نحوها. فبلغ ذلك النبي ﷺ فأمرهم أن يجتمعوا، وأن لا يدخل معهم أحد. اجتمعوا فجاء إليهم، وذكَّرهم بنعمة الله ﷿ عليهم، وقال لهم: "ألم أجدكم ضُلالًا فهداكم الله بي؟ "، قالوا: "الله ورسوله أَمَنّ؟ قال: "ألم أجدكم عالة فأغناكم الله بي؟ " قالوا: الله ورسوله أَمَنّ؟ قال: "ألم أجدكم متفرقين فجمعكم الله بي؟ "، قالوا: الله ورسوله أَمَنّ؟ كلما قال شيئًا، وذكَّرهم به، اعترفوا بأن الله ورسوله أمَنّ. ولكنه ﵊ لما ذكرهم بفضله عليهم قال: لو شئتم لقلتم: جئتنا طريدًا فآويناك، وذكر ﵊ فضلهم عليه ثم قال: "أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون برسول الله ﷺ إلى رحالكم، لولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار، الأنصار شعار والناس دثار" (^١)، حتى جعلوا يبكون، وخضبوا لحاهم بدموعهم ﵃، واقتنعوا اقتناعًا كاملًا، الشاهد من هذا أنه ذكَّرهم صلوات الله وسلامه عليه أنهم كانوا متفرقين فجمعهم الله به، وألفهم به، ولهذا يذكر الله ﷾ هؤلاء بقوله: ﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُم﴾ ألَّف يعني جمع. ومنه قولنا: ألَّف فلان كتابًا يعني جمعه.
وقوله: ﴿بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ ولم يقل بينكم، لأن الائتلاف في القلوب. وهذا هو الذي عليه المدار، ليس المدار الائتلاف بالأجسام. كم من أمة ائتلفت بأجسامها ولكن قلوبها متفرقة كما
(^١) رواه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الطائف في شوال سنة ثمان، رقم (٤٣٣٠). ورواه مسلم، كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام، رقم (١٠٦١).