تذكرة الراشد برد تبصرة الناقد
أقول: اسكت يا غندر(1)، ولا تتكلم بالسوء والهجر(2)، أما دريت أن ابن الهمام كثيرا ما يرجح قول غير الأمام أبي حنيفة من أقوال تلامذته، إذا وافقتها الأخبار الصحاح، ويشير إلى ضعف قول أبي حنيفة إذا خنقته الأحاديث الصحاح، نعم لا يسبه ولا يشتمه، ولا يطعن عليه بأمر قبيح، ولا يتكلم في حقه بالوصف الشنيع، وهذا هو عين الإنصاف، ويقابله التعصب والاعتساف، وهو أن يجمد على قول إمامه، وإن خالف الحديث الصريح، ولا يفتي بقول غيره وإن كان تلميذه، وإن وافق الحديث الصحيح، فإن كان التحقيق والأيمان عندك منحصرا في طريقتك من التكلم في حق أبي حنيفة بالكلمات الخبيثة، فابن الهمام وسائر الأعلام وجميع الكرام وكل واحد من أهل الإسلام يتعوذون من هذه الطريقة، ويعدونها من الذنوب الكبيرة، وأما أنه لا يترك قول الحنفية مطلقا وإن خالف الحديث صريحا، فهو قول خال عن التحصيل، لا يرتضي به رب التكميل، فليس قول من أقوال الحنفية مخالفا بالكلية لجميع الأحاديث الصحيحة، لا أقول: إنه ليس قول من أقوال المشائخ المدرجة في كتب الحنفية، لاسيما الفتاوى التي هي كالصحاري مخالفا لها بالكلية، بل أقول: ليس قول من أقوال أبي حنيفة وتلامذته ومستفيديه أرباب المناقب العلية مخالفا لها بالكلية، فكم من أقوالهم يخالف حديثا صحيحا، ويوافق حديثا صحيحا، وكم من أقوالهم يخالفه عند الظاهرية الذين يرمون ظواهر المباني، ولا ينالون بواطن المعاني، ولا يخالفه عند أرباب الحقيقة الذين يخوضون في أنهار المعاني، ويغوصون في بحار المباني، فيستخرجون منها الدرر، ويفوزون بالحظ الأوفر، ومن ادعى أن قولا من أقوالهم يخالف جميع الأحاديث الصحيحة الصريحة ولا يوافقها بوجه من الوجوه المرضية، وليست عنهم رواية أخرى توافق قول المصطفى صلى الله عليه وعلى آله، وبلغه إلى المرتبة الكبرى، فقد أتى بالفرية القصوى، وارتكب جناية عظمى، وليات من يدعى ذلك بمثال يصدق دعواه وليناد شهداءه وأنصاره لاإبات فحواه، فإن لم يفعل ولن يفعل فليتق الله النار التي هي مأوى الألد الخصم ومثواه.
وذكرت الجواب عن الثالث: لإن في العبارة إيهام أن هذه المسائل متفق عليها، ومفتي بها عند الحنفية، مع أن بعضها ليس كذلك.
قال ناصرك المختفي: ليس في العبارة ما يدل على ما ذكرت.
أقول: لا شبهة في وجود الإبهام، وهو أمر يلزم الاجتناب عنه على الكرام ، وذكرت في الجواب عن الثالث: إن صفة كونه جدليا إنما يذكرونها في أثناء مدحه، فكيف يكون المراد الجدل الذي هو موجب لنقصه، مع أنه ليس المراد بقولهم: الجدلي ما توهمه، بل المراد به علم الجدل والخلاف، وهو من فروع أصول الفقه، وداخل تحت المناظرة والإنصاف به من الكمالات الإنسانية، وأيضا حمل الجدلي على المتعصب والمجادل مطلقا يرده قوله تعالى لنبيه: {وجادلهم بالتي هي أحسن}.
قال ناصرك المختفي: علم الجدل والخلاف الغرض منه الزم الخصم، وهو أدل دليل على التعصب.
أقول: ليس إلزام الخصم مطلقا دليلا على التعصب والتصلب، بل قد يكون الإلزام مقتضي الأنصاف إذا كان الخصم ذا اعتساف، ليبهت ويقر بالصدق، ويزهق السحت، ويظهر الحق، ألا ترى إلى ما قصه الله في كتابه بقوله: {الم تر الى حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيى ويميت قال أنا احي وأميت قال إبراهيم فان الله يأتي بالشمس من المشرق فات بها من المغرب فبهت الذي كفر}، وقد صرح العلماء بأن غرض المناظرة التي تكون لإظهار الصواب لا ينافيه معية شيء آخر معه.
صفحة ٦٢٣