تفسير ابن باديس في مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير

محقق

علق عليه وخرج آياته وأحاديثه أحمد شمس الدين.

الناشر

دار الكتب العلمية بيروت

الإصدار

الأولى

سنة النشر

١٤١٦هـ - ١٩٩٥م.

مكان النشر

لبنان.

............ تفسير ابن باديس ..............
﴿في مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير﴾
للإمام العلامة: "عبد الحميد محمد ابن باديس الصنهاجي" (١٣٠٨ - ١٣٥٩هـ)
جمع وترتيب:
د. توفيق محمد شاهين جامعة الأزهر،
محمد الصالح رمضان أستاذ بوزارة التربية الجزائرية،
علق عليه وخرج آياته وأحاديثه أحمد شمس الدين.
دار الكتب العلمية
بيروت- لبنان

الكتاب به أخطاء مطبعية تم إصلاحها ووضع التصويب بين [[معكوفتين]].

1 / 1

جميع الحقوق محفوظة
لدار الكتب العلمية
بيروت- لبنان
الطبعة الأولى
١٤١٦هـ/١٩٩٥م
دار الكتب العلمية بيروت لبنان.

1 / 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه الكرام المنتجبين.
أما بعد؛ فلا شكّ أن المسلمين اليوم، أكثر من أي يوم آخر، بحاجة ماسّة إلى التوجّه المباشر نحو القرآن الكريم لاستنباط معانيه وفهم ألفاظه ومبانيه، بعيدًا عن ربقة التقليد وجمود التفكير الذي قد يكون أحد أهم الأسباب التي أدت بهم إلى ما هم عليه اليوم من حالة مزرية ووضع لا يحسدون عليه.
والإمام عبد الحميد بن باديس- ﵀ واحد من مجموعة من المصلحين المسلمين الذين دفعوا العقول في هذا الاتجاه؛ كان أولهم في القرن الماضي جمال الدين الأفغاني، ثم تبعه الإمام محمد عبده، ومن بعدهما جاء في هذا القرن الشيخ رشيد رضا والإمام ابن باديس. وقد رأى هؤلاء الأئمة أن الخلاص من التخلف والتبعية لا يكون إلاّ باتخاذ الإسلام منهجا للحياة في كل زمان وكل مكان؛ ولا يكون ذلك إلاّ بانتهاج سبيل القرآن علما وعملا.
وقد بين الإمام ابن باديس في تفسيره- الذي نضعه بين يدي القارئ الكريم- مختلف نواحي القيم الإسلامية الواجب اتباعها؛ فركز على مقاصد القرآن الكريم التي يمكن تلخيصها بما يلي:
أولا: الناحية العقيدية التي تتناول الجانب الإيماني بالله والرسل والملائكة واليوم الآخر.
ثانيا: الناحية الأخلاقية التي يدعو القرآن إلى التلبس بها لتهذيب النفوس وتزكيتها.
ثالثا: الناحية الحياتية العملية، وهي التي تتناول الأحكام التي تنظم علاقة الفرد بربه وبنفسه وبغيره من الأفراد وبمجتمعه ككل.
وأسفنا الوحيد هو أن هذا التفسير لم يأتنا كاملا، فاقتصرنا منه على ما وصلنا؛ وما الكمال إلاّ لله وحده.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
أحمد شمس الدين
بيروت- لبنان

