تفريج الكرب في معرفة لامية العرب
تصانيف
•علوم البلاغة
مناطق
•المغرب
الإمبراطوريات و العصور
العلويون أو الفيلاليون الشرفاء (المغرب)، ١٠٤١- / ١٦٣١-
تفريج الكرب عن قلوب أهل الأرب في معرفة لامية العرب
تأليف أبي عبد الله محمد بن قاسم بن عبد الواحد بن زاكور الفارسي المتوفى سنة ١١٢٠هـ-١٧٠٨م
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وصحبه وسلم يقول أفقر الخلق إلى المعبود بالحق، المشفق من خلله المأثور عبد الله محمد بن قاسم بن محمد بن عبد الواحد، عرف بابن زاكور رحمه الله تعالى: الحمد لله الذي جعل معرفة كلام العرب من أقوى دواعي الطرب، من اجل أنه أحل من الضرب، على الناس في ذوقه متفاوتو الرتب. وصلى الله على سيدنا محمد أفصح العرب قاطبة، فإنه بلغ مشارق البيان ومغاربه، واسترق ساريه وساربه، فلو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل فصاحتهم يأتوا بمثلها ولو ظاهر صاحب منهم صاحبه. ولكانت نسبة كلامهم من كلامه عليه أفضل صلاة الله وعلى اله وصحبه وأزكى سلامه، وإن قادوا البيان بخطامه، وأفرغوا السحر في قالب نثره ونظامه، نسبة الترب من التبر، والخشب من الذهب.
ومع هذا فإن معرفة كلامهم، وسيلة إلى معرفة كلامه، وما أنزل عليه وسبب، فكانت لذلك من أعظم الوسائل وأجل القرب، فلذلك ما شرحت لامية العرب، وأجلستها على البيان من مرتقب، وكشفت عن وجهها الذي طالما قد انتقب، مقتصرا في إبداء معناها الذي قد احتجب، على ما قد تعين من القول ووجب، فجاء شرحا كثير العجب، ناقعا لغلل أهل الأدب، فسميته تفريج الكرب عن قلوب أهل الأرب في معرفة لامية العرب، فرج الله تعالى كروبنا وغفر ذنوبنا، وجبر بمعرفته قلوبنا.
قال الشنفرى عمرو بن مالك الأزدري:
أقيموا بني أمي صدور معطيكم ... فإني إلى قوم سواكم لأميل
المطي كالمطايا جمع مطية: وهي الدابة تمطو في سيرها أي تجد وتسرع، وإقامة صدور المطي: إعمالها في السير، والتوجه بها إلى وجهة، ويقصد به الجد في الأمر، والانتباه من الغفلة، فيكون تمثيلا على سبيل الاستعارة، وهذا هو المراد هنا كما قيل، وهو الظاهر، وأصله في الراكب ينام على راحلته فتنحرف به عن القصد فيقال له: أقم صدر مطيتك، أي انتبه من نومك. والميل إلى الشيء: الانحراف إليه بالقلب، والأميل: الأشد ميلا، وبنوا أمه، قيل: هم فهم وعدوان. والقوم سواهم رهطه من الأزد، وكان نازلا في بني أمه، فعير، فرحل إلى قومه، وهذا التعيير سبب قوله القصيدة.
والمعنى: جدوا بابني أمي في أمركم فإنكم غارون، وانتبهوا فإنكم نائمون عن شأني الذي هو غير شأنكم، وبمراحل عما تتوهمونه من ميلي إليكم لكوني نازلا فيكم، فإنني أشد ميلا إلى قوم غيركم، أي ميلي إليهم أكثر من ميلي إليكم وان كنت بعيدا منهم، وهواي معهم وان لم أكن فيهم، وهذا إنذار لبني أمه برحيله عنهم، ثم قال:
فقد حمت الحاجات والليل مقمر ... وشدت لطيات مطايا وارحل
حم الأمر-بالبناء لما لم يسم فاعله-قدر. ومعنى "الليل مقمر": ذو قمر وقد يقصد منه: الأمر واضح، وهو تمثيل على سبيل الاستعارة، ولا تبعد إرادته هنا، ومنه قول الشاعر:
وخالدٌ قال لي قولا قنعت به ... لو كنت اعلم أنّى يطلع القمر
والطيات، كالنيات لفظا ومعنى، وواحدها طية كنية، وهو ما ينويه المسافر من وجه. وواحد الأرحل، رحل: وهو مركب للبعير كالراحول. وشد الرحل: إيثاقه. وشد المطايا: بمعنى شد أرحلتها وأدواتها.
والمعنى: فقد قدرت الحاجات الداعية إلى ارتحال عنكم، والحالة أن الزمان مساعد على ذلك، وهو الليل المقمر، فإن السير فيه يسمى سرى، وعاقبته محمودة عند الصباح، ولاسيما إذا كان الليل مقمرا، فإن السرى في القمر يبلغ الغاية، فترتفع بحمده في الصباح الراية، ولست بأوحد في الارتحال، فإن الناس قد تهيئوا له، وشدوا أرحلهم على مطاياهم لقصد جهات مختلفة في طلب الحاجات، فليفيهم أسوة. فهذه أمور كل منها يدعو إلى الارتحال، وهي تقدير الحاجات، ومساعدة الزمان، والائتساء بالإخوان، فاجتماعها يكون ادعى إلى ذلك.
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى ... وفيها لمن خاف القلى متحول
المنأى: المكان الذي ينأى إليه، أي يبعد. والكريم هنا: العزيز والسيد الواسع الخلق. والقلي: البغض. الموضع الذي يحصل التحول إليه وهو المعني.
1 / 1
يقول والأرض واسعة، ففيها ما يبعد العزيز عن الإذلال والإذاية، وفيها أيضًا ما إذا تحول إليه من خاف وبال البغض، وسوء عاقبته سلم وامن. وهذا معنى قول بن أوس المزني:
وفي الناس إن رثت حبالك واصل ... وفي الأرض عن دار القلى متحول
وافهم قوله: "وفي الأرض منأى. . . البيت".
إن الأرض واسعة غير ضيقة على الراغب في الاعتزاز، والراهب من القلى، فأكد هذا المفهوم بقوله:
لعمرك ما بالأرض ضيق على امرئٍ ... سرى راغبًا أو راهبًا وهو يعقل
لعمرك: -بالفتح-أي لحياتك، وقيل: لدينك.
يقول: لحياتك قسمي ما في الأرض من ضيق على امرئٍ سرى، أي سار ليلا في حالة كونه راغبا في العز مثلا، أو راهبا من عقبى العداوة، وهو يعقل، أي يميز ما رغب فيه، وما رهب منه، فحيثما وجد المرغوب فيه أقام، فتتسع عليه الأرض بوجدان الراحة بإدراكه، وحيثما وجد المرهوب منه رحل، فتتسع عليه الأرض بالخلاص منه، وهذا معنى ضيق الأرض وسعتها، فمرجعه في الحقيقة إلى انقباض النفوس وانشراحها بحسب إدراكها الملائم وغيره كما أفصح به من قال:
لعمركما ضاقت بلاد بأهلها ... ولكن أخلاق الرجال تضيق.
