دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية

محقق

-

الناشر

مكتبة أضواء السلف،الرياض

الإصدار

الرابعة

سنة النشر

١٤٢٥هـ/٢٠٠٤م

مكان النشر

المملكة العربية السعودية

مقدمة
...
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وجاهد في الله حق جهاده، حتى أتاه اليقين، فجزاه الله عنا خير ما جزى نبيًا عن أمته، وبعد:
فإن الله ﷿ أرسل نبيه محمدًا ﷺ على فترة من الرسل، وأنزل معه الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ﴿وَإنك لتهدي إلى صِرَاط مُسْتَقِيم صِرَاطِ اللهِ الذِي لَهُ ما فى السَّمَوَاتِ وَما فى الأَرْض﴾ الشورى (٥٢-٥٣) فصار الناس فريقين مؤمن، وكافر، فأما المؤمنون فهم فرقة واحدة على سبيل الحق. يهتدون بنور الله ويحتكمون إلى شرعه، فطريقهم نور على نور، إلى أن يبلغوا غاية الأمر ونهايته رضوان الله ﷿ وجنته، وأما الكافرون فهم على سبل متشعبة متفرقة، يجمعهم الكفر وتفرقهم الأهواء والشهوات، فمنهم الملحد الذي يتعامى عن ربه، ويتخبط الدنيا على غير هدى من شرع إلهي،

1 / 3

ومنهم الوثني الذي ضل عن ربه فعبد ما لا يغني ولا يسمن من جوع، ومنهم اليهودي الذي أضله الله على علم وختم على قلبه وسمعه وجعل على بصره غشاوة، وأعماه الكبر والحسد، وتخبطه الشيطان حتى أعرض عن الحق، وتمرَّغ بالباطل وجابه ربه بكل خلق رذيل وطبع مشين، فاستحق غضب الله ولعنته، ﴿وَمَا ظَلَمَهُمْ الله وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُون﴾ آل عمران (١١٧) .
ومنهم النصراني عابد الصليب، اتخذ إلهه هواه حتى عدّ الوثنية دينًا حقًا، والشرك توحيدًا، وقال في الله قولًا عظيمًا، يضاهي بذلك قول الذين كفروا من قبل وضلوا وأضلوا عن سواء السبيل، وزين له الشيطان سوء عمله فرآه حسنًا، فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء وما ربك بظلام للعبيد، والمسلم صاحب دعوة وحق، لا يغره كثرة الهالكين ولا قلة السالكين، إذ هو يسير بنور الله ﷿ وهدايته، والمسلم داعية مشفق ناصح، وطبيب ذكي حاذق، ينصح للخلق رغبة في نجاتهم، ويصف الدواء للمريض رجاء الشفاء، ولن يصف الدواء من لم يعرف الداء لهذا صار لزومًا على المسلم الداعية أن يعرف شيئًا من أديان الناس، فإن لذلك عدة فوائد.
أولًا: إن ذلك عامل مساعد للداعية يسهل له دعوة أصحاب الأديان المنحرفة بإبراز مواضع الإنحراف والفساد في دياناتهم، ثم نقلهم إلى ما يقابلها في الدين الإسلامي ويبرز لهم نصاعة الإسلام وسلامته من التحريف في مصادره، وانسجامه مع الفطرة البشرية السليمة في عقيدته وعبادته وتشريعاته.
ثانيًا: إن المنصرين غزو كثيرًا من مناطق المسلمين، يبثون سمومهم، ويتصيدون الجهلة من المسلمين والبسطاء لتنصيرهم، فبمعرفة المسلم لديانة

1 / 4

مقدمة
المقدمة
...
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وجاهد في الله حق جهاده، حتى أتاه اليقين، فجزاه الله عنا خير ما جزى نبيًا عن أمته، وبعد:
فإن الله ﷿ أرسل نبيه محمدًا ﷺ على فترة من الرسل، وأنزل معه الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ﴿وَإنك لتهدي إلى صِرَاط مُسْتَقِيم صِرَاطِ اللهِ الذِي لَهُ ما فى السَّمَوَاتِ وَما فى الأَرْض﴾ الشورى (٥٢-٥٣) فصار الناس فريقين مؤمن، وكافر، فأما المؤمنون فهم فرقة واحدة على سبيل الحق. يهتدون بنور الله ويحتكمون إلى شرعه، فطريقهم نور على نور، إلى أن يبلغوا غاية الأمر ونهايته رضوان الله ﷿ وجنته، وأما الكافرون فهم على سبل متشعبة متفرقة، يجمعهم الكفر وتفرقهم الأهواء والشهوات، فمنهم الملحد الذي يتعامى عن ربه، ويتخبط الدنيا على غير هدى من شرع إلهي،

