ومن المعلوم أن كلها ليست بمنصوصة في القرآن، ولا ثبت بإجماع أرباب الشأن، وأكثرها مما لا مدخل فيه لاجتهاد المجتهدين، فلا بد أن تبلغه الأحاديث الكثيرة، والآثار الغفيرة؛ ليصح منه نظم مسائل الدين، فلو لم تكن تبلغه من الأحاديث إلا جملة قليلة لما صح إفتاؤه بهذه الفتاوى الجليلة(1).
السادس: أن المجتهدين والمحدثين وسائر العلماء المعتمدين اتفقت كلماتهم على أن أبا حنيفة كان من المجتهدين، وأطبقت عباراتهم على أنه معدود في المنتقدين؛ ولذلك ترى العلماء يذكرون قوله في معرض أقوالهم، ويدرجون حاله في أثناء أحوالهم، ويهتمون بآثاره رفعا وقدحا، ويعتنون بشأنه دفعا وجرحا.
فمع ذلك القول بأنه لم تبلغه إلا سبعة عشر لا يتفوه به إلا من بدماغه الضرر؛ فإن من لا يبلغه إلا هذا المقدار، لا يكون له اعتبار، ولا يعد من زمرة أرباب الاجتهاد، ولا يلتفت إلى قوله عند ذكر أقوال أرباب الاعتماد(2).