صدر المؤمن ، ولا يتم الإيمان إلا بتمام الفرائض والسنن ) أي بأدائهما تأمين ( ولا يفسد الإيمان إلا بجحود الفرائض والسنن ) أي بإنكارهما ( فمن نقص فريضة ) أي واحدة ( بغير جحود ) أي إنكار بفرضيتها ( عوقب عليها ) أي على ترك تلك الفريضة ، أما إذا ترك فريضة مع إنكار وجوبها فقد كفر ( ومن أتم الفرائض ) بأن أداها تامة ( وجبت له الجنة ) ثم إذا أتم السنن فقد زاد في مرتبته في الجنة والله أعلم . ( وقال صلى الله عليه وسلم : الإيمان لا يزيد ولا ينقص ولكن له حد ، أي تعريف بذكر أفراد فروع الإيمان ، فإن نقص في حده ) أي فإن نقص الإيمان فالنقص في حده لا في نفس الإيمان ( وأصله ) أي أصل حد الإيمان ( شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله ) والشهادة إخبار الشخص بحق على غيره بلفظ خاص . وأركانها خمسة : شاهد ومشهود له ومشهود عليه ومشهود به ، وصيغة ، فالشاهد هو المسلم ، والمشهود له هو الله سبحانه وتعالى وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، والمشهود عليه هو المشرك بالله والمنكر لرسالة سيدنا محمد ، والمشهود به ثبوت الألوهية والوحدانية لله سبحانه وتعالى ، وثبوت الرسالة لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، والصيغة هي لفظ أشهد أو ترجمته لا غير . ( وإقام الصلاة ) أي الإتيان بها بأركانها وشروطها ( وإيتاء الزكاة ) أي إعطاؤها إلى أهلها بإخراج جزء من المال على وجه مخصوص ( وصوم رمضان ) أي إمساك طاهر من الحيض والنفاس عن شهوة الفم والفرج ، وما يقوم مقامهما كالأنف واللمس المؤدي للفطر في جميع نهار رمضان بنية قبل الفجر ( والحج ) لقوله صلى الله عليه وسلم : ( من لم تحبسه حاجة ، أي من مرض وظالم ، ولم يحج وله جمع ، أي مال ، فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا ) ( وغسل الجنابة فمن زاد في حده ) أي الإيمان ( زادت حسناته ومن نقص فيه ففيه ) أي من نقص في حد الإيمان ، فالنقص في حده قال السيوطي في النقابة : والمؤمن الكامل في إيمانه من كملت فيه شعب الإيمان ، ومن نقصت واحدة منها نقص في إيمانه بحسبها ، وقد أجمع السلف على أن الإيمان يزيد وينقص ، وزيادته بالطاعات ونقصانه بالمعاصي ، وشعب الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون ، كما رواه الشيخان . أو ست وسبعون أو سبع وسبعون كما في الحديث الذي رواه أبو عوانة ، أو أربع وستون كما رواه الترمذي . وقال سيدي الشيخ عبد القادر الجيلاني : ونعتقد أن الإيمان قول باللسان ، ومعرفة بالجنان ، وعمل بالأركان يزيد بالطاعة ، وينقص