ولي دونكم أهلون سيد عملس ... وأرقط زهلول وعرفاء جيال
الأهلون: جمع أهل، وأهل الرجل: عشيرته، وذوو قرباه، وهو هنا استعارة لما ذكره من السيد-بالكسر-وهو من أسماء الذئب. والعملس بفتح العين المهملة، والميم واللام المشددة-الخبيث من الذئاب. والأرقط: النمر، سمي بذلك لرقطته، وهي سواد مشوب بنقط بيض. والزهلول-بزنة عرجون-الأملس. والعرفاء هنا: الضبع، سميت بذلك لان لها عرفا بضم العين: أي شعرا في عنقها. وجيال: من أسماء الضبع، فهو بدل من عرفاء. وهو على وزن "فيعل" ومعرفة بلا ألف ولا لام، قاله في الصحاح.
ومعنى البيت: ولي دونكم بابني أمي أهلون، أي مؤالفون وحوش القفار والمفاوز، وهم ذئب خبيث، ونمر أملس، وضبع ذات عرف. والمقصود انه اعتاد السفر، وتكرر من قطع المهامه حتى الفته وحوشها فصارت له بمثابة الأهل، أي فلا يؤدني الرحيل، ولا يشق علي السير.
هم الرهط لا مستودع السر شائع ... لديهم ولا الجاني بما جر يخذل.
الرهط: في معنى الأهل. والسر المستودع: الذي أودع، أي جعل وديعة عند الشخص، بمعنى أن من القي إليه يطلب منه كتمانه.
يقول: هم-أي ما ذكر من الوحش-الرهط لا غيرهم، بمعنى أنهم أحق باسم الأهل والرهط من الناس، فإن من استودعهم سرا كتموه فلم يفش عندهم، ومن جنى جناية على احد لم يسلموه إليه بجريرته، فيكون ذلك خذلانا منهم له، فأين هم من المسمين بالأهل، الذين يشيع لديهم مستودع السر، ويخذلون الجاني بما جر فيسلمونه إلى المجني عليه.
وكل أبي باسل غير أنني ... إذا عرضت أولى الطرائد أبسل.
الأبي: الذي يأبى الدنايا، ولا يقبل الضيم، فعله: أبي بالكسر إباء بالكسر أيضًا. والباسل هنا: الأسد، أو الذي بسل بسولا: عبس غضبا أو شجاعة، فهو أيضًا بسل وبسيل. وعرضت: ظهرت. والطرائد: جمع طريدة، بمعنى مطرودة، وهي من الإبل ما يزعج من محله في الغارات.
والمعنى: وكل واحد مما ذكرته من الآهلين حمي الأنف، لا يضام، شديد الكشيمة، لا يرام بهوان، غير أنني اشد إباء لذلك منها، إذا ظهرت الأولى من الإبل التي شلت في الغارة، وتبعها أربابها لاستنقاذها وهم أحرد شيء إذا ذاك، واشد حنقا، يكادون يتميزون من الغيظ علينا، فناهيك بقتالهم، وبشجاعة من يجول في مجالهم، ولا يكترث بنزالهم، ثم قال:
وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن ... بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل.
الأجشع - بتقديم الجيم على الشين-الأكثر جشعا، بالتحريك، وهو اشد الحرص وأسوؤه، وان يأخذ الإنسان نصيبه وعينه من نصيب غيره.
يقول: إذا اجتمع الناس على زادهم، ومدوا أيديهم لتناوله، لم أكن أنا أكثرهم عجلا إليه بأن اسبقهم إلى ذلك جميعهم، أما سبق بعضهم فقط، كما إذا سبق بعض الآكلين الجميع فتلاه بعضهم على الفور قبل غيره، فإن ذلك لا يكون عيبا، بل ربما كان من مكارم الأخلاق، لما فيه من رفع الحشمة عن السابق. بما يناسبه بذلك، ولذلك نفى عنه الأعجلية دون مطلق العجل، فإن لا يكون من الزلل، ولا يعد صاحبه مخطئا فيدعى على أمه بالهبل.
1 / 2
ويدل لما قلناه قوله: "إذا اجشع القوم أعجل". أي اشد القوم حرصا على الطعام لشدة نهمه، أشدهم عجلا إلى مد اليد إلى الزاد.
ووجه الدلالة منه انه علل نفي كونه أعجل بان سببه شدة الجشع في الخارج، فيستدل بالأعجلية على الجشع فيذم بذلك من حيث انه عنوان على شدة النهم، فالذم في الحقيقة إنما هو بالجشع، أما إذا كان سبب العجلة ما قلنا، فلا ذم، والله اعلم سبحانه، ثم قال:
وما ذاك إلا بسطة عن تفضل ... عليهم وكان الأفضل الم
تفضل.
البسطة هنا: السماحة والسعة في الكرم. والتفضل كالإفضال: الإحسان، يقال: أفضل علينا وتفضل.
والمعنى: وليس انقباض يدي عن تناول الزاد قبلهم لعلة سوى سماحة ناشئة عن إحسان إليهم، أو سوى سعة في إحسان إليهم.
ف "عن" بمعنى "في" على هذا التقدير الأخير، وكان المتفضل أي المحسن، الأفضل بالنصب على انه خبر كان مقدما على اسمها، وجملة "وكان الأفضل. . . الخ". أكدت ما أفهمته التي قبلها بمعرفة المقام من كون المتفضل أكثر فضلا من غيره، وهذا يسمى تذييلا، وقد تكون الجملة المذيلة مؤكدة لمنطوق ما قبلها، وهي على كل حال لا محل لها من الإعراب.
ومن الناس من يسمي مثل هذه الجملة اعتراضا، وان كان في آخر الكلام بناء على انه عنده لا يختص بأثناء الكلام الواحد، أو ما في معناه من الكلامين المتصلين معنى، ولا مشاحة في الاصطلاح، ونكتة هذا التذييل أو الاعتراض الحث على التفضل.
وإني كفاني فقد من ليس جازيًا ... بحسنى ولا في قربه متعلل.
كفاني كذا: أي احسبني، ووجدت فيه الكفاية. والحسنى: ضد السوأى. والمتعلل: موضع التعلل، أي التلهي والتجزي.
يقول: لا أبالي بفقد الشخص الذي ليس مكافئا على الفعلة الحسنى وليس في قربه-أي القرب منه-ما يتعلل به من قرب منه، أي لا خير فيه فتتلهى به نفس من قرب، وتتكلف الاجتزاء به لقلته، فقد كفاني فقد هذا المذكور أي خوف فقده.
