501

صور من حياة الصحابة

الناشر

دار الأدب الاسلامي

الإصدار

الأولى

ثُمَّ يَمَّمْنَا وَجْهَيْنَا شَطْرَ(١) المَدِينَةِ، فَلَمَّا بَلَغْنَاهَا؛ نَشَدْتُ(٢) أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ فَوَجَدْتُهُ وَاقِفاً يُغَدِّي الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ مُتَّكِىءٌ عَلَى عَضَاهٍ كَمَا يَصْنَعُ الرَّاعِي ... وَكَانَ يَدُورُ عَلَى القِصَاعِ وَهُوَ يَقُولُ لِغُلَامِهِ ((يَوْفَأَ)):

يَا يُوفَأُ زِدْ هَؤُلَاءِ لَحماً ...

يَا يُوفَأُ زِدْ هَؤْلَاءِ خُبْزاً ...

يَا يُوفَأُ زِدْ هَؤُلَاءِ مَرَقاً ...

فَلَمَّا أَقْبَلْتُ عَلَيْهِ ؛ قَالَ : اجْلِسْ .

فَجَلَسْتُ فِي أَدْنَى النَّاسِ؛ وَقُدِّمَ لِيَ الطَّعَامُ فَأَكَلْتُ.

فَلَمَّا فَرَغَ النَّاسُ مِنْ طَعَامِهِمْ قَالَ: يَا ((يُوفَأُ)) ارْفَعْ قِصَاعَكَ .

ثُمَّ مَضَى فَتَبِعْتُهُ.

فَلَمَّا دَخَلَ دَارَهُ اسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لِي؛ فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى رُقْعَةٍ مِنْ شَعْرٍ، مُتَّكِىءٌ عَلَى وِسَادَتَيْنِ مِنْ جِلْدٍ مَخْشُوَّتَيْنِ لِيفاً، فَطَرَحَ لِي إِحْدَاهُمَا فَجَلَسْتُ عَلَيْهَا .

وَإِذَا خَلْفَهُ سِتْرٌ فَالْتَفَتَ نَحْوَ السِّتْرِ وَقَالَ: يَا أُمّ كُلْثُومَ غَدَاءَنَا(٣) ...

فَقُلْتُ فِي نَفْسِي :

مَاذَا عَسَى أَنْ يَكُونَ طَعَامُ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ الَّذِي خَصَّ بِهِ نَفْسَهُ ؟ !.

فَإِذَا هُوَ خُبْزَةٌ بِزَيْتٍ عَلَيْهَا مِلْحٌ لَمْ يُدَقَّ ...

فَالْتَفَتَ إِلَيٍّ وَقَالَ: كُلْ، فَأَكَلْتُ وَأَكَلْتُ قَلِيلاً .

(١) يممنا وَجْهَيْنَا شَطْرَ المدينة: وجهنا وجهينا جهة المدينةُ.

(٢) نشدت أمير المؤمنين: طلبته وبحثت عنه. (٣) غداءنا: أي أعطِنا غداءنا .

508