تفسير سورة النور
مناطق
موريتانيا
سلسلة تفسير سورة النور [١]
إن دين الإسلام أقوم الأديان، وشريعته هي أوسط الشرائع، فقد جاء هذا الدين باليسر والتبشير، والله ﷿ بحكمته وعلمه جعل في هذا الدين حدودًا تصون المجتمع، حتى لا يتعدى حماه.
وبحفظ الحدود تحفظ الأعراض والأموال، وإن من العقوبات والحدود التي أقرت حفظًا للأعراض حد الزنا، لما لانتشار هذه الفاحشة من هتك للأعراض واختلاط للأنساب، لذا فقد رتب الله لهذه الجريمة حدًا يتناسب مع عظمها وخطورتها.
1 / 1
علم القرآن هو أفضل العلوم وأشرفها
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [القرقان:١] .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء:٣٠]، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله الذي اصطفاه واجتباه فجعله بشيرًا ونذيرًا، ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٦]، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: الحمد لله الذي جمعنا في هذا المكان الطيب المبارك، والحمد لله الذي جمعنا في بيت من بيوته على أشرف كلام وأكمل نظام، جعله الله ﷿ نورًا وطريقًا إلى رحمته ودار السلام، الحمد لله الذي جمعنا على القرآن، وألف بين قلوبنا بالقرآن، وهدانا إلى رحمته بالقرآن، فليس هناك مكان أشرف عند الله ﷿ من مكان تتلى فيه آيات الله، ولا زمان أفضل من زمان يقضى في بيان كتاب الله.
لذلك فإن العناية بكتاب الله ﷿ ومذاكرته وتفهُّم معانيه وترسُّم هديه، نعمة من الله ﵎.
ولذلك اصطلح العلماء ﵏ على تسمية هذا العلم بعلم التفسير، وإن عمَّموه قالوا: علم القرآن، وأرادوا بذلك العناية بكتاب الله ﷿ بمعرفة حدوده، والوقوف عند آياته وعظاته.
ومن ثم كان أشرف العلوم وأزكاها وأعلاها: علم تفسير كتاب الله بمعرفة حلاله وحرامه، ووعده ووعيده، وبشارته ونذارته، والوقوف على أحكامه، وتبين مسائله وشرائعه، فالعناية بذلك كله توفيقٌ من الله ﵎، ومنحةٌ وعطيةٌ من الله ﷾.
إن كتاب الله هو حبله المتين، وصراطه المبين، وحجته على الجاحدين، ومحجته المفضية إلى رضوانه المبين، إنه كتاب الله الذي تنشرح به الصدور، وتستنير به القلوب، فكم أدمع لله عيونًا، وكم أسهر من خشية الله ﷿ جفونًا، وكم أخشع لله قلوبًا، وكم أقام بين يدي الله أقدامًا، وكم أصبح من أجله العبادُ صيامًا، إنه كلام الله الذي هو حبل الله المتين، وعروته الوثقى، بيَّن الله ﷿ فيه الحلال والحرام، وجعله السبيل الوحيد إلى دار الكرامة والسلام، إنه كتاب الله الذي لا تنتهي عجائبه، ولا تنقضي غرائبه، من ارتوى منه فقد ارتوى من المعين الصافي، ومن ارتوى من ذلك المعين فلا يضل ولا يشقى.
قال بعض السلف: ضَمِن الله ﷿ لمن قرأ كتابه، فأحل حلاله وحرم حرامه؛ أن لا يضل ولا يشقى، قال الله ﷿: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ [طه:١٢٣] .
1 / 2
حال السلف مع القرآن
هذا الكتاب هو الذي بيننا وبين الله، من أحب هذا الكتاب واطمأن لآياته وعمل بعظاته، ووقف عند حدوده، بلَّغه الله ﷿ سعادة الدارين، وأصاب الفوز في الدارين، ولذلك لما علم السلف الصالح رحمة الله عليهم حقيقةَ العلم، استعصموا بهذا الكتاب بعد الله، واستمسكوا به، فكانوا به رهبان الليل، وفرسان النهار، ظمئوا من أجله بالهواجر، وقطعوا به الليل تسبيحًا وقرآنًا.
فإذا أراد الله بالعبد السعادة، وأراد أن يبلِّغه مرتبة الولاية: شرح صدره للقرآن، ونور قلبه بالقرآن، وجعله محبًا للقرآن، محبًا لتلاوته، محبًا لمعرفة أحكامه وحدوده، محبًا للعمل بما علم من ذلك القرآن، وقد أشار النبي ﵌ إلى هذا الفضل العظيم والمقام الكريم، فقال عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) فشهد ﵊ بأن خير العباد مَن تعلم كتاب الله، وعمل بما علم منه، وكذلك علمه للغير.