ثلاثة أصحاب: فؤاد مشيع ... وأبيض إصليتٌ، وصفراء عيطل.
ومن لا يخاف فقده لأجل وجود هذه الثلاثة، يكون وجوده مساويا لعدمه، من اجل عدم الانتفاع به. والفؤاد المشيع-بضم الميم وفتح الشين المعجمة والياء المشددة-: الشجاع الجريء، كأنه شيع بغيره أو بقوة أودعها الله فيه. والأبيض الإصليت بكسر الهمزة: السيف الصقيل الماضي، وفي معناه: الصلت والمنصلت. والصفراء العيطل-بالعين المهملة-القوس الطويلة.
ف "فؤاد" وما عطف عليه تفصيل لإجمال ثلاثة أصحاب، فؤاد قوي، وسيف صقيل ماضٍ، وقوس صفراء طويلة، ولعلها أجود القسي عودا وأبعدها مرمى.
ثم وصف القوس بما يدل على جودتها فقال:
هتوف من الملس المتون يزينها ... رصائع قد نيطت عليها ومحمل
إذا زال عنها السهم حنت كأنها ... مرزأة عجلى ترن وتعول
الهتوف من القسي: المصوتة بكثرة، ومثله الهتافة والهتفة كالجمزى في التحريكة. والمتون: الظهور، واحدها متن. والرصائع، جمع رصيعة: وهي كل حلقة مستديرة، فلعل القسي العربية كانت تزين بالحلق المستديرة.
ومن الناس من فسر الرصائع هنا بسيور مضفورة وليس ذلك في القاموس، ولا خير فيما لا يوجد فيه إن شاء الله. والمحمل: العلاقة. وحنين القوس: تصويتها. والمرزأة: الكثيرة الرزايا، أي الكصائب. والرنين: التصويت، رنت القوس ترن. و"عجلى" صفة "مرزأة" فهي بمعنى عجول بفتح العين: وهي الوالة من النساء لفقد ولدها. والإعوال: رفع الصوت بالبكاء، وجملة "ترن" في موضع نصب على الحال من "مرزأة".
والمعنى: اشبهت القوس بتصويتها، عند مفارقة السهم لها، امرأة كثرت أرزاؤها، والها، في حال كونها ترن وترفع صوتها بالبكاء.
ولست بمهياف يعشي سوامة ... مجدعة سقبانها وهي بهل.
المهياف: الشديد العطش. والسوام: النعم الراعي كالسائمة. أسام الإبل: رعاها. وعشاها بالتشديد: رعاها ليلا، فهي عاشية، وفي المثل: العاشية تهيج الآبية. أي الراعية تبعث التي امتنعت من الرعي عليه. والسقبان-بالضم-أولاد الإبل، ومن الناس من خص به الذكور.
1 / 3
ومنهم من قال: إنما يسمى السقب ساعة الولادة. وتجديع السقبان: إساءة غذائها كإجداعها. والبهل، جمع باهل: وهي الناقة التي لا صرار عليها. والصرار-بالصاد المهملة بزنة كتاب-ما يشد به ضرع الناقة، يقال: أبهلها إذا أهملها من ذلك، وترك ولدها يرضعها.
يقول: لست راعيا شديد العطش، أو سريعة، في حال كونه يرعى إبله ليلا حالة كون الإبل جائعة الولاد لقلة اللبن، وفي حال كونها غير مشدودة الضروع من أجل ذلك، إذ لا فائدة من شدها حين لا لبن، فأولادها ترضعها لو كان الرضاع يغنيها من جوع، أو يسمنها، وهذه حالة شديدة. نفى عن نفسه أن يكون من ذكر مؤكدا للنفي بزيادة الباء في الخبر، لأن الكون على تلك الحال تسوء معه الأخلاق وتحج به الصدور.
ولا جبإٍ أكهى مرب بعرسه ... يطالعها في شأنه كيف يفعل.
الجبأ -بوزن سكر-: الجبان. والأكهى بالهاء: الجبان الضعيف. فهو تأكيد للجبان أي نعت له مفيد للتأكيد بما فيه من الزيادة على معنى الأول، يقال منه: كهي كرضي. والإرباب بالعرس-أي الزوجة ملازمتها. ومطالعتها في الشأن: مؤامرتها فيه.
يقول ولست أيضًا بجبان، ضعيف، ملازم لزوجته، يؤامرها في شؤونه، كيف يفعل فيها، فقوله: كيف يفعل "تفسير ل "يطالعها" أي يسألها كيف يفعل فيما عن له من شأنه. وناهيك بضعف من يسأل النساء، ويرجع إلى إشارتهن في الأمور، ومشورتهن في الشؤون، فإنهن ناقصات عقل ودين، والمحتاج إليهن في ذلك أنقص عقلًا، وأضعف رأيًا.
ولا خرق هيق كأن فؤاده ... يظل به المكاء يعلو ويسفل.
الخرق-بالخاء المعجمة المفتوحة بوزن كتف-: الذي خرق كفرح، أي دهش من خوف أو حياء، فاتحا عينيه ينظر. وخرق الطائر: لم يقدر على الطيران. والهيق: الدقيق الطويل. والمكاء-بضم الميم وفتح الكاف المشددة-: طائر جمعه مكاكي. وأما المكاء بالتخفيف: فالتضفير بالفم، أو النفخ في الأصابع مشبكة. والمكاء بالتشديد: ذو مكاء بالتخفيف، ولذلك يسمى الصافر، وهو طائر جبان يضرب به المثل فيقال: "أجبن من صافر". ولذلك ما خص الشنفرى بظنه في فؤاد الخرق الهيق. والفؤاد: ما يتعلق بالمريء من كبد ورئة وقلب.
والمعنى على تشبيه القلب في الاضطراب من الدهش والخوف بالمكاء. وهو تشبيه مكنى عنه لا مصرح به. وبيان الكناية انه يلزم من ظن المكاء في الفؤاد ظن القلب مكاء. لأن الذي في الفؤاد-على التحقيق-القلب، والظن المذكور استفيد من خبر "كأن". فغنه إذغ كان فعلا كما هنا، أو ظرفا، أو مشتقا، أشربت "كان" معنى الظن.
وتقدير البيت: ولست أيضًا بذي دهش طويل في نحافة، فإن ذلك من إمارات الحمق غالبا، مظنونًا فؤاد ذلك الخرق يقيم به المكاء حالة كونه عاليا وسافلا، أي يرتفع وينخفض من شدة الدهش.