1 / 3

تعريف بالإمام عبد الحميد بن باديس*
تمهيد
في الوطن الإسلامي والعربي حيوية كامنة لا يغلبها شيء، وتلك دلالة تدعو إلى التفاؤل والثقة ... فبعد أن عاش الاستعمار الفرنسي في الجزائر أطول من عمره، كان لا بد له من أن يصطدم بشعب الجزائر الباسل في معركة فاصلة، وخاضتها الجزائر صابرة مجاهدة، في حرب ضارية دامت أكثر من سبع سنوات، وقدمت فيها أكثر من مليون شهيد، فكانت الحرية كاملة سابغة، وكان النصر لذيذا وعزيزا.
والخطوط العريضة في تقسيم التاريخ الجزائري، منذ الاحتلال حتى اليوم يمكن أن تذكر على هذا النحو:
١ - فترة التحول والفرنسة التي أرادها المستعمر لمحو الشخصية الجزائرية والقضاء على اللغة العربية والدين الإسلامي منذ الاحتلال في يوليو سنة ١٨٣٠هـ، حتى الحرب العالمية الثانية سنة ١٩٣٩م.
٢ - وفترة استرداد هذه الشخصية والمحافظة عليها، والكفاح من أجلها طوال مدة الاستعمار.
٣ - وفترة الصمود للثورة الكبرى في أول نوفمبر سنة ١٩٥٤م، التي كانت فيها الجزائر مع الله فكان الله معها، وحرصت على الموت فوهبت لها الحياة ثم انبلج نور الحرية الصادق في مارس سنة ١٩٦٢م، وأصبح الجزائريون أحرارا كما خلقهم الله، وأعزة كما أرادهم الإسلام.
وسواء أكانت الشخصيات تخلق المواقف، أو العكس من ذلك .. فقد برز خلال تلك الفترة شخصيات فذة ورائدة، أدت دورها ببسالة وإقدام، ولقنت الدنيا أعظم الدروس، وضربت أروع الأمثال، ومن أبرز هؤلاء:
١ - الأمير عبد القادر الجزائري، الذي قاد ثورة الجزائر من سنة ١٨٣٢م حتى سنة ١٨٤٧م.
٢ - وبو معزة، الذي قاد ثورته سنة ١٨٤٤م.

* كتب هذا التعريف توفيق محمد شاهين.

1 / 5

٣ - وبو بغلة، وثورة سنة ١٨٥٢، واستمرت خمس سنوات، ولعبت فيها المجاهدة (لالا فاطمة) دورا بطوليا عظيما.
٤ - والمقراني، وثورته سنة ١٨٧١م.
٥ - وشقيق المقراني (بو مزراق)، وثورته سنة ١٨٧٢م.
٦ - وأولاد سيدي الشيخ، وثورتهم التي امتدت من سنة ١٨٦٨م حتى سنة ١٨٨١م.
٧ - وبو زيان، وثورته سنة ١٩١٤م.
وغير هؤلاء كثيرون وكثيرون، من الجنود المجهولين، والشهداء الخالدين. وإذا كنا لا نستطيع لهم إحصاء، فحسبهم أن إحصاءهم في السماء مع الأبرار والصديقين والأنبياء.
ولا عجب في ذلك، فهم أحفاد خالد بن الوليد، وسعد بن أبي وقاص، وعقبة بن نافع الفهري، وطارق بن زياد، والأمير عبد القادر، والمقراني.
وجاء في إثر هؤلاء الزعماء الذي مهدوا للثورة الكبرى، وحافظوا طويلًا على شخصية الجزائر العربية المسلمة، وقادوا النهضة في نواحيها المختلفة؛ العلامتان: عبد الحميد بن باديس، والشيخ محمد البشير الإبراهيمي. إذ جلس الأول للتدريس، والجهاد المضني، والإرشاد والوعظ، وخلق الرجال أكثر من ربع قرن، كانت خيرا وبركة على الجزائر والإسلام، فمن هو ابن باديس؟
مولده ونشأته:
عبد الحميد بن محمد المصطفى بن مكي بن باديس الصنهاجي، ولد سنة (١٣٠٨هـ/١٨٨٩م) من أسرة معروفة بالعلم والجاه والثراء.
وكان والده ملجأ الخائفين، وكان من أبرز الرجال في قسنطينة، وكان درعًا حصينًا لولده، أبعد عنه كيد الاستعمار، ودافع عنه طويلًا. ويحكي ابن خلدون: أنه اجتمع أربعون عمامة، من أسرة باديس في وقت واحد، في التدريس والإفتاء والوظائف الدينية.
والأسرة تنحدر من الصنهاجيين، وهي قبيلة ملك وسلطان، اشتهر منها المعز بن باديس. وأسرة باديس تنتمي إلى الطريقة القادرية.
حفظ عبد الحميد القرآن الكريم على الشيخ محمد المواسي، ثم اختار طريق العلم، فأسلمه والده إلى العالم الورع التقي حمدان الونيسي، فرباه على العلم والفضل والأدب، وأوصاه بالابتعاد عن الوظيف، وقراءة العلم للعلم لا للرغيف.
وتزوج سنة ١٩٠٤م، وأنجب ولدا أسماه إسماعيل، حفظ القرآن وحضر العلم، ثم توفي وهو صغير، ولم ينجب غيره.
وارتحل إلى جامع الزيتونة في تونس سنة ١٩٠٨م لطلب العلم وتتلمذ على صفوة علمائه الشيخ محمد النخلي القيرواني، والعلامة محمد الطاهر بن عاشور، وكان لهذا فضل تكوينه الأدبي