وكان الصحابة رضوان الله عليهم على وعي كامل بهذه الحقيقة؛ فكان الرجل منهم يترسم كتاب الله ﷿ في ليله ونهاره في غيبته ومشهده؛ ففي غيبته عن الأنظار -خاليًا وحيدًا- يتلو كتاب الله بقلب يتدبره، وعين تخشع لآياته وتدمع من عظاته، وكذلك في المشهد على ملأٍ من الناس يفجر حكمه وأسراره، ويبيِّن أحكامه وأخباره؛ فلما كانت هذه أحوالهم رفع الله ﷿ شأنهم، وقذف في قلوب العباد محبتهم؛ فكانوا أهل القرآن، وكانت حياتهم مع القرآن ليلهم مع القرآن نهارهم مع القرآن، وأبت نفوسهم الأبية أن تخلِّف هذا الكتاب وراء الظهور حتى لقنوه صغارهم، وأدبوا عليه أطفالهم؛ فنشأ الصغير محبًا لكتاب الله، وترعرع الطفل على محبة كلام الله؛ فأصبحت قلوبهم معلقةً بهذا الكتاب، وأصبحت مساجدهم تعج بأصواتهم تلاوةً للقرآن وتفسيرًا.
وكل ذلك يدلنا على منزلة كلام الله عند عباد الله الأخيار، وصفوته الأبرار من سلف هذه الأمة الصالح.
ومن هنا نقول: لا صلاح للخلف إلا بترسم منهج السلف، كما قال الإمام أبو عبد الله مالك بن أنس ﵀: (لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها) .
1 / 3
هجر القرآن سبب الهوان على الله
فلما تنكب العباد عن هذا الهدي القويم، وحادوا عن هذا الصراط المستقيم، وأصبح كتاب الله مهجورًا، وتلاوته غرورًا، وأصبح الإنسان لا يعرف القرآن إلا بلسانه، أما العمل والتطبيق والتحقيق للغاية منه، والسير على هذا المنهج -منهج النبي والصحابة- فغائب عن واقع حياتنا.
ولما أصبحنا بهذه المثابة وتنكبنا عن صراط الله، وذهبت حلاوة القرآن من القلوب، وأصبح كثير من الناس لا يجد لكلام الله أثرًا، ولا يجد له لذة وعظةً في قلبه وفؤاده؛ صرنا إلى ما نحن فيه الآن.
من هنا علمنا أن الداء كل الداء، والبلاء كل البلاء في إعراضنا عن كتاب الله، وصدق الله ﷿ إذ يقول في محكم كتابه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٤-١٢٦] .
إن أحَبُّ المجالس إلى الله مجلس يُعْمَر بكلام الله، وأطيب الحديث حديثٌ يذكَّر فيه بكلام الله.
ومن هنا أحببنا أن يكون هذا المجلس في تفسير كلام الله ﷿، وفي بيان ما اشتمل عليه هذا الكلام من نَظْم بديع، ومعنى رفيع، يهدي إلى صراط الله ﷿ المستقيم، وسبيله القويم.
أحببنا أن نتشرف بالتأسي بالسلف الصالح، فنُبَيِّنُ -ويُبَيَّنُ لنا- ما في هذا الكتاب من عظات، علها أن تكون سببًا لنا في القُرْب من رب الأرض والسماوات.
ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعل هذا المجلس خالصًا لوجهه، نافعًا يوم لقائه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وأن يوفقنا فيه لصلاح القول والعمل.
1 / 4
تفسير سورة النور
قد كنتُ أحب أن أبتدئ مباشرة بتفسير هذه السورة التي اخترناها -أعني: سورة النور- ولكني نظرت إلى الجمع وعلمت أن الكثير يحتاج إلى شيءٍ نمهد به لبيان هذه السورة، وبيان مكانتها ومنزلتها، بعد أن نبين فضل القرآن وفضل العناية به؛ فلذلك أحببت أن أقدم بهذه المقدمة، وقد كان من المقرر أن نتكلم على بعض الأمور المهمة التي ينبغي لكل طالب علم أن يعتني بها في تفسير كتاب الله ﷿؛ ولكني نظرتُ إلى الجمع ووجدت أن بيننا أناسًا لهم حق علينا، وأن ذكر هذه المسائل قد يشوش عليهم، فآثرت أن يكون الكلام على قواعد التفسير ومسائله وضوابطه عند العلماء ﵏ هو خاتمة سورة النور إن شاء الله تعالى.