ولا خالف دارية متغزلٍ ... يروح ويغدو داهنا يتكحل
الخالف: الذي خلف: بمعنى فسد أو حمق، ويسمى بهذا المعنى الثاني خالفة أيضًا، أو الذي خلف عن أصحابه. بمعنى تخلف عنهم، أو الذي خلف غيره: أي صار خليفته في أهله. والدراية: من لا يفارق البيوت. وقيل: الذي يكثر الادراء لغيره: أي الختل. فتاؤه-عليهما-للمبالغة كعلامة، ونسابة. والمتغزل: الذي يتكلف الغزل-بالتحريك-: وهو محادثة النساء، ومرادودتهن، غازلهن وغازلته.
يقول: ولست بالفاسد الذي يخلف عن أصحابه: أي يتخلف عنهم، أو يخلفهم في أهاليهم بالريبة، لا يفارق البيوت لذلك يغازل النساء ويغازلنه، رائح غادٍ متطيبًا، متكحلًا يستميل بذلك النساء.
والمقصود نفي كونه خالفا، لا خالفا موصوفا بالأوصاف المذكورة حتى يقال: لا يلزم من نفي الخالف الموصوف بها نفي الخالف غير الموصوف بها، على أنه-والله العالم سبحانه-لا وجود للخالف بدون تلك الأوصاف فهي مفسرة له، كاشفة عن معناه، تشعر بذمه، ومع ذلك فإن نفوس ذوي الهمم من العرب كانت تأنف من ذلك في جاهليتها، وتذم فاعله غاية الذم، ويتمدحون بغض البصر عن الجارات، قال عنترة: ﴿الكامل﴾
وأغض طرفي عن بدت لي جارتي ... حتى يواري جارتي مأواها
وقال عقيل بن علفة المري:
ولست بسائل جارات بيتي ... أغياب رجالك أم شهود
ولا ملق لذي الودعات سوطي ... ألاعبه وربته أريد
ولست بصادرٍ عن بيت جاري ... صدور العير غمره الورود.
1 / 4
ولست بعل شره دون خيره ... ألف إذا ما رعته اهتاج أعزل
العل-بفتح العين المهملة وتشديد اللام-: من يزور النساء كثيرًا، ومن تقبض جلده من مرض، والمسن الصغير الجثة. وهذه المعاني صالحة هنا كلها. أما الذي يكثر الزيارة للنساء فإنه يتخلق بأخلاقهن فيكثر شره، ويقل خيره، كالذي تقبض جلده من المرض، فإنه يفسد مزاجه، ويحرج صدره، ولا تسل عن شره وندور خيره.
وأما الثالث فلأن دمامة الخلق- بالفتح- يلازمها ذمامة الخلق في الغالب. وألف-بتشديد الفاء-العيي، البطيء الكلام، إذا تكلم ملأ لسانه فمه، وهو أيضًا الثقيل البطيء المقرون الحاجبين. وكلا المعنيين يعاب به لكونه يدل على نقص باطني. والاهتياج: الثوران، كالهيج والهيجان، والهياج بالكسر. والروع: الفزع. والأعزل: الذي لا سلاح معه.
وجملة "شره دون خيره" في موضع خفت على النعت ل "عل" و"ألف" و"أعزل": نعتان له مقطوعان، أي هو ألف، وهو أعزل، والثاني هو المقطوع، والأول تابع لمتبوعه في الإعراب. والمقصود من هذه النعوت مجرد الذم للمنعوت، على أن الأول وهو: "شره دون خيره" مبين لملازم معنى المنعوت كما أومأنا إليه أنفا، ومعنى: "شره دون خيره" أي شره أدنى الناس من خيره، وضره أقرب إليهم من نفعه، فشره حائل بينه وبين خيره فلا يصلون إليه، وهذا بحسب الدلالة الوضعية.
أما المقصود: فنفي خيره على سبيل المبالغة، لا نفي الوصول إليه مع وجوده، لأن وجود الخير غنما يدرك بنيله والوقوف عليه، وهو متنفٍ بكون الشر دونه، أي لا يعلم فيه خير يشوب شره، ونفع يخالط ضره، وأفهم نفي هذه الأوصاف المذمومة عنه، ثبوت أضدادها المحمودة له، فهو خيره دون شره، قريب البيان، فصيح اللسان، ثبت الجنان، لا يهتاج لقعقعة الشنان، ملازم السلاح، مستعد للكفاح.
ولست بمحيار الظلام إذا انتحت ... هدى الهواجل العسيف يهماء يعمل.
المحيار: الكثير الحيرة. والانتحاء: القصد. اليعمل: الجمل النجيب المطبوع على العمل، والناقة يعملة. واليعمل واليعملة اسمان لا يوصف بهما كما في القاموس.
واليعمل فاعل انتحى. ويروى: "هوجل": وهي الناقة السريعة، وانتحت بتاء التأنيث. والهدى-بضم الهاء وفتح الدال-الرشاد والدلالة، والمراد هنا الطريق والقصد، لأنه يهتدى بالطريق له، والهوجل هنا: الدليل. والعسيف-بكسر العين والسين المشددة المهتملين: الذي يكثر من قطع المفاوز على غير طريق، مبالغة بالعاسف.
"وهدى" منصوب ب "انتحت" على أنه مفعول به، أو مفعول مطلق مرادف لمصدر الفعل، لن المعنى: انتحى انتحاء الهوجل، أو المعنى: اهتدى هداه.
وتقدير البيت: ولست بشخص كثير الحيرة في الظلام، بمعنى يقع التحير منه كثيرا، أي تكثر مراءلته، أو يشتد ما يقع منه من ذلك بحيث لا يجد مخرجا، وقد يقال: لا يحتاج إلى هذا، إذ لا يسمى تحيرا إلا ما كان مثل هذا. أما التوقف الذي يعقبه الاهتداء فليس بحيرة، ولا يذم به صاحبه، وقلما يسلم منه، فلأجل هذا خص النفي بما يدل على الكثرة في ذلك وهو محيار بزنة "مفعال" الذي هو من أمثلة المبالغة في تكثير المعنى، ونفي ذلك عنه أفاد ثبوت ضده له وهو أنه كثير الاهتداء إلى قصد السبيل عند اشتباك الظلام، فلا تعمى عليه المسالك، إذا قصد جمل مطبوع على العمل به قصد الدليل الذي يكثر منه عسف اليهماء: أي المفارزة التي يهيم فيها السالك.
ف "يهماء" -على ما قررنا- مفعول بالعسيف، وأسند على الجمل لأنه هو الذي يسير، فالراكب تابع في القصد للمركوب، والمركوب تابع للراكب في الاهتداء والتحير، ولذلك ما نفى التحير عنه دون الجمل. وهذه من لطائف البلاغة، وأسرار الفصاحة.
وجعل طريق الدليل هدى، لأن من يسلكها يجد عليها هدى، فكان الطريق هدى من الليل الذي سلكها أولا لمن يسلكها بعده.
