278

صور من حياة الصحابة

الناشر

دار الأدب الاسلامي

الإصدار

الأولى

بَلْ إِنَّهُ أَغْرَى بِي(١) أَحَدَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ لِي الأَنْصَارِيُّ:

يَا عَدُوَّ اللَّهِ، أَنْتَ الَّذِي كُنْتَ تُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَتُؤْذِي أَصْحَابَهُ، وَقَدْ بَلَغْتَ فِي عَدَاوَةِ النَّبِيِّ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ...

وَمَا زَالَ الأَنْصَارِيُّ يَسْتَطِيلُ(٢) عَلَيَّ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ وَالْمُسْلِمُونَ يُقْتَحِمُونَنِي(٣) بِعُيُونِهِمْ، وَيُسَرُّونَ مِمَّا أُلَاقِي.

عِنْدَ ذَلِكَ أَبْصَرْتُ عَمِّيَ العَبَّاسَ فَلُذْتُ(٤) بِهِ، وَقُلْتُ:

يَا عَمُّ، قَدْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَفْرَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإِسْلَامِي لِقَرَابَتِي مِنْهُ، وَشَرَفِي فِي قَوْمِي، وَقَدْ كَانَ مِنْهُ مَا تَعْلَمُ، فَكَلِّمْهُ فِيَّ لِيَرْضَى عَنِّي.

فَقَالَ عَمِّي: لَا وَاللَّهِ .. لَا أُكَلِّمُهُ كَلِمَةً أَبَدًا بَعْدَ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ إِعْرَاضِهِ عَنْكَ إِلَّا إِنْ سَنَحَتْ فُرْصَةٌ؛ فَإِنِّي أُجِلُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَهَابُهُ.

فَقُلْتُ: يَا عَمُّ، إِلَى مَنْ تَكِلُنِي إِذَنْ(*)؟!

فَقَالَ: لَيْسَ لَكَ عِنْدِي غَيْرُ مَا سَمِعْتَ ...

فَتَمَلَّكَنِي الهَمُّ وَرَكِبَنِي الحُزْنُ، وَلَمْ أَلْبَثْ أَنْ رَأَيْتُ ابْنَ عَمِّي عَلِيًّا بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَكَلَّمْتُهُ فِي أَمْرِي، فَقَالَ لِي مِثْلَ مَقَالَةِ عَمِّنَا العَبَّاسِ.

عِنْدَ ذَلِكَ رَجَعْتُ إِلَى عَمِّي العَبَّاسِ وَقُلْتُ:

يَا عَمُّ، إِذَا كُنْتَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَعْطِفَ عَلَيَّ قَلْبَ الرَّسُولِ ﷺ؛ فَكُفَّ عَنِّي ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي يَشْتِمُنِي وَيُغْرِي(٦) النَّاسَ بِشَتْمِي، فَقَالَ:

صِفْهُ لِي؛ فَوَصَفْتُهُ لَهُ، فَقَالَ:

(١) أغرى بي أحد الأنصار: حرّضه عَلَيَّ.

(٢) يستطيل عَلَيَّ: يتطاول عَلَيَّ بالشتم.

(٣) يقتحمونني بعيونهم: ينظرون إليَّ نظراً فيه شِدّة.

(٤) لذتُ به: لجأت إليه.

(٥) إلى من تكلني: إلى من تتركني.

(٦) يغري: يرغب ويحض.

284