1 / 6

واللغوي. والشيخ محمد الخضر حسين، والشيخ الصالح النيفر، وغيرهم من أفاضل علماء جامعة الزيتونة.
وتخرج من الزيتونة سنة ١٩١٢م بشهادة عليا (التطويع).
وذهب إلى الحج سنة ١٩١٢، والتقى في المدينة المنورة بشيخه المهاجر حمدان الونيسي، والشيخ البشير الإبراهيمي، وتدارسوا وضعية الجزائر وضرورة إنشاء "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين"، وإن تأخر إنشاؤها حتى سنة ١٩٣١م.
وزار لبنان وسوريا ومصر، في طريق عودته، وأجازه الشيخ بخيت من كبار علماء الأزهر بشهادة العالمية من الأزهر الشريف.
السمات الأساسية في شخصيته:
كان ابن باديس أبيض اللون مشربا بحمرة، كث اللحية، نحيل الجسم، واسع العينين، نافذ النظرات، زاهدا عفيفا، متسامحا ورعا، رفيقا متفائلا، أوابا توابا، يعفو عمن أساء إليه، صارما في الحق، له شجاعة نادرة، وصبر على العمل، جهوري الصوت حسن السمت، نظيف الهندام، في بساطة محببة.
لا ينطق إلاّ في حق، ولا يسكت على باطل، يرد على معارضيه بطول نفس وسعة صدر، ويتناول الموضوع فيجلي جميع أطرافه، محافظا على مواعيده، ومنظما لأوقاته ذاكرا للقرآن، ومتذكرا للسنة في فراغه وراحاته.
له كثير من صفات الأفغاني، والشيخ محمد عبده.
وعلى الجملة، فهو شخصية غنية ثرة فياضة مؤثرة متأثرة:
لَيْسَ عَلَى اللهِ بِمُسْتَنْكِرٍ ... أَن يَّجْمَعَ العَالَمَ فِي وَاحِدٍ
العوامل التي أثرت فيه:
من أهم العوامل التي أثرت في تكوينه.
١ - أساتذته الذين سبقت الإشارة إليهم، وغيرهم. إذ غرسوا فيه خلق العلماء، وتواضع الحلماء، وصفات القادة والمصلحين.
٢ - أسرته وبيئته، ويحدثنا عن ذلك زميله في الجهاد، الشيخ البشير الإبراهيمي:
«الشيخ عبد الحميد بن باديس، من أعلم علماء الشمال الإفريقي ولا أغالي، وباني النهضات العلمية والأدبية والاجتماعية والسياسية بالجزائر ... وبيت ابن باديس في قسنطينة بيت عريق في السؤدد والعلم، ينتهي نسبه في سلسلة كعمود الصبح إلى المعز ابن باديس، مؤسس الدولة