ويجوز أن يفسر الهدى بالراحة هنا، لاهتداء راكبها بها. ف "هدى" عليه فاعل "انتحت"، و"يعمل" بدل منه، و"يهماء" بالنصب مفعوله.
والتقدير: إذا قصدت راحلة الهوجل العسيف وهي يعمل يهماء.
إذا الأمعز لاقى مناسمي ... تطاير منه قادح ومفلل.
الأمعز: المكان الصلب. والصوان جمع صوانة: ضرب من الحجارة شديد. فالأمعز الصوان: صاحب الصوان. والمناسم جمع منسم: مقدم الخف. والقادح: الذي يقدح النار. والمفلل: المكسر.
1 / 5
وصف بعيره بصلابة أخفافه بحيث تؤثر مناسمها في الأماكن الصلبة إذا لاقتها. فتطير منها أحجارا قادحة للنار، وأخرى مكسورة من شدة الوطء وصلابة ما يباشر الأرض من الأخفاف.
أديم مطال الجوع حتى اميته ... واضرب عنه الذكر صفحا فأذهل.
المطال: كالمطل: تأخير الحق. يقال: مطله وما طله بحقه: لواه، أي أخره. والصفح: مصدر صفح، يصفح-بفتح الفاء فيهما-أعرض وأذهل-بالفتح-مضارع ذهلت عن الشيء، بالفتح، ذهلا، أو أذهلت عنه بالكسر ذهولا: نسيته، والذكر: التذكر. وضربه من الجوع صفحا: الإعراض عما يقتضيه من الأكل إعراضا، وهذا عين مطاله الذي يديمه حتى يميت الجوع وأي يكسر سورته، ويقتل كلبه بدوام مصابرته بأن يرتاض به فلا يتأثر به بعد. وغاية ذلك أن يذهل عن وجوده، وألا يحس بحر وقوده.
وأستف ترب الأرض كي لا يرى به ... علي من الطول امرؤ متطول.
استفاف الترب كسفه، والسويق: أخذه غير متلوت. والطول-بفتح الطاء المهملة-الفضل و"من" زائدة للتوكيد. والمتطول: المتفضل.
يريد أنه إذا دار أمره بين أن يستف التراب، أو أن يتحمل منة من ذي من، فإنه يختار استفاف التراب.
وتقدير البيت: وأستف تراب الأرض لأجل ألا يرى بسبب ذلك على امرؤ متفضل فضلا.
بمعنى أن هذه عادتي، فسف التراب عند خوف المنة متحقق في حقه ماض بالنسبة لزمان تكلمه، فالتعبير بالمضارع لحكاية حالة سفه التراب الماضية، فهو يستحضر به صورة السف لفظاعتها.
أو يقال: إن المعتاد مستقبل العودة كما هو ماضي البدء، فالتعبير بالمضارع عما يعود منه يعود منه حقيقة، وعما مضى منه مجازا.
ولولا اجتناب الذم لم يلف مشرب ... يعاش به إلا لدي وما كل.
يعني أن اجتنابة الذم المحقق بحسب دعواه بشهادة "لولا" فإنها تقتضي وجود شرطها، وامتناع جوابها لوجوده، والشرط هنا اجتناب الذم، فهو الذي أرقى همته، وقمع نهمته، ومنع من وجدان المشارب والمآكل التي يعاش بها عنده، ولولا ذلك-أي لو قدر عدم اجتناب الذم بعدم المبالاة به-لم يوجد شيء مما ذكر إلا عنده.
ولكن نفسًا حرة لا تقيم بي ... على الذم إلا ريثما أتحول.
النفس الحرة: هي الكريمة التي تأنف من الدنايا، وتستهل من جنبها المنايا. والريث هنا: القدر، و"لكن" هنا للاستدراك المحقق لوجود اجتناب الذم المانع من ارتكاب ما تضمنه الجواب الذي امتنع لوجوده، فيتحقق امتناع مضمون الجواب، وذلك مفهوم من "لولا" في البيت الأول فيكون هذا تأكيدا لذلك.
وبالجملة: إن هذا من الاستدراك المشتمل على الإثبات للذي لم يتوهم نفيه لمجرد التأكيد. وقد يكون بالنفي لما يتوهم ثبوته كذلك. ومن قول أبي سلمى بن ربيعة:
فلو طار ذو حافر قبلها ... لطارت ولكنه لم يطر.
فإن "لو" أفادت امتناع طيران ذي الحافر، فارتفع توهمه فاستدراكه بعد يكون للتأكيد.
وتقدير البيت: ولكن نفسا كريمة لا تستمر بي على ما أذم به إلا ما انتقل عنه.
والمعنى أنه لا يقيم لحظة، فاستثناء مقدار التحول من مقدار الإقامة استثناء من غير الجنس، أفاد ذلك مبالغة في عدم الإقامة على الذم. فالإقامة والتحول - أي قدره - متغايران، وقد حصر ما أثبته من الإقامة في التحول الذي هو ضدها بلا تأول، وذلك محال لا يخطر ببال، فتكون الإقامة على الذم من المحال، وهذا هو المسمى بعلم البديع بتأكيد المدح بما يشبه الذم، ومن شواهده قول النابغة:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
فاستثناء فلول السيف من العيب، كاستثناء التحول من الإقامة في بيت الشنفرى، ففلول السيف مدح أفرغ في قالب الذم، أكد المدح بنفي العيب لتحقيقه أنه لم يوجد من إفراد العيب شيء، وكذلك القول عن الذم مدح عظيم مفرغ في قالب الذم، حيث استثني من نفي الإقامة على الذم والاستثناء من النفي إثبات، فيقتضي إثبات الإقامة على الذم، وكونها تحولا عنه مؤكد لنفيها وبرهان على استغراق النفي بجميع إفراد الإقامة على الذم.
وأطوي على الخمص الحوايا كما انطوت ... خيوطه ماري تغار وتفتل
الحوايا: الأمعاء التي تحوت، أي استدارت، واحدها حوية - بوزن غنية- وحاوية وحاوياء.
1 / 6
والخمص مصدر خمصه الجوع: أضمره. وخمص البطن - مثلث الميم-أي خلا والخيوطة - بالتاء- كالخيوط، والأخياط: جمع خيط. والماري: كساء صغير لخطوط مرسلة، وإزار الساقي من الصوف المخطط. وتغار: يحكم فتلها. ف "الحوايا" مفعول "أطوي" أي: أشد الأمعاء على جوعها فتنطوي كما انطوت خيوط الكساء، والإزار الماري في حال كونها تفتل ويحكم فتلها، وانطواء الخيوط في حالة الغزل على المغزل في غاية الانضمام والتداخل. فيستفاد من تشبيه طي الأمعاء به شدة جوعها، وفرط خلائها من الغذاء والرطوبات، واستيلاء اليبس عليها، فتضمر وتنضم ولا كانضمام الخيوط عند إحكام الفتل.