بالعصيان ، ويقوى بالعلم ويضعف بالجهل ، وبالتوفيق يقع كما روي عن ابن عباس وأبي هريرة وأبي الدرداء أنهم قالوا : الإيمان يزيد وينقص ، وزيادة الإيمان إنما تكون بعد التحقق بأداء الأوامر وانتهاء النواهي ، وبالتسليم في القدر وترك الاعتراض على الله عز وجل في فعله في جميع خلقه ، وترك الشك في وعده في الرزق وبالتوكل عليه والخروج من الحول والقوة والصبر على البلاء والشكر على النعماء والتنزيه للحق ، وترك التهمة له في سائر الأحوال ، وأما بمجرد الصلاة والصيام ، فلا يزيد الإيمان انتهى . | وقال الغزالي والعمل ليس من أجزاء الإيمان وأركان وجوده ، بل هو مزيد عليه يزيد به ، والزائد موجود والناقص موجود والشيء لا يزيد بذاته ، فلا يجوز أن يقال الإنسان يزيد برأسه ، بل يقال : يزيد بلحيته وسمنه ، ولا يجوز أن يقال الصلاة تزيد بالركوع والسجود ، بل تزيد بالآداب والسنن ، فهذا تصريح بأن الإيمان له وجود ، ثم بعد الوجود يختلف حاله بالزيادة والنقصان ( وقال صلى الله عليه وسلم : الإيمان نصفان فنصف في الصبر ) أي عن المحارم ( ونصف في الشكر ) أي العمل بالطاعات رواه البيهقي عن أنس . ( وقال صلى الله عليه وسلم الإيمان قيد الفتك لا يفتك مؤمن ) رواه البخاري وأبو داود والحاكم عن أبي هريرة ، والإمام أحمد عن الزبير وعن معاوية أي الإيمان يمنع من الفتك الذي هو القتل بعد الأمان غدرا . قوله لا يفتك مؤمن خبر بمعنى النهي ، أي لا يفتك كامل الإيمان والفتك أن يأتي الرجل صاحبه ، وهو غافل فيشد عليه فيقتله وأما الغيلة فهو أن يخدعه ثم يقتله في موضع خفي ( وقال صلى الله عليه وسلم : خلق الله الإيمان وحقه ) أي زينه ( ومدحه بالسماحة والحياء وخلق الله الكفر وذمه بالبخل والجفاء ) أي العقوق ( وقال صلى الله عليه وسلم : إذا دخل أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار ، أمر الله تعالى بأن يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان ) أي زيادة على أصل التوحيد كما قاله القسطلاني . وفي حديث البخاري عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يدخل أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار ، ثم يقول الله تعالى أي للملائكة أخرجوا ، أي من النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ، أي زيادة على أصل التوحيد ، فيخرجون منها قد اسودوا ، فيلقون في نهر الحيا بالقصر أي المطر أو الحياة بالمثناة آخره ، وهو النهر الذي من غمس فيه حيي ، فينبتون كما تنبت الحبة بكسر الحاء ، أي البقلة الحمقاء في جانب السيل ) . |

