258

صور من حياة الصحابة

الناشر

دار الأدب الاسلامي

الإصدار

الأولى

ثُمَّ إِنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ خَلَّفَ لِوَرَثَتِهِ مَالاً لَا يَكَادُ يُحْصِيهِ العَدُّ ... حَيْث تَرَكَ أَلْفَ بَعِيرٍ، وَمِائَةً فَرَسٍ، وَثَلَاثَةَ آلَافِ شَاةٍ، وَكَانَتْ نِسَاؤُهُ أَرْبَعاً فَبَلَغَ رُبُعُ الثُّمُنِ الَّذِي خَصَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ثَمَانِينَ أَلْفًا.

وَتَرَكَ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ مَا قُسِّمَ بَيْنَ وَرَثَّتِهِ بِالفُؤُوسِ حَتَّى تَأَثَّرَتْ أَيْدِي الرِّجَالِ مِنْ تَقْطِيعِهِ.

كُلُّ ذَلِكَ بِفَضْلِ دَعْوَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وسلم بِأَنْ يُبَارِكَ لَهُ فِي مَالِهِ.

* * *

لَكِنَّ ذَلِكَ المَالَ كُلَّهُ لَمْ يَفْتِنْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَلَمْ يُغَيِّرْهُ؛ فَكَانَ النَّاسُ إِذَا رَأَوْهُ بَيْنَ مَمَالِكِهِ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ.

وَقَدْ أُتِيَ ذَاتَ يَوْمٍ بِطَعَامٍ - وَهُوَ صَائِمٌ - فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَ:

لَقَدْ قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ - وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي - فَمَا وَجَدْنَا لَهُ إِلَّا كَفَنًا إِنْ غَطَّى رَأْسَهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ، وَإِنْ غَطَّى رِجْلَيْهِ بَدَا رَأْسُهُ.

ثُمَّ بَسَطَ اللَّهُ لَنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا بَسَطَ...

وَإِنِّي لَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ ثَوَابُنَا قَدْ عُجِّلَ لَنَا...

ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي وَيَنْشِجُ حَتَّى عَافَ الطَّعَامَ.

* * *

طُوبَى(١) لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَأَلْفُ غِبْطَةٍ...

فَقَدْ بَشَّرَهُ بِالجَنَّةِ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.

وَحَمَلَ جِنَازَتَهُ إِلَى مَثْوَاهُ الأَخِيرِ حَبْرُ رَسُولِ اللَّهِ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ.

(١) الطوبى: الخير والسعادة، وطوبى لفلان: الخير والسعادة له.

264