وأغدو إلى القوت الزهيد كما غدا ... أزل تهاداه التنائف أطحل
القوت: ما يمسك الرمق. والزهيد: القليل والضيق، أو المرغوب عنه، بمعنى المزهود فيه، المحتقر. فهذا يناسب قوله: "وأستف ترب الأرض. . . البيت" والأزل: الذئب القليل لحم الألية، وخصه لأن ذلك أشد لوثوبه وسرعة سيره. والأطحل: ذو الطحلة-بالضم-وهي لون بين الغبرة والبياض والتنائف، جمع تنوفة وهي المفازة. وهل وزن التنوفة "فعولة" أو "تفعلة"؟ خلاف ذكرناه في "فرائد التبيان في شرح قلائد العقيان" "وتهاداه": أصله تتهاداه بتاءين مضارع "تهادته" أي أهده بعضها إلى البعض. وهو استعارة لخروجه من بعضها إلى ما يليه في سيره لطلب قوته، وهذه الاستعارة تسمى تبعية لأنها في الفعل، وسميت بذلك لكونها بالتبع لمصدر الفعل، بمعنى أن المصدر محل التشبيه الذي انبنت عليه الاستعارة، فجرى أولا ذلك في المصدر، ثم تبعه في الفعل.
ومعنى البيت: وأسير غدوة مثلا إلى محل القوت المزهود فيه فرارا من الذم سيرا حثيثا شبيها بسير الذئب القليل لحم العجز، المغبر اللون إلى قوته في ذلك الوقت في حال كونه تتهاداه المفاوز، وتتدفعه أولاها إلى ما يليه وهكذا.
وغدو الذئب في طلب قوته بالغ الغاية في الإبعاد والسرعة، لاسيما إذا كان أزل. فتشبيه غدوه بغدو الذئب لبيان حاله في الغدو في طلب القوت الذي ينجيه من المقت المحقق، لشدة اجتنابه من الذم. فمضمون هذا البيت، والذي قبله، الاحتجاج على ما ادعاه فيما قبلهما من اجتناب المذمات وأنفته من الدنيات.
ثم أخذ يشرح أحوال الذئب في سيره على القوت ليتعلم منها حاله هو في الطلب لكونها مثلها، فقال:
غدا طاويا يعارض الريح حافيا ... يخوت بأذناب الشعاب ويعسل.
الطاوي: الذي طوى يطوي: أي لم يأكل شيئًا متعمدًا لذلك والمعارضة: المباراة. ويخوت-بالخاء المعجمة-يسرع هنا، من خوت البازي والعقاب: أي انقضاضهما، هو أسرع ما يكون. وأذناب الشعاب: أسافلها، وعسلان الذئب، كعسله: خببه في مشيته.
فجملة "غدا" استئنافية لا محل لها - لأجل ذلك - من الإعراب، ويجب فصلها عن التي قبلها المقتضية سؤالا يجاب عنه بالثانية، وبيان ذلك أن قوله: "كما غدا" اقتضى أن يقال: كيف غدا؟ فيقال: غدا طاويا، ولو تحقق السؤال لوجب فصل الجواب عنه، فكذلك يجب فصل الجواب عما يتضمن ذلك السؤال، ويسمى الفصل استئنافيًا كالجملة المستأنف بها.
والمعنى: غدا الذئب لطلب القوت في حال كونه جائعا، وهذه الحالة لازمة له، ولذلك يقولون: "رماه الله بداء الذئب"، أي الجوع، وغدا أيضًا حالة كونه يباري الريح في السرعة، وفي حال كونه ينحدر في أسافل الشعاب مسرعا كما ينقض البازي، وفي حال كونه يضطرب في مشيته من شدة السرعة. وواحد الشعاب، شعبة: وهي مسيل الماء إلى الوادي.
فلما لواه القوت من حيث أمه ... دعا فأجابته نظائر نحل.
لويت فلانا: مطلته بحقه وهو هنا استعارة لعدم وجدان الذئب القوت في المحل الذي أمه: أي قصده. ولما لم يجد ذلك عوى من خيبته في مطلبه فأجابته نظائر: أي؟ أشباه له، في حالة من الجوع ومن طلب القوت على الحال الذي وصف، ناحلة مهزولة من أجل ذلك.
مهللة شيب الوجوه كأنها ... قداح بكفي ياسر تتقلقل.
المهللة: التي تشبه الهلال، وهذا استعمال غريب مخل بفصاحة الكلمة، إذ لم يعهد استعمال "فعل" بالتشديد في التشبيه. ونظير "مهللة" هنا "مسرج" في قول العجاج:
وفاحمًا ومرسنًا مسرجًا
1 / 7
أي: كالسيف السريجي في الدقة والاستواء، أو كالسراج في البريق واللمعان. والشيب، جمع أشيب: وهو ها هنا المتغير لون الوجه على سبيل الاستعارة. والقداح، جمع قدح بالكسر: وهو السهم قبل أن يراش. وتقلقل القداح: تحريكها واضطرابها، ومن لازم ذلك تصويتها. والياسر: الذي يجيلها ويفرقها، فعله يسر-بالفتح-ييسر بالكسر.
والمعنى على تشبيه الذئاب العاوية الضامرة من الجوع بقداح الميسر المصوتة عند اضطرابها في كف المفيض: وهو الياسر، فقوله: "تقلقل" لا يتم المعنى بدونه. و"مهللة" بالرفع، من صفات النظائر.
أو الخشرم المبعوث حثحث دبره ... محابيض أرساهن سام معسل.
الخشرم-بالخاء والشين المعجمتين-النحل والزنابير، واحدته بهاء والمبعوث: الذي هيج من محله. والدبر-بالفتح-جماعة النحل والزنانبير وبكسر الدال أيضًا فيهما.
والأليق بالنظر إلى الدبر أن يفسر الخشرم بمأوى النحل هنا، أو بأميرها، وهما من معاني الخشرم أيضًا.
وحثحثة الدبر: تحريكه بالمحابيض، بالضاد المعجمة، جمع محبض بزنة "منبر"، وهو عمود يشار به العسل ويطرد به الدبر. وإرساء المحابيض: إثباتها. والسامي المعسل: المرتقي لطلب العسل، كالمستعسل ف "الخشرم" معطوف على "قداح".
والمعنى على تشبيه الذئاب النحل في حالة عوائها بأمير النحل الذي حرك دبره بالأعواد المسماة بالمحابيض مريد عسلها، وصوت النحل إذ ذاك متوفر متواتر وتشبيهها بالنحل المبعوث أدل على شدة صوتها من تشبيهها بالقداح المضطربة في كفي الياسر.
مهرتة فوٌه كأن شداقها ... شقوق العصي كالحات وبسل.
