* بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة الطبعة الثانية

* تأملات في المنهج البياني للقرآن

كيف يمكن لنا أن نفهم القرآن؟ وهل ثمة أسلوب خاص بالقرآن يميزه ، بحيث لا يمكن مقاربته بدون استيعابه؟

وهل القرآن كتاب مستغلق اللغة والمفاهيم بحيث يحتاج إلى أهل خبرة واختصاص لجلاء معانيه وسبر أغواره؟ أم هو كتاب موضوع للناس كافة ، بحيث يمكن لكل إنسان أن يقاربه وفق قدراته وإمكاناته الثقافية ، فيرى فيه العامة مآربهم والعلماء تطلعاتهم؟

ومن ثم ما هي قصة المحكم والمتشابه ، والظاهر والباطن ، وغيرها من المصطلحات ذات الارتباط الوثيق بمقاربة القرآن قراءة وتفسيرا؟

وكيف ينطلق القرآن في حديثه عن أشخاص معينين؟

هل هو بمعنى التعيين الذي يتجمد عندهم ، أم هو بمعنى النموذج الأمثل الذي يتمثل فيه المفهوم العام الذي يريد تأكيده في الخط من خلال النموذج؟

صفحة ٥

هذه أسئلة توقف عندها الكثيرون في حركة التفسير ، وأثاروا الكثير من الجدل حولها ، حتى خيل للبعض أن القرآن كتاب رمزي لا يعلمه إلا الفئة التي جعل الله لها الميزة في فهم وحيه ، فأنكروا حجية ظواهره إلا بالرجوع إلى أئمة أهل البيت عليهم السلام ، وانطلق البعض ليتحدث عن تعدد المعاني للكلمة الواحدة بطريقة عرضية أو طولية ، واستفاد آخرون من الروايات أن القرآن ، في مجمل آياته ، حديث عن أهل البيت بطريقة إيجابية ، وعن أعدائهم بطريقة سلبية ، ليبقى للأحكام وللقضايا العامة وللقصص المتنوعة مقدار معين ...

وهكذا كان التصور العام للقرآن خاضعا للأجواء الخاصة التي تعبد به عن أن يكون الكتاب المبين الذي أنزله الله على الناس ليكون حجة عليهم ، من خلال آياته الواضحة التي تمنحهم الوعي الفكري والروحي والشرعي ، على أساس ما يفهمونه منها ، بحسب القواعد التي تركز الطريقة العامة للفهم العام.

من هنا ، فمن الضروري جلاء هذه المسألة المهمة في الفكر الإسلامي ، لأن أية مسألة تتصل بطبيعة القرآن وسلامته ، من الزيادة والنقصان ، وطريقة فهمه ، ودوره الأصيل في استلهام وحي الله ، هي على درجة كبيرة من الأهمية والخطورة في وعي الإسلام ، لأن القرآن الكريم هو القاعدة الإسلامية الأساس للمفاهيم ، والأحكام ، والمناهج ، والوسائل ، والغايات ، الأمر الذي يجعل من الارتباك والانحراف والغموض في فهمه ، مسألة سلبية تنسحب على ذلك كله.

ربما كان من البديهي استنطاق القرآن الكريم في حديثه عن نفسه في الآيات التي تؤكد عربيته ، وذلك في الآيات التالية :

( إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ) [يوسف : 2]. ( كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون ) [فصلت : 3]. ( قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون ) [الزمر : 28]. ( نزل به الروح الأمين* على قلبك لتكون من المنذرين* بلسان عربي مبين ) [الشعراء : 193 195].

صفحة ٦

إن الحديث عن كون القرآن عربيا ، لا ينحصر في المسألة اللغوية ، بل يمتد ليكون عنوانا للمنهج العالم للقواعد التفصيلية ، في أساليب اللغة في البيان والفهم والأجواء ، من حيث الخصائص الفنية التي قد تحمل في داخلها الإيحاء والإيماء واللفتة والإشارة ، مما يتجاوز المدلول الحرفي للكلمات ، على أساس أن الجانب التاريخي للاستعمال قد يضيف إليها الكثير من ظلال المعاني وخصوصيتها التي قد تمنحها جوا جديدا ، وهذا هو الذي اصطلح عليه ب « الفهم العرفي» أو ب « الذوق العرفي ».

