إِلَيْهَا سَيِّداً فَاتِحاً تَخفُّ بِهِ الأَلُوفُ المُؤَلَّفَةُ مِنْ بِيضِ السُّيُوفِ وَسُمْرِ الرِّمَاحِ ...
وَإِذَا بزعماءُ قُرَيْشِ الَّذِينَ مَلَأُوا الأَرْضَ عُنْجُهِيَّةً وَغَطْرَسَةً(١) يُقْبِلُونَ عَلَيْهِ خَائِفِينَ وَاجِفِينَ؛ يَسْأَلُونَهُ الرَّأْفَةَ وَيَقُولُونَ: مَاذَا عَسَاكَ تَصْنَعُ بِنَا؟ !.
فَيَقُولُ لَهُمْ فِي سَمَاحَةِ الأَنْبِيَاءِ: (اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ) ...
عِنْدَ ذَلِكَ أَعَدَّ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ رَاحِلَتَهُ، وَمَضَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيُعْلِنَ إِسْلَامَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ وَمَعَهُ الْعَهْدُ الَّذِي كَتَبَهُ لَهُ قَبْلَ عَشْرِ سَنَواتٍ ..
قَالَ سُرَاقَةُ :
لَقَدْ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ((بِالجِعْرَانَةِ))(٢)، فَدَخَلْتُ فِي كَتِيبَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَجَعَلُوا يَقْرَعُونَنِي(٣) بِكُعُوبِ(٤) الرِّمَاحِ وَيَقُولُونَ:
إِلَيْكَ، إِلَيْكَ(٥)، مَاذَا تُرِيدُ؟ ! ... فَمَا زِلْتُ أَشُقُّ صُفُوفَهُمْ حَتَّى غَدَوْتُ قَرِيباً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ فَرَفَعْتُ يَدِي بِالكِتَابِ وَقُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللهِ ...
أَنَا سُرَّاقَةُ بْنُ مَالِكٍ ... وَهَذَا كِتَابُكَ لي ...
فَقَالَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:
(أُدْنُ مِنِّي يَا سُرَاقَةُ أُدنُ ... هَذَا يَوْمُ وَفَاءٍ وَبِرٌّ).
فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ وَأَعْلَنْتُ إِسْلَامِي بَيْنَ يَدَيْهِ.
وَنِلْتُ مِنْ خَيْرِهِ وَبِرِّهِ ...
(١) عُنْجُهِيَّةً وغَطْرَسَةً: تكبراً وتجبراً وتطاولاً.
(٢) الجعرانة: مكان بين مكة والطائف، وهو إلى مكة أقرب.
(٣) يقرعونني: يضربونني.
(٤) كعب الرمح: مؤخره.
(٥) إِلَيْكَ إِلَيْكَ: ابتعد، ابتعد.
466