المهرتة الواسعة الأشداق. والفوه، جمه أفواه وفوهاء: للواسع الفم ومن تخرج أسنانه من شفتيه مع طولها. وصفة ذلك: الفوه بالتحريك. والكالحات: المتكشرات في عبوس. والبسل: جمع باسل: وهو الكريه المنظر هنا.
وصف الذئاب بسعة الأشداق، وببروز أنيابها لطولها من شفتيها، وبالعبوس وكراهة المنظر من أجل سعة أفمامها حتى أشبهت أشداقها شقوق العصي في الطول مع التزاق أحد الشقين بالآخر.
فضج وضجت بالبراح كأنها ... وإياه نوح فوق علياء ثكل.
الضجيج: صياح الجازع والمغلوب. والبراح: الفضاء. والنوح جمع نائحة. والعلياء: المكان العالي. والثكل، جمع ثاكل: وهي الفاقد لولدها.
ويقول: فصاح الذئب صياح محزون، وصاحت معه النظائر النحل في الفضاء في حال كونها وإياه تشبه نساء فاقدات لأولادهن نائحات عليها فوق مكان مشرف، وهذا الضجيج غير دعائه وإجابتها لأن ذلك إجابة للصوت من بعيد. وهذا بعد الاجتماع، ولذلك رتبه على ما تقدم بالفاء التي تقتضي التسبيب.
فأغضى وأغضت وابتسى وابتست به ... مرامل عزاها وعزته مرمل.
أغضى-بالغين والضاض المعجمتين- أدنى الجفن من الجفن. وأغضى الشيء: سكت عنه. وابتسى-بالموحدة التحتية قبل المثناة الفوقية-أنس، كبسأ بزنة: "جعل" و"فرح". وهو في الأصل مهموز فسهل الهمزة ألفًا هنا ضرورة. والمرامل: التي نفذ زادها، واحدها مرمل "فمرامل" فاعل "ابتست". "ومرمل" فاعل "عزاها".
يقول: فأغضى الذئب، وأغضت الذئاب: أي سكتت بعد الصياح مدنية لجفونها، وأنس هو بها، وأنست به، مقفرات من الطعام، صبرها مقفر مثلها، وصبرته هي.
ويصح أن يكون "مرامل" خبر مبتدأ محذوف، أي "هي مرامل"، وهو أولى لسلامته من وضع الظاهر وضع المضمر، والله أعلم سبحانه.
وأولى من التقديرين أن يكون منصوبًا على الحال من فاعل "ابتست" وهو ضمير الذئاب.
شكا وشكت ثم ارعوى بعد وارعوت ... وللصبر إن لم ينفع الشكو أجمل.
الإرعواء: النزوع عن الجهل، وحسن الرجوع عنه.
1 / 8
يقول: شكا الذئب للذئاب عند اجتماعهم ما يجده من الجوع والخيبة في الطلب، وشكت هي له ذلك. ثم نزع عن ذلك بعد، وكفا وكفت هي أيضًا عن الشكوى، صابرة على تلك البلوى، وللصبر أكثر جمال من الشكوى إن لم يكن لها نفع. والمشاركة بين الصبر والشكوى في الجمال بحسب اعتقاد الشاكي على ما يقتضيه الطبع، وإلا فلا جمال للجزع والشكوى بالنسبة للصبر، حتى يكون الصبر زائدا عليه بعد المشاركة، نعم قد يكون الجزع في بعض المواطن هو الجميل دون الصبر كفقد الدين ومن جاء بالدين، خاتم النبيين، وإمام المرسلين ﷺ وعليهم أجمعين، فإنه كما قال شاعره حسان بن ثابت ﵁:
والصبر يحمد في المواطن كلها ... إلا عليك فإنه مذموم
وفاء وفاءت بادرات وكلها ... على نكظٍ مما يكاتم مجمل.
الفيئة: الرجوع. والبادر: الذي بدر غيره على الأمر: سبقه إليه وعاجله. والنكظ-بالنون والكاف والظاء المشالة محركة-الجهد والمشقة هنا والمكاتمة: الكتم والكتمان أي الإخفاء. والإجمال: التؤدة والاعتدال في الطلب من غير إفراط.
و"بادرات" منصوب على الحال من فاعل "فاءت". و"كلها" مبتدأ خبره "مجمل عليها" بسكون الجيم وكسر الميم. و"على نكظ" حال من الضمير المستتر في الخبر. و"على" فيه بمعنى "مع" و"ما" في "مما يكاتم" موصول إسمي و"يكاتم" صلته، والعائد محذوف لأنه منصوب بالفعل.
وتقدير البيت: ثم ارعوى وارعوت ورجع عوده على بدئه، ورجعت هي أيضًا في حال كونها سابقات إلى الفيئة، وكل واحد منها متئد في طلب القوت، معتدل فيه، ليس معه شيء من الإفراط المؤذن بشدة الحرص مع جهد ومشقة كائن من الذي يخفيه من الجوع الشديد الذي لا يشبه الجوع، وقد قدمنا المثل الذي يضرب به في جوع الذئب، وهو قولهم "رماه الله بداء الذئب" ويقولون أيضًا: "هو كالذئب يغبط بذي بطنه وهو جائع". وإذا كان الذئب-وهو حيوان أعجم من أحقر الحيوانات على ما يكابده من التعب المفرط من الجوع والحاجة الشديدة-ليس بشدد الحرص على القوت فينبغي للإنسان وهو فاهم عاقل إلا يكون شرا من الذئب في ذلك.
واشرب أسار القطا الكدر بعدما ... سرت قربا أحناؤها تتصلصل
الأسآر: البقايا، واحدها سور، والقطا، كالقطوات، جمع قطاة: وهي طائر معروف: وهي ثلاثة أنواع منها الكدر. والكدرة: غبرة في الألوان وقد ذكرنا أنواع القطا مفسرة في "شرح قلائد العقيان" عند قول المعتمد:
بكيت إلى سرب القطا إذ مررن بي ...
والقرب بالتحريك: سير الليل لورد الغداة. والأحناء: الأضلاع، والتصلصل: التصويت.
قوله "أشرب" معطوف على قوله "أغدو إلى القوت" والتقدير: وأشرب بقايا الماء الفاضل عن القطا الكدر بعد ورودها، وهو أسبق الطير ورودا. فشربه أسآرها: المراد منه سبقه إليه وتبكيره، وسرعته في السير إليه بحيث لا يسبقه إليه إلا القطا الذي هو أسرع الطير ورودا؛إذ لو سبق غير القطا لكان ما يشربه أسآر الغير، لأن السؤر يضاف إلى الشارب الأخير.
فتبين مما قررنا به شرب أسآر القطا أنه كناية، أريد بها لازم معناه منا لسرعة والسبق إليه مع المعنى أيضًا، وهو سبق القطا إياه إلى الورود، أي يشرب بعد شرب القطا، بعد سراها-أي القطا-قربا: أي سيرها الليل لتصبح الماء في حالة تصويت أحنائها في طيرانها إلى الماء، فقوله: "بعدما سرت" ظرف لما دل عليها القطا من شربها.
