تلخيص كتاب الاستغاثة

ج 1

صفحة ١

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا مما وجد في مجموع مخطوط فيه مسائل شتى لشيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية ومنه فصل في ذكر البكري الذي رد على شيخ الإسلام في مسألة الاستغاثة أثبتنا هنا ما عثرنا عليه بحروفه وبالله التوفيق وهذا نصه $ فصل في ذكر البكري

صفحة ٤٩

قال الشيخ عماد الدين بن كثير في تاريخه اسمه على بن يعقوب بن جبريل البكري الشافعي المصري توفي يوم الاثنين سابع ربيع الآخر ودفن بالقرافة وقد هم السلطان بقتله مرارا فتشفع فيه الأمراء وكان يقال له نور الدين أبا الحسن

له رد على الشيخ تقي الدين بن تيمية في مسألة الاستغاثة بالمخلوقين أضحك فيها على نفسه العقلاء وشمت به فيها الأعداء لأن مثله مثل ساقية صغيرة كدرة الماء لاطمت بحرا عظيما صافي الماء قد ملئ درا وجوهرا وحكمة وعلما أو كرملة صغيرة أرادت زوال جبل شامخ عن محله حطما فكان كما قال عنه شيخ الإسلام إبن تيمية إن كلامه لا يتكلم به أحد من أهل العلم والإيمان وإنما يتكلم به أعور بين عميان يروج عليهم بسبب ضلالهم وإضلالهم ما يقوله من الهذيان

وكان شيخه شمس الدين الجزري قد رد عليه فيما دخل فيه في هذا المسألة من التكفير و أعظم عليه في ذلك النكير و بين أن هذا الكلام الذي صدر منه لا يقوله أحد ممن يعرف بالعلم و الإيمان و إنما يقوله جاهل في غاية الجهل أو صبي مع الصبيان و أخذ شيخه يندب على مصر و ينوح إذ كان مثل هذا الكلام يظهر به فيها شخص و يبوح

صفحة ٥٠

قال ابن تيمية رأيت أن مثل هذا لا يخاطب خطاب العلماء و إنما يستحق التأديب البليغ و النكال الوجيع الذي يليق بمثله من السفهاء إذا سلم من التكفير فإنه لجهله ليس له خبرة بالأدلة الشرعية التي تتلقى منها الأحكام ولا خبرة بأقوال أهل العلم الذين هم أئمة أهل الإسلام بل يريد أن يتكلم بنوع مشاركة في فقه و أصول و تصوف و مسائل كبار بلا معرفة و لا تعرف و الله أعلم بسريرته هل هو طالب رياسة بالباطل أو ضال يشبه الحالي بالعاطل أو اجتمع فيه الأمران وما هو من الظالمين ببعيد

قال و كلامه في الاستغاثة بغير الله أتى فيه من الجهالات بالعجب العجاب

قال فمجموع ما قاله ما علمت أنه سبقه إليه أحد من المسلمين و مع هذا إنه لم يجترئ على أن يكتب فيها شيئا حتى نظر جوابي في الاستفتاء الذي كتبته و أرسل به إلي فاستعان به على ما قاله و أعاره بعض الأمراء كما أخبرني كتابي الذي كنت صنفته من مدة و سميته الصارم المسلول على شاتم الرسول فإني ذكرت فيه ما يجب على من سب الرسول صلى الله عليه وسلم من العقوبات الشرعية و ذكرت فيه من أصول هذه المسألة و فروعها و الدلائل الشرعية عليها و كلام أئمة الإسلام فيه ما يعرفه من وقف عليه فأخذ هذا الكلام مما ذكرته في ذلك و جعلته صيانة لعرض الرسول صلى الله عليه وسلم من أهل النفاق و الاعتداء ما استعمله هذا الجاهل الظالم في حق أهل العلم و الاهتداء

صفحة ٥١

إلى أن قال شيخ الإسلام ثم إن الأصحاب تقاضوني تعليقا على كلام هذا الظالم الجاهل لئلا يضل بكلامه بعض الطغام حتى قال لي بعضهم إن الكلام على هذه المسألة من أفضل الكلام إذ فيها بيان التوحيد و نفي الشرك عن الصمد المجيد فإن أول ما نشأ الشرك و عبادة غير الله من القبور

وقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي الهياج الأسدي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال له ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته

فأمره بمحو الشرك و أصله الذي ينشأ منه

و المقصود أن الشيخ رد على البكري و نقض قوله نقضا أجاد فيه و أفاد و بين ما فيه من حق و باطل في مجلدة كبيرة أبطل فيها أنواع الشرك الاعتقادي و العملي و ما يتفرع منهما بالأدلة و البراهين القاطعة المقبولة التي تسر قلوب أهل السنة و تقر أعينهم عند سماعها و تسود وجوه أهل الأهواء و البدع و يرهقها قتر و ذلة فرحم الله من قبل الحق و نصره و رد الباطل و خذله و أهله

صفحة ٥٢

و مما استدل به البكري الحديث الذي يروي أن آدم عليه السلام لما أكل من الشجرة و جرى ما جرى استشفع بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى الله يا آدم كيف عرفت محمدا ولم أخلقه بعد قال له لما نفخت في الروح رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش لا إله إلا الله محمد رسول الله فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق عليك فقال صدقت يا آدم إنه لأحب خلقي إلي وإذ سألتني به فقد غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك وهو آخر الأنبياء من ذريتك

صفحة ٥٤

ذكره في رده مع نظائره من هذا الجنس الذي لا يستجيز الصبيان ذكره فضلا عن الجهال فضلا عمن شم للعلم شمة أو نشق له رائحة

صفحة ٥٥

قال وقد رواه بصيغ مختلفة من المفسرين والمحدثين من لا أحصيهم كثرة ولم يروه من المرويات المنكرة

قال وقد جاء أن نوحا وإدريس وأيوب وموسى وجماعة من الأنبياء توسلوا به

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في نقضه كلامه وحله إبرامه

فيقال أولا هذا الحديث وأمثاله لا يحتج به في إثبات حكم شرعي لم يسبقه أحد من الأئمة إليه وإثبات عبادة لم يقلها أحد من الصحابة ولا التابعين وتابعيهم إلا من هو أجهل الناس بطرق الأحكام الشرعية وأضلهم في المسالك الدينية

صفحة ٥٦

فإن هذا الحديث لم ينقله أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم لا بإسناد حسن ولا صحيح بل ولا ضعيف يستأنس به ويعتضد به وإنما نقل هذا وأمثاله كما تنقل الإسرائيليات التي كانت في أهل الكتاب وتنقل عن مثل كعب ووهب وابن إسحاق ونحوهم ممن أخذ ذلك عن مسلمة أهل الكتاب أو غير مسلمتهم أو عن كتبهم كما روى أن عبد الله بن عمرو وقعت له صحف يوم اليرموك من الإسرائيليات فكان يحدث منها بأشياء

صفحة ٥٧

ويكفيك أن هذا الحديث ليس في شئ من دواوين الحديث التي يعتمد عليها لا في الصحاح كالبخاري ومسلم وصحيح أبن خزيمة وأبي حاتم بن حبان وابن منده والحاكم ولا في المستخرجة على الصحيح لأبي عوانة وأبي نعيم ومستخرج البرقاني والإسماعيلي ولا في السنن ك سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه ولا في الجوامع ك جامع الترمذي وغيره ولا في المسانيد ك مسند أحمد ونحوه ولا في المصنفات ك موطأ مالك ومصنف عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شية ووكيع ومسلمة ولا في كتب التفسير المروية بالأسانيد التي يميز فيها بين المقبول والمردود ك تفسير عبد الرزاق وعبد بن حميد وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم وعبد الرحمن بن إبراهيم دحيم وابن أبي شيبة وبقي بن مخلد ونحوهم وتفسير ابن أبي حاتم وابن داود ومحمد بن جرير وأبي بكر بن المنذر وابن مردويه

وقد جمع غير واحد من الحفاظ قصة آدم ومن أجمعهم أبو القاسم ابن عساكر في تاريخه الكبير فإنه روى عامة ما رواه الناس ولم يذكر هذا وإنما ذكر هذا وأمثاله من يجمع الموضوعات الكثيرة والأكاذيب العظيمة مثل مصنف كتاب وسيلة المتعبدين الذي صنفه الشيخ عمر الموصلي ومثل تنقلات الأنوار للبكري الذي فيه من الكذب والأكاذيب مما لا يخفى على فطن لبيب ومثل القاضي عياض بن موسى البستي مع علمه وفضله ودينه أنكر العلماء عليه كثيرا مما ذكره في شفائه من الأحاديث والتفاسير التي يعلمون أنها من الموضوعات والمناكير مع أنه قد أحسن فيه وأجاد بما فيه من تعريف حقوق خير العباد وفيه من الأحاديث الصحيحة والحسان ما يفرح به كل من عنده إيمان

صفحة ٥٨