344

صور من حياة الصحابة

الناشر

دار الأدب الاسلامي

الإصدار

الأولى

فَقَدْ كَانَ المَظْنُونُ بِرَجُلٍ مِثْلِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ حَبَاهُ اللَّهُ(١) ذَلِكَ العَقْلَ الرَّاجِحَ، وَيَسَّرَ لَهُ تِلْكَ القُرْبَى القَرِيبَةَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ المُؤْمِنِينَ بِهِ، المُصَدِّقِينَ لِدَعْوَتِهِ، المُهْتَدِينَ بِهَدْيِهِ.

وَلَكِنَّهَا مَشِيئَةُ اللَّهِ ...

وَمَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ ...

وَكَمَا نَعْجَبُ نَحْنُ مِنْ تَأَخُرِ إِسْلَامِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، فَقَدْ كَانَ يَعْجَبُ هُوَ نَفْسُهُ مِنْ ذَلِكَ.

فَهُوَ مَا كَادَ يَدْخُلُ الإِسْلَامَ وَيَتَذَوَّقُ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ، حَتَّى جَعَلَ يَعَضُّ بَنَانَ النَّدَمِ(٢) عَلَى كُلِّ لَحْظَةٍ قَضَّاهَا مِنْ عُمُرِهِ وَهُوَ مُشْرِكٌ بِاللَّهِ مُكَذِّبٌ لِنَبِيِّهِ.

فَلَقَدْ رَآهُ ابْنُهُ بَعْدَ إِسْلَامِهِ يَبْكِي، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ يَا أَبَتِ؟!

قَالَ: أُمُورٌ كَثِيرَةٌ كُلُّهَا أَبْكَتْنِي يَا بُنَيَّ:

أَوَّلُهَا بُطْءُ إِسْلَامِي مِمَّا جَعَلَنِي أَفُوتُ مَوَاطِنَ(٣) كَثِيرَةٍ صَالِحَةٍ حَتَّى لَوْ أَنَّنِي أَنْفَقْتُ مِلْءَ الأَرْضِ ذَهَبًا لَمَا بَلَغْتُ شَيْئًا مِنْهَا.

ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ أَنْجَانِي يَوْمَ ((بَدْرٍ)) وَ((أُحُدٍ)) فَقُلْتُ يَوْمَئِذٍ فِي نَفْسِي:

لَا أَنْصُرُ بَعْدَ ذَلِكَ قُرَيْشًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا أَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ، فَمَا لَبِثْتُ أَنْ جَرَرْتُ إِلَى نُصْرَةِ ((قُرَيْشٍ)) جَرًّا.

ثُمَّ إِنِّي كُنْتُ كُلَّمَا هَمَمْتُ بِالإِسْلَامِ، نَظَرْتُ إِلَى بَقَايَا مِنْ رِجَالَاتِ

(١) حَبَاهُ اللَّهُ: أعطاه الله.

(٢) يَعَضُّ بَنَانَ النَّدَمِ: كناية عن شِدَّة النَّدَم.

(٣) مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ: مَوَاقِفَ كَثِيرَةٍ.

350