1 ( الباب السادس في فضيلة الوضوء ) 1

روي عن الضحاك عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى

صفحة ١٧

الله عليه وسلم : ( ما من عبد ولا امرأة توضأ فأحسن الوضوء ، ثم قرأ بعده إنا أنزلناه في ليلة القدر إلى آخرها إلا أعطاه الله تعالى بكل حرف منها مائة درجة ، وخلق الله تعالى من كل قطرة قطرت من وضوئه ملكا يستغفر له إلى يوم القيامة ، كذا في رياض الصالحين ) ( قال النبي صلى الله عليه وسلم : من توضأ للصلاة فأحسن الوضوء ) بأن راعى شروطه وفروضه وآدابه . ( ثم قام إلى الصلاة فإنه يخرج من خطيئته كيوم ولدته أمه ) أي فإنه لم يبق منه شيء من ذنوبه الصغيرة ، كأنه في يوم خروجه من بطن أمه قوله : كيوم مبني على الفتح لإضافته إلى فعل مبني ( وقال النبي صلى الله عليه وسلم : من توضأ للصلاة وصلى كفر الله ذنوبه ) والمراد الصغائر ( ما بينه وبين الصلاة الأخرى التي تليها وقال صلى الله عليه وسلم : من نام على وضوء فأدركه الموت في تلك الليلة فهو عند الله شهيد ) وفي الإحياء قال صلى الله عليه وسلم : ( إذا نام العبد على طهارة عرج بروحه إلى العرش فكانت رؤياه صادقة ، وإن لم ينم على طهارة قصرت روحه عن البلوغ ، فتلك المنامات أضغاث أحلام لا تصدق ) ( وقال صلى الله عليه وسلم : النائم الطاهر كالصائم القائم ) أي المصلي في الليل ، أي في حصول الأجر ، وإن اختلف المقدار رواه الحكيم الترمذي عن عمر بن حريث . وإسناده ضعيف كذا في السراج المنير ( وقال صلى الله عليه وسلم : من توضأ على طهر ) أي جدد وضوءه ، وهو على طهر الوضوء الذي صلى به فرضا أو نفلا ، فإن لم يصل بالوضوء الأول صلاة ما ، فلا يستحب تجديد الوضوء ( كتب له ) بالبناء للمفعول ( عشر حسنات ) أي بالوضوء المجدد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه عن ابن عمر قال الترمذي : إسناده ضعيف قوله كتب له عشر حسنات : قال بعضهم : يشبه أن يكون المراد كتب الله به عشر وضوءات ، فإن أقل ما وعد به الله من الأضعاف الحسنة بعشرة أمثالها ، وقد وعد الله بالواحد سبعمائة ووعد ثوابا بغير حساب ، وقد يؤخذ من قوله توضأ أن الغسل لا تجديد فيه كالتيمم وهو الأصح ( وقال صلى الله عليه وسلم : لا صلاة ) صحيحة ( لمن لا وضوء له ولا وضوء ) كاملا ( لمن لم يذكر اسم الله عليه ) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم عن أبي هريرة وابن ماجه عن سعيد بن زيد . ( وقال صلى الله عليه وسلم : الوضوء شطر الإيمان ) رواه ابن أبي شيبة عن حسان بن عطية ، وفي رواية لغيره الطهور بضم الطاء شطر الإيمان ، أي وذلك لأن الإيمان يطهر نجاسة الباطن والوضوء يطهر نجاسة الظاهر ( وقال صلى الله عليه وسلم : صبغة الوضوء ) بكسر الصاد وسكون الموحدة ثم الغين أي أصل الوضوء ( مرة ) أي واحدة في كل عضو ( فمن توضأ مرتين كان له كفلان ) بكسر الكاف أي ضعفان ( من الأجر ومن توضأ ثلاثا فهو ) أي الوضوء المكرر ثلاثا ( وضوء الأنبياء من قبلي ) وفي الأحياء : وتوضأ صلى الله عليه وسلم مرة مرة وقال : ( هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به ، وتوضأ مرتين مرتين وقال : من توضأ مرتين مرتين آتاه الله أجره مرتين وتوضأ ثلاثا ثلاثا وقال : هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي ، ووضوء خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام ) ( وقال صلى الله عليه وسلم : لا يقبل الله صلاة أحدكم ) والمراد بالقبول هنا ما يرادف الصحة ، وهو الإجزاء وحقيقة القبول ثمرة وقوع الطاعة مجزئة رافعة لما في الذمة ، ولما كان الإتيان بشروطها مظنة الإجزاء الذي القبول ثمرته عبر عنه بالقبول مجازا ، وأما القبول المنفي في مثل قوله صلى الله عليه وسلم : من أتى عرافا لم تقبل له صلاة ، فهي الحقيقي لأنه قد يصح العمل ، ويختلف القبول لمانع كذا في السراج المنير ، وفي لفظ لا تصح صلاة أحدكم ( إذا أحدث حتى يتوضأ ) أي بالماء أو ما يقوم مقامه رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي ، وابن ماجه عن أبي هريرة ( وقال صلى الله عليه وسلم : الوضوء على الوضوء نور على نور ) أي تجديد الوضوء حسنة على حسنة قال ابن حجر : هو مسند رزين رحمه الله ، ولم يطلع عليه المنذري كذا في البدر المنير للشيخ عبد الوهاب بن أحمد الأنصاري . وفي الأحياء قال صلى الله عليه وسلم : ( من توضأ فأحسن الوضوء وصلى ركعتين لم يحدث نفسه فيهما بشيء من الدنيا ، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ) ، وفي لفظ آخر : ( ولم يسفه فيهما غفر له ما تقدم من ذنبه ) . |

1 ( الباب السابع في فضيلة السواك ) 1

أي الخلال روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه

صفحة ١٨