288

صور من حياة الصحابة

الناشر

دار الأدب الاسلامي

الإصدار

الأولى

مِنْ شَرَابٍ؛ فَتَأْتِي ذَلِكَ أَشَدَّ الإِبَاءِ، وَتُقْسِمُ أَلَّا تَأْكُلَ أَوْ تَشْرَبَ حَتَّى تَمُوتَ أَوْ أَدَعَ دِينِي.

عِنْدَ ذَلِكَ قُلْتُ لَهَا: يَا أُمَّهُ إِنِّي عَلَى شَدِيدٍ مُحِبٌّ لَكِ لَأَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ... وَوَاللَّهِ لَوْ كَانَ لَكِ أَلْفُ نَفْسٍ فَخَرَجَتْ مِنْكِ نَفْسًا بَعْدَ نَفْسٍ مَا تَرَكْتُ دِينِي هَذَا لِشَيْءٍ.

فَلَمَّا رَأَتِ الجِدَّ مِنِّي أَدْعَنَتْ لِلأَمْرِ، وَأَكَلَتْ وَشَرِبَتْ عَلَى كُرْهٍ مِنْهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِينَا قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ:

﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾(١).

*** لَقَدْ كَانَ يَوْمُ إِسْلَامِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ أَكْثَرِ الأَيَّامِ بُؤْسًا بِالْمُسْلِمِينَ، وَأَجْزَلِهَا خَيْرًا عَلَى الإِسْلَامِ:

فَفِي يَوْمِ ((بَدْرٍ)) كَانَ لِسَعْدٍ وَأَخِيهِ ((عُمَيْرٍ)) مَوْقِفٌ مَشْهُودٌ؛ فَقَدْ كَانَ ((عُمَيْرٌ)) يَوْمَئِذٍ فَتًى حَدَثًا لَمْ يُجَاوِزِ الحُلُمَ إِلَّا قَلِيلًا، فَلَمَّا أَخَذَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَعْرِضُ جُنْدَ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ المَعْرَكَةِ تَوَارَى ((عُمَيْرٌ)) أَخُو سَعْدٍ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَرَاهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ فَيَرُدَّهُ لِصِغَرِ سِنِّهِ، لَكِنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَبْصَرَهُ وَرَدَّهُ؛ فَجَعَلَ عُمَيْرٌ يَبْكِي حَتَّى رَقَّ لَهُ قَلْبُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ وَأَجَازَهُ.

عِنْدَ ذَلِكَ أَقْبَلَ عَلَيْهِ سَعْدٌ فَرِحًا، وَعَقَّدَ عَلَيْهِ حِمَالَةَ سَيْفِهِ(٢) عَقْدًا لِصِغَرِهِ، وَانْطَلَقَ الأَخَوَانِ يُجَاهِدَانِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَقَّ الجِهَادِ.

(١) سورة لقمان: آية ١٥.

(٢) حمالة السيف: ما يعلق به على عاتق صاحبه.

294