وبعد أن ننتهي من تفسيرها بإذن الله ﷿، سنتكلم بإسهاب في قواعد التفسير وضوابطه عند سلف الأمة وخلفها رحمة الله على الجميع.
ونسأل الله ﷿ أن يمن علينا جميعًا بالتوفيق والسداد.
وإنما قدمت بهذه المقدمة لما رأيت معنا الكثير من العوام، والذين يحتاجون إلى أن يُذكَّروا بهذه الذكرى، وإلا كان من المقرر أن نبدأ مباشرة في التفسير.
وأنبه هنا على أمر: وهو أني كنت أحب أن يكون التفسير بذكر القراءات، وأوجه اللغات، والبسط في الأحكام والمسائل الفقهية، ولكني أخشى أيضًا التشويش على العامة.
ومن هنا إن شاء الله سيكون تفسيرنا بإذن الله وسطًا لطلاب العلم بحيث يكون كالبداية لطالب العلم؛ لأننا لا نحب أن يكون فيه تشويش على العامة، كما ورد في الأثر: (حدثوا الناس بما يعلمون) .
فإن شاء الله سيكون في هذا القدر حظ لطالب العلم، وللعامي حتى تكون الفائدة للجميع.
وسنبدأ إن شاء الله بسورة النور، وسيكون منهجنا بإذن الله ﷿ التركيز أكثر ما يكون على بيان العقيدة والأحكام الشرعية وما يتبع ذلك من الآداب.
1 / 5
تسمية سورة النور بهذا الاسم
سورة النور، هذه السورة العظيمة سميت بالنور لقول الله ﵎ فيها: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور:٣٥]، وهذه التسمية لهذه السورة الكريمة إنما هي من باب تسمية الشيء بما ورد فيه، فتسمية سور القرآن بما ورد فيها من الحوادث، أو بما ورد فيها من الأحكام المهمة؛ وهو منهج موجود في كتاب الله ﷿ وسنة النبي ﷺ؛ ولذلك سميت بهذا الاسم لشرف الآية المذكورة، قال العلماء: إن تسمية السور بما ورد فيها يعتبر من باب الدلالة على ذلك الجزء المسمى به، سواء كان حكمًا، أو كان قصةً، أو كان خبرًا.
وهذه السورة مدنية بالإجماع، نزلت على النبي ﷺ في المدينة، والسور المدنية التي تمتاز ببيان الشرائع والأحكام.
1 / 6
خصوصية سورة النور في استفتاحها
استفتح الله ﵎ هذه السورة بتنبيه العباد إلى فضلها، وعلو مكانها ومنزلتها.
فقال جل من قائل بعد أَعُوْذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحْمَنِ الْرَّحَيْمِ ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور:١] قد كان من عادة القرآن أن تُسْتَفتح السور فيه بمقاصده، ويذكر الله ﷿ فيها ما يذكره، ولكن هذه السورة خاصة استفتحها الله ﷿ بتنبيه العباد على عظيم شأنها، ولذلك اعتُبر من خصائص سورة النور أن الله ﷿ استفتحها ببيان فضلها، فهذه منزلة لسورة النور لم تشاركها فيها غيرها من سور القرآن.
1 / 7
مجمل الموضوعات التي تناولتها سورة النور
1 / 8
التحذير من اتباع خطوات الشيطان
ثم انتقلت الآيات إلى بيان أسباب الشرور والفتن والمحن كلها، وذلك في آيةٍ مشتملةٍ على وصية من الله، يقول الله ﷿ فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النور:٢١]، فرَدَّ الأمور إلى أسبابها، وأقامها في نصابها، وبيَّن أنها بسبب تتبع الشيطان، وأن الإنسان لا يُبْلى بفاحشة ولا منكر إلى من طريقه.
1 / 9
بيان عظمة الله بذكر آياته في الكون
ثم مضت السورة إلى ما يتبع ذلك من بيان عظمة الله ﵎ وجلاله، فتحدثت عن آيات الله في الكون، فذكَّرت بآياته على الأرض، وذكرت بآياته في السماء، وذكَّرت بآياته بين السماء والأرض، حتى ذكّرت بالطير صافات، تسبح بحمد ربها، وتذكر خالقها، فحركت هذه الآيات من المؤمن أحاسيسه ووجدانه في طاعة الله ﷿ وذكره.
1 / 10