وفي ضوء هذا ، قد نلاحظ أن القواعد العربية تجعل قضية الوضوح في الدلالة ، سواء كانت على سبيل الاستعمال الحقيقي أو المجازي ، مسألة أساسية في حركة التفهيم والتفهم ، بحيث يكون الكلام القرآني حجة في إيصال الأفكار والتشريعات إلى الناس ، فلا مجال للتعقيد اللفظي والمعنوي في أساليب الاستعارة أو الكناية أو طريقة التركيب ، بحيث تكون المسافة بين اللازم والملزوم ، أو بين المضمون الحرفي للكلمة والغاية التي يقصدها المتكلم ، بعيدة جدا بما تستلزمه من الجهد الذهني في الربط بين الأشياء ، لأن ذلك يبتعد عن المنهج البياني الذي تفرضه مسألة التفاهم التي ترتكز عليها قضية اللغة في طبيعتها الحركية ، وربما نستوحي ذلك من الآيات التي تؤكد صفة التبيين في الآيات كقوله تعالى : ( لقد أنزلنا آيات مبينات والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) [النور : 46]. ( وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين ) [الأنعام : 55]. ( يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ) [النساء : 26].

فإن من الظاهر أن الآيات تتحدث عن الوضوح الذي يستلزم الهدى والهداية واستبانة الطريق المضاد الذي يتحرك فيه المجرمون.

وهكذا لا نجد هناك مجالا للحديث عن القرآن ككتاب رموز

صفحة ٧

ومصطلحات بعيدة في أسلوبها عن السياق العام لأساليب اللغة العربية ، بحيث يقف الناس أمامها حائرين لا يجدون لديهم النور الذي يوضح لهم طبيعة المعاني ، لأنهم يخافون أن يكون المراد من الآية معنى آخر غير المعنى الظاهر منها ، من دون أية قرينة في داخل الكلام ، أو في أجوائه ، مما يلغي الهدف الكبير للقرآن الذي يرتكز على أساس اعتبار الآيات النازلة على الناس طريقا للانفتاح على حركة العقل والتفكير والاهتداء ، ولتحقيق التذكر والتقوى من خلال ذلك ، في عملية الوعي والاستيحاء ، كما جاء في قوله تعالى : ( كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون ) [البقرة : 266]. ( كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون ) [البقرة : 242] ( كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ) [آل عمران : 103]. ( كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون ) [البقرة : 187] ( ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون ) [البقرة : 221].

ولهذا كانت مسألة حجية ظواهر القرآن من القضايا البينة الواضحة التي أجمع عليها العلماء من خلال حجية الظواهر كلها.

وإذا كان القرآن يتحدث عن وجود متشابهات فيه ، فإن ذلك لا يعني « الرمز » ، بل يعني الكلام الذي يحتمل أكثر من وجه في مدلوله ، أو الذي يمكن أن تختلف فيه الإيحاءات ، وربما كانت المسألة تتجه نحو الجانب التطبيقي للآيات المتشابهة في أرض الواقع ، لا في الجانب المدلولي بحيث يستغلها الذين يحرفون الكلم عن مواضعه ، ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وإرجاعه إلى الأفكار التي يحركونها في الناس من أجل إبعادهم عن الخط المستقيم.

وبذلك يكون دور الراسخين في العلم من خلال بعض القراءات هو تحديد الخطوط الواقعية التي يتحرك فيها مدلول الآية ، من خلال الأجواء

صفحة ٨

العربية ، في قضية التفهيم والتفاهم. ولسنا هنا في مجال البحث الواسع في مسألة « المتشابه » و « التأويل » ، بل كل ما هناك أننا نريد الإشارة إلى الموضوع في ما نستقر به من ذلك ، وقد ورد عن بعض أئمة أهل البيت عليه السلام ، جوابا عن سؤال حول ما أثاره بعض الناس من أن المقصود بالصلاة والزكاة ونحو هما رجال معينون ، قال : « إن الله لا يخاطب عباده بما لا يفهمون » ، مما يعني أن الآيات القرآنية لا تنطلق في خط التعقيد اللفظي والمعنوي أو الإشارة الرمزية التي لا توحي للناس بالوضوع في الفهم.

