165
{ رسلا } نعت رسلا الأول أو الثانى ، ويقدر للآخر مع الاعتراض أو حالا من أحدهما ، ويقدر كذلك للآخر ، أو حال من إحدى الهاءين ، ويقدر للآخر ، وكل من الحال والنعت موطىء ، لأن المقصود وصفه بقوله { مبشرين ومنذرين } لا ذاته ، أو ينصب على المدح ، أو يقدر أرسلنا رسلا مبشرين ومنذرين ، ويجوز أن يكون بدلا لهذا القيد ولا ضعف فى قولك جاز زيد ، زيد بنعمرن كما ادعى بعض المحققين { لئلا يكون للناس } متعلق بأرسلنا المقدر ، أو تنازعه مبشرين ومنذرين { على الله حجة } معذرة ، بأن يقولوا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك الخ ، وبأن يقولوا ، إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين ، وبأن يقولوا ، لولا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم { بعد الرسل } بعد إرسال الرسل بالكتب من عنده ، والآية دليل على أن حجة الله على عباده الكتب والرسل والعقل ، وهذا مذهبنا ومذهب الأشاعرة ، وإنما زيد العقل لأنه إنما يكلف العاقل ، ولا نقول بالتقبيح والتحسين العقليين كما قالت المعتزلة : إن العقل يدرك الأمور الشرعية كلها بلا كتاب ولا رسول ، إنما الكتب والرسل للتشبيه ، وأن معنى الآية لم يبق على الله حجة وإن لم يرسل الرسل والكتب فقد نصت الأشعرية على أنه لا حجة عليه أيضا ، لأن له أن يفعل فى خلقه ما شاء ، والمعتزلة بهذا أولى ، لأن العقل عندهم وحده حجة ، والمذهب أن عليه الحجة بمعن الحق عنده ، والحكمة أن تعذيبهم بلا بيان لهم ظلم ، إلا أنى أقول حجة الله فى توحيده على خلقه أيضا العقل ، فإنه يدرك انفراد الله بالألوهية بعقله لدلائل المخلوقات ، فإذا أدرك الانفراد دعاه ذلك إلى خدمة من أوجده وأنعم عليه ، فيذهب ولو كان فى جزيرة لم يلق أحدا ، إلى من يعلمه كيفية الخدمة ، فيصح بهذا أن صاحب الجزيرة غير معذور ، إن لم يكن على دين نبى من الأنبياء والرسل ، والكتب مبينة ومفصلة لدلائل العقل ، وقومنا يقولون : كل كافر جاءه ملك ، أو من شاء الله D فدعاه إلى الإسلام فمن ذلك ما رووا عن الحسن البصرى أن أصحاب رسول الله A قالوا لرسول الله A : ما حجة الله على كسرى فيك؟ قال : « بعث الله D ملكا فأخرج يده من سور جدار بيته الذى هو فيه يتلألأ نورا ، فلما رآها فزع ، فقال : لم تفزع يا كسرى ، إن لله قد بعث رسولا وأنزل عليه كتابا فاتبعه تسلم من دنياك وأخراك ، وقال : سأنظر فى ذلك » ، وكما روى ، أنه دعا يأجوج ومأجوج ليلة الإسراء فأبوا ، واللام متعلقة بمنذرين ، فيعمل مبشرين فى الضميرين ، وحذف لأنه فضلة ، أى مبشرين له ، أى لأجله ، أى لانتفاء الحجة على الله لعباده ، ولو علق بمبشرين لذكر الضمير ، مع منذرين ، هكذا ، منذرين له أى لأجله ، أى لانتفاء الحجة على الله ، وعلى الله متعلق بالاستقرار الذى تعلق به اللام ، أو بقوله للناس لنيابته عنه ، أو لا خبر للكون فيتعلقان به ، أو يتعلق به الله ، وعلى الله خبر ، وبد نعت الحجة ، أو متعلق بالكون أو بالخبر أو بنائبه { وكان الله عزيزا } لا يغالب على ما أراد وفى عقاب الكفار { حكيما } فى كل ما أراد ، وفى العذاب بعد الإنذار ، قال ابن عباس : دخل على رسول الله A جماعة من اليهود ، فقال لهم : إنى والله أعلم أنكم لتعلمون أنى رسول الله ، فقالوا : ما نعلم ذلك ، وأنى رؤساء مكة رسول الله A فقالوا : يا محمد ، إنا نسأل اليهود عنك وعن صفاتك فى كتابهم فزعموا أنهم لا يعرفونك ، ونزل ، إنا أوحينا إليك كما أوحينا .
صفحة ٢١٤