47
{ يآأيها الذين أوتوا الكتاب ءامنوا بما نزلنا } أى القرآن { مصدقا لما معكم } من التوراة والإنجيل { من قبل أن نطمس } فى الدنيا والآخرة { وجوها } نمحو ما فيها من حواجب وعيون وأنوف وأفواه ، فتكون كالقفا لا أنف ولا فم ولا عين ولا حاجب فقوله { فنردها على أدبارهآ } بيان للإجمال ، قيل أى نصيرها على صورة الأقفاء ، أو المعنى نجعل الوجوه مكان الأقفاء ، والأقفاء مكان الوجوه ، وفى كل من ذلك تشويه عظيم يوجب الغم الشديد والأول أشد ، أو المعنى من قبل أن نزيل عزتها ووجاهتها ونكسوها الذلك والإدبار ، أو من قبل أن نقبحها ، أو من قبل أن نرده إلى حيث كانت ، وهو أريحا وأذرعات من الشام ، إذ كانوا فيها قديما ، فجاءوا إلى الحجاز وبلاد العرب ، أو من ذلك؛ إذ أجلى النضير إلى الشام فطمس آثارهم من الحجاز وبلاد العرب ، أو من قبل أن نغير أحوالهم بالطبع على قلوبهم إلى الضلال ، أو من قبل أن نذل رؤساءهم ، ولما دخل غعمر بن الخطاب رضى الله عنه الشام فى خلافته قرأ قارىء هذه الآية ليلا ، فسمعها كعب الأحبار ، وقد جاء من اليمن ، يريد بيت المقدس ، فبادر إلى عمر صبحا ، وهو فى حمص ، سافر إليها من المدينة ، فأسلم أو جدد إسلاما له سابقا ضعيفا ، وقال بت خائفا أن أطمس وأمسخ ، كما قال الله جل وعلا ، وقد قيل رجع إلى أهله باليمن فجاء بهم وأسلموا قبل وصول بيت المقدس { أو نلعنهم } يجزى أصحاب الوجوه المدلول عليهم بالوجوه ، أو نخزى الوجوه أى الرؤساء ، أو نخزى الذين أوتوا الكتاب ، النفاتا من الخطاب إلى الغيبة ، وذلك الخزى بالمسخ قردة وخنازير { كما لعنآ أصحاب السبت } بالمسخ ، وكذلك روى أنه لما نزلت وسمعها عبد الله بن سلام قادما من الشام بادر إلى رسول الله A قبل أن يأتى أهله فى المدينة ، وقال يا رسول الله : لسانك كما لعنا أصحاب السبت على لسان داود عليه السلام ، وهو أظهر لقوله تعالى : قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة الآية ، فجمع بين اللعن والمسخ ، فتبين أنه غير المسخ ، وعلى التفسير بالمسخ رفع الله المسخ بإيمان البعض كما يرد الله العذاب عن قومه لرجل فيهم أو لأطفال المخاض ، أو المراد أنهم استحقوا الطمس لا وعيد به فلم يتخلف وعيد ، وقيل سيكون ، وهوبعيد ، لأن الذين باشروا الكفر على عهده A أحق به ، وأجيب بأن عادة الله الانتقام من أخلاف اليهود بما فعلوا من اتباع أسلافهم ، قال المبرد : لا بد من طمس ومسخ فى اليهود قبل قيام الساعة { وكان امر الله } قضاؤه كله { مفعولا } لا يبطل يوم أحد فقتله فلم يعتقه ، فكتب من مكة هو وأصحابه إلى رسول الله A خدعنا ومنعنا من الإسلام ما تقرؤه حين كنت بمكة ، والذين لا يدعون مع الله إلها آخر الآية ، وقد فعلنا ذلك كله ، فنزل إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا الآيتين ، فكتب بهما A إليهم فكتبوا إليه ، إنا نخاف أن لا نعمل عملا صالحا فنزل قوله تعالى :
{ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء } فبعثها إليهم ، فبعثوا إليه ، إنا نخاف أن لا نكون من أهل مشيئته تعالى ، فنزل قل يا عبادى الذين أسرفوا .
صفحة ١٠٧