أما مسألة « الظاهر » و « الباطن » أو « الظهر » و « البطن » ، فقد أثار العلماء حولها الكثير من الحديث الذي يدور حول المعاني المتعددة التي تمثل بطون القرآن ، على أساس الروايات المتنوعة في ذلك حتى عد له « سبعون بطنا » ، وانطلق الأصوليون في أبحاثهم اللغوية للبحث عن « جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى » ، واستغرقوا في مسألة الإمكان والاستحالة على الطريقة الفلسفية ، على أساس المقولة التي تقول بأن اللفظ قالب للمعنى فلا يمكن أن يتحمل معنيين ، أو المقولة التي تقول بأنه علامة على المعنى ، فلا مانع من أن يكون دليلا على أكثر من معنى ، وقد رأى البعض في حديث « بطون القرآن » أو « الباطن القرآني » دليلا على أن هناك في القرآن شيئا للعامة وشيئا للخاصة ، على مستوى المعنى ، وهذه هي المنطقة « السرية » أو « الخفية » للمعنى القرآني التي لا يتحملها إلا الأمين على الأسرار الخفية للوحي الإلهي.

ولكن القرآن يتحدث عن الناس كلهم ، عند ما يتحدث عن الآيات التي يبينها لهم : لعلهم يتذكرون ، ويتفكرون ، ويعقلون ، فلا يختص بجماعة دون جماعة ، مما يفرض أن الفكرة الظاهرة من القرآن هي الفكرة التي يريد الله للناس أن يحملوها ويتحركوا في تفاصيلها الفكرية والعملية ، مع اختلافهم في طبيعة المستوى الذهني في استيعاب خصائصها ، كغيرها من الكلمات العربية البليغة التي يختلف الناس في فهم مداليلها تبعا لاختلاف ثقافاتهم.

صفحة ٩

وهناك ملاحظة أخرى في المسألة ، وهي أن تعدد المعنى في الاستعمال الواحد ، ليس مألوفا في الطريقة العامة للكلام ، لأنه لا ينسجم مع أسلوب التفاهم ، حتى في الكلمات المشتركة بين أكثر من معنى ، لأن الوضع للمعاني المتعددة لا يفرض استعمالها ، بل يعني حاجة كل واحد منها في إرادته من اللفظ إلى قرينة حالية أو مقالية ، وإذا كان الناس يتحدثون عن « المجمل » ، فإنه يوحي بالإجمال في معرفة المعنى المراد من اللفظ مع احتماله بين أكثر من معنى ، ولذلك فإن المسألة ليست مسألة الإمكان والاستحالة من حيث الذات ، بل هي مسألة المنهل الفني في استعمال الكلام في التفهيم لدى العرب ، فلو أريد هذا اللون من التعدد من الكلام ، لكان بعيدا عن النهج المألوف لديهم من خلال إخلاله بالوضوح ، وابتعاده بذلك عن مستوى البلاغة الذي يتنافى مع الإعجاز الفني الذي يرتفع به القرآن إلى أعلى قمة في الفن البلاغي ؛ هذا من جهة.

ومن جهة أخرى ، ما معنى أن يكون المعنى الباطن مخزونا لدى الراسخين في العلم وما فائدة ذلك؟ فإن كان ذلك من جهة أنهم حجج الله الذين لا بد من أن يقبل قولهم في أسرار الدين ، حتى لو لم يكن ذلك مفهوما من اللفظ ، فإن طبيعة الحجية تفرض ذلك من دون حاجة إلى تضمين القرآن لذلك ، لأن عصمتهم تؤكد صدقهم ، فتؤدي إلى قبول تلك الحقائق الخفية منهم ، وإن كان ذلك من خلال الطبيعة الذاتية للدلالة القرآنية ، فإن المفروض عدم وجود ظهور للقرآن في ذلك.

والسؤال : كيف نفهم ذلك؟

قد يكون من المفيد التحدث في هذا المجال عن نقطة مهمة في تكوين أية فكرة حول القضايا الفكرية الإسلامية ، وهي ضرورة التأكد من صحة الأحاديث المروية عن النبي محمد صل الله عليه وآله وسلم وعن الأئمة من أهل البيت عليهم السلام ،

صفحة ١٠

من حيث السند والمتن ، بالطريقة التي تتجاوز الشروط المعروفة في حجية الأخبار ، في عملية الاستنباط الاجتهادي للأحكام الشرعية ، لأن تلك الشروط قد تكون مطروحة في دائرة التنجيز والتعذير ، من خلال الآثار الشرعية العملية للمضمون الخبري ، وذلك من خلال النظرية الأصولية العامة التي ترى في حجية الخبر لونا من ألوان التعبد الذي لا معنى له في المضمون الذاتي للخبر ، فلا بد له من الأثر العملي الذي يكون هو الملحوظ في معنى التعبد.

