459

صور من حياة الصحابة

الناشر

دار الأدب الاسلامي

الإصدار

الأولى

إِلَيْهَا سَيِّداً فَاتِحاً تَخفُّ بِهِ الأَلُوفُ المُؤَلَّفَةُ مِنْ بِيضِ السُّيُوفِ وَسُمْرِ الرِّمَاحِ ...

وَإِذَا بزعماءُ قُرَيْشِ الَّذِينَ مَلَأُوا الأَرْضَ عُنْجُهِيَّةً وَغَطْرَسَةً(١) يُقْبِلُونَ عَلَيْهِ خَائِفِينَ وَاجِفِينَ؛ يَسْأَلُونَهُ الرَّأْفَةَ وَيَقُولُونَ: مَاذَا عَسَاكَ تَصْنَعُ بِنَا؟ !.

فَيَقُولُ لَهُمْ فِي سَمَاحَةِ الأَنْبِيَاءِ: (اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ) ...

عِنْدَ ذَلِكَ أَعَدَّ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ رَاحِلَتَهُ، وَمَضَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيُعْلِنَ إِسْلَامَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ وَمَعَهُ الْعَهْدُ الَّذِي كَتَبَهُ لَهُ قَبْلَ عَشْرِ سَنَواتٍ ..

قَالَ سُرَاقَةُ :

لَقَدْ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ((بِالجِعْرَانَةِ))(٢)، فَدَخَلْتُ فِي كَتِيبَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَجَعَلُوا يَقْرَعُونَنِي(٣) بِكُعُوبِ(٤) الرِّمَاحِ وَيَقُولُونَ:

إِلَيْكَ، إِلَيْكَ(٥)، مَاذَا تُرِيدُ؟ ! ... فَمَا زِلْتُ أَشُقُّ صُفُوفَهُمْ حَتَّى غَدَوْتُ قَرِيباً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ فَرَفَعْتُ يَدِي بِالكِتَابِ وَقُلْتُ:

يَا رَسُولَ اللهِ ...

أَنَا سُرَّاقَةُ بْنُ مَالِكٍ ... وَهَذَا كِتَابُكَ لي ...

فَقَالَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:

(أُدْنُ مِنِّي يَا سُرَاقَةُ أُدنُ ... هَذَا يَوْمُ وَفَاءٍ وَبِرٌّ).

فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ وَأَعْلَنْتُ إِسْلَامِي بَيْنَ يَدَيْهِ.

وَنِلْتُ مِنْ خَيْرِهِ وَبِرِّهِ ...

(١) عُنْجُهِيَّةً وغَطْرَسَةً: تكبراً وتجبراً وتطاولاً.

(٢) الجعرانة: مكان بين مكة والطائف، وهو إلى مكة أقرب.

(٣) يقرعونني: يضربونني.

(٤) كعب الرمح: مؤخره.

(٥) إِلَيْكَ إِلَيْكَ: ابتعد، ابتعد.

466