1 / 7

الصنهاجية الأولى، التي خلفت الأغالبة على مملكة القيروان، ومدت ظلها على شرق الجزائر حينا من الدهر».
٣ - وتأثر بالحركة الإصلاحية للأفغاني ومحمد عبده، واقتفى أثرهما، وسلك طريق الشيخ عبده في التربية والتعليم، والإصلاح الديني واللغوي. وأعجب بحركة (المنار) والشيخ رشيد رضا، وبعض تلاميذه يقولون: إنه سمع من الشيخ محمد عبده حينما زار الجزائر ودرس بها بعض الدروس، حين عودته من المنفى في باريس.
٤ - وتأثر بابن تيمية وسلفيته، ويعتبره بحق المجدد الواعي والمصلح في شيخوخة الفكر الإسلامي.
٥ - وتأثر وأثر في كثير من زملائه المخلصين العاملين معه مثل: الشيخ البشير الإبراهيمي، والشيخ الطيب العقبي، والشيخ العربي التبسي، والشيخ مبارك الميلي وغيرهم.
٦ - فضلا عن أن نفسه كانت خيرة، وهمته عالية، وعقله مستنيرا، وقلمه سيالا، ومعلوماته وفيرة ومنظمة، وبديهته حاضرة، وذكاءه وقادا.
٧ - واتخذ من القرآن الكريم، والسنة الشريفة نبراسا ومنهاجا، وتملكه الفضل والنبل، وأسره الخير والفضل.
إمكانياته وجهوده:
إمكانياته كبيرة، وجهوده عظيمة، أعطى الجزائر الكثير، واكتفى بالقليل قوتا ومتاعا، ومن جوانب جهوده، ما يلي:
١ - كان في الحق عاصفة لا تهدأ إلاّ إذا انتصر العدل، وفي الخير نفحة لا تسكن إلاّ إذا تنفس الإحسان.
٢ - وهو مدرس ماهر، لا يكل ولا يمل، يدرس من بعد صلاة الفجر إلى صلاة العشاء مع قسط ضئيل للراحة والصلاة والغداء، ثم يعظ الناس في مسجده بعد صلاة العشاء إلى ما شاء الله، لأنه أشفق على ينبوع الثقافة الإسلامية أن يصد تياره ما تراكم فيه من غثاء وحطام، فانبرى بالتدريس والإصلاح ليجعل للإسلام النقي الواضح قولا في كل مسألة، ورأيا في كل معضلة، وتوجيها في كل قصد.
ودرس في الجامع الأخضر في قسنطينة من سنة ١٩١٣م حتى لقي ربه في إبريل سنة ١٩٤٠م.
٣ - وهو كاتب ممتع، وسلفي النزعة في كتابته، ومهذب في كتاباته، قليل السخرية بالأعداء والمبغضين، ولكن قلمه فيهم أمضى من السنان، وأسلوبه من السهل الممتنع، تدرج أسلوبه حتى