أما القضايا المتصلة بتفاصيل العقيدة ، وبمفردات الوجود ، أو بالخصوصية التفسيرية للقرآن ، فإنها بحاجة إلى القطع أو ما يقترب من القطع ويحقق الاطمئنان ، لأنه ليس خطا للعمل ، بل هو خط للقناعة الفكرية على مستوى الالتزام الداخلي بالمفاهيم المتنوعة التي تحكم الأشياء المطروحة في الواقع ، لئلا يكون الموقف متحركا في إثباتها ، وقد تكون الخطورة في هذه المسألة ، أن الخلل في المسائل العقيدية والمفاهيم العامة هو في الصورة التي تقدمها للإسلام ، أكثر مما يؤدي إليه الخلل في الأحكام الشرعية التي تتصل ببعض جوانب السلوك الفردي والاجتماعي في دائرة خاصة.

ولعل إهمال هذا الجانب ، هو الذي أوقعنا في فوضى المفاهيم المتنوعة المتصلة بالكثير من قضايا العقيدة في تفاصيلها ، وقضايا الكون والحياة ، من خلال الأحاديث الكثيرة التي لم تخضع لتقويم علمي في صحتها وضعفها في قاعدتها العامة.

وفي ضوء ذلك ، قد نحتاج إلى الوقوف أمام الأحاديث الواردة في قضايا التفسير بشكل دقيق ، لأن ، صورة المضمون التفسيري هي صورة القرآن في الوجه الفكري الذي يتقدم إلى الناس في تخطيطه للإنسان وللحياة ، وفي تكوينه للذهنية العامة للمسلم في نظرته إلى الوجود كله ، مما قد يترك تأثيراته السلبية أو الإيجابية لدى الباحثين في حركة الصراع بين الإسلام والكفر ، أو

صفحة ١١

بين الهدى والضلال.

والآن نحن مع الجواب.

قلنا : إننا لا نستطيع تصور مسألة الظاهر والباطن بالطريقة المادية التي تجعل للفظ طبقتين من المعنى ، تماما كما هو ظاهر الشيء وباطنه ، الذي تتعدد فيه العناصر ، وتتنوع فيه الخصائص ، أو كما هو الظهر الذي يمثل جانبا من الجسد يختلف عن الباطن الذي يمثل جانبا آخر ، فهناك حالتان عضويتان متعددتان ، لأن اللفظ حالة صوتية بسيطة توحي بحالة ذهنية مماثلة فيما هو المألوف من الطريقة المألوفة في اللغة العربية ، لذلك لا بد من استنطاق هذا المصطلح على أساس إرادة المعنى الواحد الذي تختلف طريقة فهمه تبعا لاختلاف ثقافة ، الإنسان الذي يعيه في معرفته بخصائص الأشياء ، تماما كما يتصور بعض الناس الشمس ، من خلال شكلها البارز ، بشكل سطحي ، بينما يتصورها بعض آخر ، من خلال عمق تكوينها وطبيعتها وآثارها ، بشكل عميق شامل بالمقدار الذي توصل العلم إلى معرفته ، مما قد يخيل إلينا أن هناك معنيين مختلفين من جهة اختلاف حجم الصورة أو طبيعتها المنطبعة في الوعي الفكري للإنسان ، في الوقت الذي تتمثل فيه القضية في معنى واحد مختلف الجوانب.

وقد تكون المسألة المعنى الجزئي الذي تمثله الآية في مواردها المتحركة في الواقع في عصر النزول ، أو في مواقع النزول ، والمعنى الكلي الذي يطل على كل المفردات التي تختزن مفهومه وخصوصيته الشاملة ، في الماضي والحاضر والمستقبل ، ليكون المعنى الظاهر هو المعنى الجزئي المنفتح على الحاضر ، أما المعنى الباطن ، فهو المعنى المنفتح على الصورة الكلية المفتوحة على المستقبل ، حتى لا يتجمد القرآن في الموارد التي نزل فيها ، بل يمتد ، على مستوى القاعدة الكلية ، إلى كل الموارد المماثلة ، في الحوادث

صفحة ١٢

المتجددة ، في مستقبل الحياة والإنسان.

