194

صور من حياة الصحابة

الناشر

دار الأدب الاسلامي

الإصدار

الأولى

مَضَتْ أُمُّ صُهَيْبٍ مَعَ ابْنِهَا الصَّغِيرِ وَطَائِفَةٍ مِنْ حَشَمِهَا وَخَدَمِهَا إِلَى قَرْيَةِ ((الثَّنِيِّ)) مِنْ أَرْضِ ((العِرَاقِ)) طَلَباً لِلرَّاحَةِ وَالإِسْتِجْمَامِ، فَأَغَارَتْ عَلَى القَرْيَةِ سَرِيّةٌ مِنْ سَرَايَا جَيْشِ ((الرُّومِ))، فَقَتَلَتْ حُرَّاسَهَا، وَنَهَبَتْ أَمْوَالَهَا، وَأَسَرَتْ ذَرَارِيَهَا ...

فَكَانَ فِي جُمْلَةٍ مَنْ أَسَرَتْهُمْ صُهَيْبٌ .

* * *

بِيعَ صُهَيْبٌ فِي أَسْوَاقِ الرَّقِيقِ بِلَادِ ((الرُّومِ))، وَجَعَلَتْ تَتَنَاوَلُهُ الأَيْدِي فَيَنْتَقِلُ مِنْ خِدْمَةِ سَيِّدٍ إِلَى خِدْمَةِ آخَرَ، شَأْنُهُ فِي ذَلِكَ كَشَأْنِ الآلافِ المُؤَلَّفَةِ مِنَ الأَرِقَّاءِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمُرُونَ قُصُورَ بِلَادِ ((الرُّومِ)).

* * *

وَقَدْ أَتَاحَ ذَلِكَ لِصُهَيْبٍ أَنْ يَنْفُذَ إِلَى أَعْمَاقِ المُجْتَمَعِ الرُّومِيِّ، وَأَنْ يَقِفَ عَلَيْهِ مِنْ دَاخِلِهِ، فَرَأَى بِعَيْنَيْهِ مَا يَعَشِّشُ فِي قُصُورِهِ مِنَ الرَّذَائِلِ وَالمُوبِقَاتِ(١)، وَسَمِعَ بِأُذُنَيْهِ مَا يُرْتَكَبُ فِيهَا مِنَ المَظَالِمِ وَالآثَامِ. فَكَرِهَ ذَلِكَ المُجْتَمَعَ وَازْدَرَاهُ(٢).

وَكَانَ يَقُولُ فِي نَفْسِهِ: إِنَّ مُجْتَمَعاً كَهَذَا لَا يُطَهِّرُهُ إِلَّا الطُّوفَانُ.

* * *

وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ صُهَيْباً قَدْ نَشَأَ فِي بِلادِ ((الرُّومِ))، وَشَبَّ عَلَى أَرْضِهَا وَبَيْنَ أَهْلِهَا .

وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّهُ نَسِيَّ الْعَرَبَ أَوْ كَادَ يَنْسَاهَا؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِبْ عَنْ بَالِهِ قَطُّ أَنَّهُ عَرَبِيٌّ مِنْ أَبْنَاءِ الصَّحْرَاءِ ...

(١) الموبقات: الفواحش.

(٢) ازدراء: احتقره.

199