والتقدير: ويشرب الفاضل عن شرب القطا الكائن ذلك الشرب بعد سرى القطا قربا، أي سراها سرى قرب.
فقوله "قربا منصوب على المفعولية المطلقة، لأن القرب نوع من السرى باعتبار الحامل عليه. ووقع في هذا البيت تصحيف فيما بيدي من نسخ القصيدة، فكتب:" وتشرب بالتاء الموهمة أن الفعل للذئاب، مع أنه له، وذلك يقتضي أن يكتب بالهمزة، ويدل لها قوله:
هممت وهمت وابتدرنا فأسدلت ... وشمر مني فارطٌ متمهل.
فإنه صريح في أنه أدركها عند المنهل قبل ورودها، فابتدر كل منهما إليه، أي عاجل كل منهما الآخر إلى الورود بعد الهم به الكائن من كل منهما.
1 / 9
فأسدلت هي: أي أرخت أجنحتها لترد الماء بعد الابتدار، وشمر منه هو أي جد فارط: أي سابق متقدم على الواردين إلى الماء، وهو نفس ذلك الفارط، انتزع من نفسه فارطا مبالغة في كونه هو فارطًا تنبيهًا على كمال صفة الفروط فيه، وبلوغها الغاية، حتى ساغ له أن ينتزع منه شخصا موصوفا. بمثل تلك الصفة، وهذا الانتزاع يسمى "تجريدا" في عرف أهل البديع، والمفيد له هنا "من" فهي تجريدية، ولا ينحصر ذلك فيها، بل قد يكون بالباء التجريدية كقولهم: "لقيت فلانا أسدًا وبحرًا" مثلا، وقد يكون بغير ما ذكر وهو كثير. والمتمهل: المتئد الذي يمشي على مهل، وهذا يدل على تشاركهما في الشرب، واتحادهما في زمانه، فلم تسبقه، فلم يرد سؤرها حينئذ إلا أنيقال: شرب السؤر لا يدل على تقدم المسئر، فإنه قد يتحقق مع الاصطحاب، فإن كلا من المصطحبين في الشرب مبق سؤرا: أي بقية، فعودهما للشرب بعد عود للسؤر، أي: عود كل منهما عود لسؤر الآخر، فهو شارب سؤرها، وهي شاربة سؤره.
وقد يقال: يتمخض له شرب السؤر في زمان الاصطحاب أيضًا لقصر زمان شربها، وطول زمان شربه، فيتأخر عنها وإن لم تتقدم عليه.
على أن قوله-بعد-صريح في تقدمه عليها وهو قوله:
فوليت عنها وهي تكبو لعقره ... تباشره منها ذقون حوصل
إلا أن يريد بقوله: "فوليت عنها" لتشرب قبله، ويريد بذلك أنه لم يزاحمها ولم ينفرها مع قدرته على ذلك عملا على ما تقتضيه مكارم الأخلاق، وهو الأليق بالمقام، لأنه في سياق الافتخار، والتمدح بمحاسن الخلال.
وهذا كله بناء على ما سبق إلى الوهم أن اللفظ "أشرب" بصيغة مضارع المتكلم. وبعد كتبي ما تقدم تبين لي أن اللفظ "وتشرب" "أسآري" بالتاء في "تشرب" وفاعله القطا، و"أسارية" مفعول به، وعليه فلا يحتاج إلى تآويل والله أعلم.
قوله: "تكبو لعقره أي تنكب على وجهها في عقر البئر، أي مقام الشاربة من الحوض، أو مؤخره. ومصدر تكبو: الكبو بالفتح والسكون، والكبو بالضمات وتشديد الواو. والذقون، جمع ذقن بالتحريك: وهو مجتمع اللحيين من أسفلهما، وقد تكسر قافه. وباعتبار ذلك، جمعه على "فعول" وجمعه باعتبار التحريك "أذقان". والحوصل، كالحوصل والحوصلاء.
قال في القاموس: "أسفل البطن إلى العانة من كل شيء" انتهى. وحوصلة الطائر معلومة تجمع على حواصل.
والمعنى أنه أدبر عنها وتركها منكبة على أذقانها في محل قيام الشاربة من الحوض، أو في مؤخره، ومباشرة له بأذقانها وحواصلها.
وجملتا قوله: "تكبو لعقرها" وتباشره منصوبان على الحال من الضمير المجرور ب "عن" أو الثانية حال من فاعل "تكبو" وعلى كل من التقديرين: فالجملة الثانية مفسرة للأولى، لأن الكبو: الإنكباب على الوجه، ولا يتصور بدون مباشرة الأذقان والحواصل الأرض.
كأن وغاها حجرتيه وجاله ... أضاميم من سفر القبائل نزل.
الوغى: الصوت. والحجرة-بضم الحاء وسكون الجيم-ما يمسك الماء من شفة الحوض هنا. والجال بالجيم-جانب البئر، وناحيتها، كالجول بالضم. والأضاميم جمع إضمامة-بكسر الهمزة-وهي الجماعة من الناس. فوزن أضاميم إذا "فعاليل". والسفر: جماعة المسافرين.
يقول: كأن أصوات القطا الواردة الكائنة في الموضعين اللذين يمسكان ماءه المخرج من قعره، وفي جانبه وناحيته، لفظ جماعات كائنات من مسافري قبائل شتى في وقت النزول. ووجه الشبه: الاختلاط، والاختلاف، وعدم التبين مع التواتر.
قوله: "حجرتيه" منصوب على الظرفية المكانية. و"جاله" معطوفة عليه، و"أضاميم" على حذف مضاف أي: "صوت أضاميم" و"نزل" كمن سفر القبائل نعت للأضاميم وفي اعتبار وصف الدال على الحدث، اعتبار لزمان حدوثه، فلذلك ما قلت في التقدير وقت النزول.
توافين من شتى إليه فضمها ... كما ضم أذواد الأصاريم منهل.
توافوا: تتاموا. والأذواد -بإعجام الأولى وإهمال الثانية- جمع ذود بالفتح، وفي كونه جمعًا لا واحدة له، أو واحدا خلاف. والذود: ثلاثة أبعرة إلى العشرة، أو إلى خمسة عشر، أو عشرين، أو ثلاثين، أو ما بين الثنتين والتسع، أولا يكون إلا من الإناث، أقوال. والأصاريم جمع أصرام، جمع صرم بالكسر: وهو الجماعة، والمنهل: الغدير.
يقول: انتهى -يعني القطى- إلى البئر مجتمعين عنده، فحازها كما حاز منهل إبلا كثيرة لأحياء كثيرة.
1 / 10