وهذا هو ما تحدث عنه الإمام محمد الباقر عليه السلام في أكثر من حديث منها : ما رواه الصدوق عن أبيه عن سعد عن البرقي عن محمد بن خالد الأشعري عن إبراهيم بن محمد الأشعري عن ثعلبة بن ميمون عن أبي خالف القماط عن حمران بن أعين ، قال : « سألت أبا جعفر عليه السلام عن ظهر القرآن وبطنه؟ فقال : ظهره الذين نزل فيهم القرآن وبطنه الذين عملوا بأعمالهم يجري فيهم ما نزل في أولئك » (1).

ومنها : ما رواه العياشي في تفسيره ، عن الفضيل بن يسار قال : سألت أبا جعفر محمد الباقر عليه السلام عن هذه الرواية : « ما في القرآن آية إلا ولها ظهر وبطن ، وما فيه حرف إلا ، وله حد ولكل حد مطلع. ما يعني بقوله : لها ظهر وبطن؟ قال : « ظهره وبطنه ، تأويله ، منه ما مضى ومنه ما لم يكن بعد ، يجري كما تجري الشمس والقمر ، كلما جاء منه شيء وقع ، قال الله تعالى : ( وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ) [آل عمران : 7] » (2).

ومن الواضح أن الحديث الأول يريد التأكيد على أن الخصوصية التي تمثل مورد الآية تستبطن في داخلها المعنى الكلي العام ، الذي يتجدد عبر الزمن كله كلما تجددت الموارد المماثلة في امتداده ، وهذا ما عبر عنه في حديث آخر ، في أن القرآن يموت إذا نزل في قوم مخصوصين يغيبون في الزمن ، ولكنه يجري مجرى الشمس والقمر والليل والنهار ، لتكون القضية قضية النموذج الذي يجسد الفكرة العامة التي استهدفها النص القرآني ، ونزلت من خلالها الآية ، فليس هناك معنيان للفظ ، بل هناك معنى واحد يتحرك في

صفحة ١٣

خط الزمن ، من الماضي إلى الحاضر ، ليطل على المستقبل في خط الخصوصية التي تتجسد في جميع المراحل والأفراد.

وهناك حديث آخر قد يطل بالمسألة على وجه آخر ، وهو ما رواه الصدوق عن أبيه عن علي بن الحكم عن محمد بن الفضيل عن بشر الوابشي عن جابر بن يزيد الجعفي قال : « سألت أبا جعفر عليه السلام عن شيء من التفسير فأجابني ، ثم سألته عنه ثانية فأجابني بجواب آخر فقلت : جعلت فداك كنت اجبتني في هذه المسألة بجواب غير هذا قبل اليوم؟ فقال يا جابر إن للقرآن بطنا وللبطن بطن ، وله ظهر وللظهر ظهر ، يا جابر : ليس شيء أبعد عن عقول الرجال من تفسير القرآن ، إن الآية يكون أولها في شيء وآخرها في شيء وهو كلام متصل متصرف على وجوه » (1).

إن هذا الحديث قد يوحي لأول وهلة بالتعدد في المعنى للكلمة الواحدة من خلال دلالته على تعدد التفسير ، والتأكيد على أن لظاهر الكلمة ظهرا ولباطنها بطنا ، ولكن التدقيق فيه يدل على أنه يريد معالجة الآية في مدلولها لا في كلماتها ، فنحن نلاحظ أن بعض الآيات قد تنطلق في الحديث عن عدة جوانب للفكرة ، بحيث تتكامل في الخط الواحد الذي تتعدد آفاقه وجوانبه ، فقد تجد للمسألة الواحدة جانبا يتصل بالأخلاق ، وجانبا آخر يتصل بالاجتماع ، وثالثا يتصل بالسياسة وهكذا ، مما يجعل من الممكن أن يتحدث عنها الإنسان الباحث من عدة جوانب ، بحيث يبدو الحديث عن كل جانب كما لو كان مدلولا لآية بشكل مستقل. ولعل هذا هو مراد الإمام عليه السلام في اتصال الكلام من خلال وحدة مضمونه ، وتصرفه على وجوه من خلال تعدد جوانبه ، فيمكن للمعنى الذي نزل به القرآن أن يجتذب معنى آخر ، كما يمكن للإيحاءات التي توحي بها الآية أن تجتذب إيحاء آخر.

صفحة ١٤