تفسير البغوي
محقق
حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش
الناشر
دار طيبة للنشر والتوزيع
الإصدار
الرابعة
سنة النشر
١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م
مناطق
•تركمانستان
الإمبراطوريات و العصور
السلاجقة (فارس، العراق، سوريا)، ٤٣١-٥٩٠ / ١٠٤٠-١١٩٤
عظام ليس فيه لَحْمٌ وَلَا دَمٌ ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ ثُمَّ كَسَا الْعِظَامَ لَحْمًا وَدَمًا فَصَارَ حِمَارًا لَا رُوحَ فِيهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ مَلَكٌ يَمْشِي حَتَّى أَخَذَ بِمَنْخَرِ الْحِمَارَ فَنَفَخَ فِيهِ فَقَامَ الْحِمَارُ وَنَهَقَ بِإِذْنِ اللَّهِ.
وَقَالَ قَوْمٌ أَرَادَ بِهِ عِظَامَ هَذَا الرَّجُلِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُمِتْ حِمَارَهُ بَلْ أَمَاتَهُ هُوَ فَأَحْيَا اللَّهُ عَيْنَيْهِ وَرَأْسَهُ، وَسَائِرَ جَسَدُهُ مَيِّتٌ، ثُمَّ قَالَ: انْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ فَنَظَرَ فَرَأَى حِمَارَهُ قَائِمًا وَاقِفًا كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ رَبَطَهُ حَيًّا لَمْ يَطْعَمْ وَلَمْ يَشْرَبْ مِائَةَ عَامٍ وَنَظَرَ إِلَى الرُّمَّةِ (١) فِي عُنُقِهِ جَدِيدَةً لَمْ تَتَغَيَّرْ، وَتَقْدِيرُ الْآيَةِ: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ وَانْظُرْ إِلَى عِظَامِكَ كَيْفَ نُنْشِزُهَا وَفِي الْآيَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَتَقْدِيرُهُمَا: وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ، وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ عَنْ كَعْبٍ وَالضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَالسَّدِّيُّ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: لَمَّا أَحْيَا اللَّهُ تَعَالَى عُزَيْرًا بَعْدَ مَا أَمَاتَهُ مِائَةَ سَنَةٍ رَكِبَ حِمَارَهُ حَتَّى أَتَى مَحَلَّتَهُ فَأَنْكَرَهُ النَّاسُ وَأَنْكَرَ النَّاسَ وَمَنَازِلَهُ فَانْطَلَقَ عَلَى وَهْمٍ حَتَّى أَتَى مَنْزِلَهُ فَإِذَا هُوَ بِعَجُوزٍ عَمْيَاءَ مُقْعَدَةٍ قَدْ أَتَى عَلَيْهَا مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً كَانَتْ عَرَفَتْهُ وَعَقَلَتْهُ فَقَالَ لَهَا عُزَيْرٌ: يَا هَذِهِ هَذَا مَنْزِلُ عُزَيْرٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ هَذَا مَنْزِلُ عُزَيْرٍ وَبَكَتْ وَقَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْ كَذَا وَكَذَا سَنَةٍ يَذْكُرُ عُزَيْرًا قَالَ: فَإِنِّي أَنَا عُزَيْرٌ، قَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ فَإِنَّ عُزَيْرًا قَدْ فَقَدْنَاهُ مِنْ مِائَةِ سَنَةٍ لَمْ نَسْمَعْ لَهُ بِذِكْرٍ قَالَ: فَإِنِّي أَنَا عُزَيْرٌ كَانَ اللَّهُ أَمَاتَنِي مِائَةَ سَنَةٍ ثُمَّ بَعَثَنِي، قَالَتْ: فَإِنَّ عُزَيْرًا كَانَ رَجُلًا مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ وَيَدْعُو لِلْمَرِيضِ وَلِصَاحِبِ الْبَلَاءِ بِالْعَافِيَةِ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَرُدَّ لِي بَصَرِي حَتَّى أَرَاكَ فَإِنْ كُنْتَ عُزَيْرًا عَرَفْتُكَ، فَدَعَا رَبَّهُ وَمَسَحَ بِيَدِهِ عَلَى عَيْنَيْهَا فَصَحَّتَا وَأَخَذَ بِيَدِهَا وَقَالَ: قُومِي بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَطْلَقَ اللَّهُ رِجْلَيْهَا فَقَامَتْ صَحِيحَةً، فَنَظَرَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ: أَشْهَدُ أَنَّكَ عُزَيْرٌ، فَانْطَلَقَتْ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَهُمْ فِي أَنْدِيَتِهِمْ وَمَجَالِسِهِمْ وَابْنٌ لِعُزَيْرٍ شَيْخٌ كَبِيرٌ ابْنُ مائة سنة وثمانية عَشْرَةَ سَنَةً وَبَنُو بَنِيهِ شُيُوخٌ فِي الْمَجْلِسِ، فَنَادَتْ هَذَا عُزَيْرٌ قَدْ جَاءَكُمْ، فَكَذَّبُوهَا، فَقَالَتْ: أَنَا فُلَانَةٌ مَوْلَاتُكُمْ دَعَا لِي رَبَّهُ فَرَدَّ عَلَيَّ بَصَرِي وَأَطْلَقَ رَجْلِي وَزَعَمَ أَنَّ اللَّهَ كَانَ أَمَاتَهُ مِائَةَ سَنَةٍ ثُمَّ بَعَثَهُ، فَنَهَضَ النَّاسُ فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ فَقَالَ وَلَدُهُ: كَانَ لِأَبِي شَامَةٌ سَوْدَاءُ مِثْلُ الْهِلَالِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فَكَشَفَ عَنْ كَتِفَيْهِ فَإِذَا هُوَ عُزَيْرٌ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ وَالْكَلْبِيُّ: لَمَّا رَجَعَ عُزَيْرٌ إِلَى قَوْمِهِ وَقَدْ أَحْرَقَ بُخْتَنَصَّرُ التَّوْرَاةَ وَلَمْ يَكُنْ مِنَ اللَّهِ عَهْدٌ بَيْنَ الْخَلْقِ، فَبَكَى عُزَيْرٌ عَلَى التَّوْرَاةِ فَأَتَاهُ مَلَكٌ بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ فَسَقَاهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ فَمَثُلَتِ التَّوْرَاةُ فِي صَدْرِهِ فَرَجَعَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقَدْ عَلَّمَهُ اللَّهُ التَّوْرَاةَ وَبَعَثَهُ نَبِيًّا، فَقَالَ: أَنَا عُزَيْرٌ فَلَمْ يُصَدِّقُوهُ فَقَالَ: إِنِّي عُزَيْرٌ قَدْ بَعَثَنِي اللَّهُ إليكم لأجدد ٤٦/ب لَكُمْ تَوْرَاتَكُمْ قَالُوا: أَمْلِهَا عَلَيْنَا، فَأَمْلَاهَا عَلَيْهِمْ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ، فَقَالُوا: مَا جَعَلَ اللَّهُ التَّوْرَاةَ فِي صَدْرِ رَجُلٍ بَعْدَمَا ذَهَبَتْ إِلَّا أَنَّهُ ابْنُهُ، فَقَالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وَسَتَأْتِي الْقِصَّةُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (٢) .
(١) بالضم، القطعة من الحبل.
(٢) انظر: الدر المنثور: ٢ / ٢٧-٢٨.
1 / 321