1 / 8

بلغ منزلة رفيعة، له بصر بالأدب وباع في اللغة وفقهها، محب للأدب القديم والحديث، يرتجل الشعر على البديهة ولكن شعره أقل جودة بكثير من نثره.
وصفه شاعر الجزائر المجيد الشيخ محمد العيد بقوله:
يراعك في التحرير أمضى من الظبا ... وأقضى من الأحكام أيان يشهر
قبست من القرآن مشعل حكمة ... ينار به السر اللطيف ويبصر
ولا يتكلم ولا يدرس إلاّ بالعربية الفصحى، غير متكلف فيها، ولا متقعر.
٤ - وهو فقيه من الطراز الأول، خبير بمذهب مالك، متفقه على غيره من المذاهب ويمقت التعصب لمذهب معين، وله فتاوى عظيمة، تحس منها أنه إهاب مليء علما منظما.
٥ - وهو مفسر ممتاز، له استقلاليته في الفهم والرأي، يقرأ التفاسير، ثم يجعل من عقله مصفاة لها، فلا يخرج منها إلاّ ما صح ونفع، ولاءم العصر، وصدق الخبر، مع حسن عرض، واستنباط واع، واستنتاج للعبرة، وحث على سنة، وإخماد لبدعة، في أسلوب عصري، وتطويل غير ممل، وإيجاز غير مخل.
فسر القرآن الكريم كله في خمس وعشرين سنة، أي ما يوازي مدة نزوله، واشتغل بتأليف الرجال عن تأليف الكتب، فلم يبق من تفسيره سوى هذا القدر الباقي في مجالس التذكير، مما كان ينشر في مجلة الشهاب، وهناك فرق كبير بين التفسير الخاص لطلابه، والعام في الوعظ والإرشاد، وما كان يكتب في مجالس التذكير ليقرأه العام والخاص. وهكذا اجتمعت عنده عدة الجهاد والاجتهاد، وأنار الله بصيرته، فأحيا شريعة، وأقام مجتمعا، وأنقذ شرفا وأمة ولغة.
٦ - وهو محدث بصير، شرح موطأ مالك ﵁ كله، ولم يبق من هذا الشرح أيضا إلاّ ما جمعناه في كتاب بعنوان: "من هدي النبوة" وهذا يشهد له بطول الباع، والفهم التام لسنة الرسول ﷺ.
٧ - وهو أديب ذواقة، يعشق الأدب القديم والحديث، وينقده، ويعطي لطلابه وزائريه زبدة ما قرأ، ويوازن بين شعر وشعر، وينشر الملح والطرائف وله باب في الشهاب بعنوان "من أحسن القصص والأدب" جمع فيه بين كل طريف وظريف.
٨ - وهو صحفي وقور، هادئ رزين، يختار الموضوع، ويحدد المشكلة ويصف الدواء ويهتم بمصالح المسلمين في جميع أنحاء الدنيا، ومشاكل بلاده في المقام الأول، ويقرأ الصحافة المحلية والأجنبية ويشيد بالصحافة الإسلامية، ويحمل على الباطل في غير هوادة، وينتصف للحق أينما كان.
وأصدر المجلات الآتية: "المنتقد"، و"السنة"، و"الصراط"، و"الشريعة"، و"البصائر"، وأنشأ "الشهاب". وكان قويًا في الحق، ولم يطق الاستعمار ذلك، فعطل كل صحفه، وبقيت الشهاب طويلًا حتى جاءت الحرب العالمية الثانية.

1 / 9

٩ - وهو مرب من الطراز الأول: أسس المدارس الابتدائية الحرة العربية في طول البلاد وعرضها، ودعا إلى تعليم البنت الجزائرية، وأخذ بيد تلاميذه وأبنائه، وعين النابهين منهم في المدارس المذكورة بأجر ضئيل يفي أو لا يفي بضروريات الحياة. ويحث المواطنين على احترامهم، ومساعدتهم، وكان لوالده فضل كبير في هذا الميدان.
١٠ - وأسس النوادي في العواصم الجزائرية لنشر الثقافة والتربية الدينية والوطنية.
١١ - وأسس "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين" وانتخب رئيسًا لها طول حياته، تقديرًا لخدماته وجهوده، وكفاءته.
١٢ - ونقى الدين من البدع والخرافات والأباطيل، وحمل على البدع حملة شعواء ولم تأخذه في الحق لومة لائم، حتى عاد للدين صفاؤه ونقاؤه.
١٣ - ونشر الكتب السلفية القيمة، وعمل على إحياء الكتب العربية القديمة، واحتفل باللغة العربية لتحيا رغم أنف الاستعمار.
١٤ - وأسس جمعية التجار المسلمين، والجمعيات الاقتصادية لإنعاش الاقتصاد والمحافظة على الثورة ودعا أبناء الوطن إلى ولوج باب التجارة بشتى الطرق.
١٥ - وأسس "الميتم الإسلامي": (جمعية رعاية الأيتام) والجمعيات الخيرية لإنقاذ الطفولة والنشء من التشرد والضياع.
١٦ - واشتغل بالسياسة، وخاض حقلها في براعة وذكاء، وناهض الاستعمار وما مالأه طول حياته رغم المغريات والمرهبات. وكان يحتج باسمه الخاص في أحرج المواقف، وباسم جمعية العلماء في المواقف العادية، حفظا للجمعية وصونا لها من القلاقل، وتفاديا لها من الغلق والكيد والبطش.
١٧ - وأنشأ مطبعة عربية في قسنطينة طبعت صحفه ومجلاته، وما يحييه ويختار من كتب ومنشورات.
١٨ - وعني بتأسيس الكشافة الإسلامية، والمنظمات القومية.
١٩ - وأنشأ جمعية الشباب الفني للموسيقى والفنون الجميلة!!
٢٠ - وهو خطيب مفوه، شبهه بعضهم بـ "ميرانت، وميرابو".
٢١ - وجعل معهده فرعًا لجامع الزيتونة، واعترفت له الزيتونة بذلك تقديرًا لعلمه وفضله وجهوده.
٢٢ - وأرسل طلابه إلى الأزهر، أو إلى جامعة الزيتونة أو إلى جامعة القرويين في المغرب، فعادوا علماء عاملين في الجزائر.

1 / 10

تلكم هي أهم الخطوط البارزة في جهاده، ذكرناها مجملة في هذه العجالة.
منهاج ابن باديس العلمي وصعاب لقيها:
خلق المستعمر أوزارًا كثيرة، ولذا كان على ابن باديس أن يبدأ من الصفر:
فجلس للتدريس في قسنطينة متطوعًا ابتغاء وجه الله منذ (١٩١٣م- ١٩٤٠م). وتسامع الناس به، فتقاطروا إليه يتعلمون دينهم ولغتهم، حتى ضاقت بهم قسنطينة، وأقض ذلك مضاجع الاستعمار، وحث على التعليم وإنشاء المدارس وسارعت الأمة إلى تلبية الدعوة، وبنت حوالي ١٧٠ مدرسة حرة عربية، كان فيها ما يزيد على خمسين ألف طالب وطالبة، فهو لم يملك ولم ير سلاحا أقوى من تعليم المغلوبين المستضعفين، يقودهم إلى النصر المبين.
وفي سنة ١٩٢٢م تأكد الشيخ أن الطرقية المنحرفة في الجزائر سبب من أسباب البدع والخرافات، ومساعدة المستعمر، فرأى مناوأتها ومنازلتها وجهًا لوجه، وحمل عليها حملات قاسية، وأنشأ لذلك جريدة (المنتقد) ومن اسمها يظهر غرضها، فكانت نارًا ونورًا، ولكن المستعمر أخرس الجريدة بسرعة، وأصدر الشيخ غيرها.
وفي مقالاته الصحفية ردد كثيرًا أن مقومات الجزائر ثلاثة: الإسلام، والعربية، والأرض الجزائرية بحدودها. ودعا إلى وحدة المغرب العربي الكبير (من طرابلس الغرب حتى المحيط الأطلسي). ودعا إلى القومية العربية، ووحدة الوطن العربي الكبير، وأشاد في كل مناسبة بالعرب والعربية والإسلام والوطنية.
وعاونه المجيدون والنابهون من أصدقائه وأبنائه الطلاب، وانبثوا في أنحاء التراب الوطني، يحملون رسالة العربية والإسلام، فما انقضت مدة حتى كان الفوج الأول من تلاميذه مستكمل الأدوات من فكر صحيحة، وعقول نيرة، ونفوس طامحة، وعزائم صادقة، وألسن صقيلة، وأقلام كاتبة، وكانت تلك الكتائب الأولى من تلامذته هي طلائع العهد الجديد الزاهر.
وإن "لعبد الحميد بن باديس" منة على كل من يحمل بين جنبيه روحا جديدة أو فكرة سديدة من أبناء الجزائر أينما كانوا، لا فرق في ذلك بين طلاب العلم، وبين غيرهم من طلاب الحياة في جميع فروعها.
ورأى ابن باديس أن مصائب الجزائر هي: الاستعمار الضاري، المعتمد على الحديد والنار. والاستعمار الروحي الذي يمثله بعض مشايخ الطرق المضلين أو الجاهلين المتغلغلين في الشعب والممالئين لفرنسا.
فخطب ابن باديس وحاضر، وكتب وناظر وناقش وجادل في الصحافة، والمساجد، والأندية، والمحافل والأسواق .. ونادى بضرورة تعليم الصغار ولو في بيوت آلهم، وطالب برد أوقاف المسلمين التي استولى عليها المستعمر، احترامًا لشرط الواقف، وليكون للمسلمين عزة وكرامة، ولتنفق في سبيل الله الذي أوقفت من أجله، ونادى باستقلال القضاء، وحرية التعليم،

1 / 11