1 / 3

ومنهم الوثني الذي ضل عن ربه فعبد ما لا يغني ولا يسمن من جوع، ومنهم اليهودي الذي أضله الله على علم وختم على قلبه وسمعه وجعل على بصره غشاوة، وأعماه الكبر والحسد، وتخبطه الشيطان حتى أعرض عن الحق، وتمرَّغ بالباطل وجابه ربه بكل خلق رذيل وطبع مشين، فاستحق غضب الله ولعنته، ﴿وَمَا ظَلَمَهُمْ الله وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُون﴾ آل عمران (١١٧) .
ومنهم النصراني عابد الصليب، اتخذ إلهه هواه حتى عدّ الوثنية دينًا حقًا، والشرك توحيدًا، وقال في الله قولًا عظيمًا، يضاهي بذلك قول الذين كفروا من قبل وضلوا وأضلوا عن سواء السبيل، وزين له الشيطان سوء عمله فرآه حسنًا، فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء وما ربك بظلام للعبيد، والمسلم صاحب دعوة وحق، لا يغره كثرة الهالكين ولا قلة السالكين، إذ هو يسير بنور الله ﷿ وهدايته، والمسلم داعية مشفق ناصح، وطبيب ذكي حاذق، ينصح للخلق رغبة في نجاتهم، ويصف الدواء للمريض رجاء الشفاء، ولن يصف الدواء من لم يعرف الداء لهذا صار لزومًا على المسلم الداعية أن يعرف شيئًا من أديان الناس، فإن لذلك عدة فوائد.
أولًا: إن ذلك عامل مساعد للداعية يسهل له دعوة أصحاب الأديان المنحرفة بإبراز مواضع الإنحراف والفساد في دياناتهم، ثم نقلهم إلى ما يقابلها في الدين الإسلامي ويبرز لهم نصاعة الإسلام وسلامته من التحريف في مصادره، وانسجامه مع الفطرة البشرية السليمة في عقيدته وعبادته وتشريعاته.
ثانيًا: إن المنصرين غزو كثيرًا من مناطق المسلمين، يبثون سمومهم، ويتصيدون الجهلة من المسلمين والبسطاء لتنصيرهم، فبمعرفة المسلم لديانة

1 / 4

هؤلاء المنصرين يستطيع أن يبين للمسلمين فساد دعوتهم، والانحراف الديني الذي هم عليه، وخبث مقاصدهم ونياتهم.
ثالثًا: إن النظرة الفاحصة الواعية لما عليه الأديان غير الإسلام تزيد المسلم يقينًا بدينه، إذ يظهر له تميز الإسلام ورفعته، وأنه الدين الذي قام ولا يزال على التوحيد الخالص، والعبادة الحقة لله ﷿ والشرع الصالح للبشر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، كما يتضح له سلامة مصادر الإسلام من التحريف الذي وقع في مصادر الأديان الأخرى.
رابعًا: الوقوف على تحريف أصحاب الأديان الباطلة لأديانهم وابتداعهم فيه تصديق لخبر الله؟عز وجلعنهم، كما أن الإيمان بخبر الله عنهم يصبح إيمانًا مفصلًا بعد أن كان إيمانًا مجملًا.
خامسًا: معرفة تاريخ تلك الأديان وواقعها يتبين به المسلم مدى الانحراف الذي وقع فيها، وأسبابه، فيجتنب هذه الأسباب، ويحرص على المحافظة على السنة، ونبذ البدعة إذ البدعة من أبرز أسباب الانحراف في العبادة والتشريع لدى الأديان الأخرى.
لهذا سأعرض بإذن الله تعالى في هذه الدراسة الموجزة لليهودية والنصرانية فأشرح ما يتعلق بكل واحدة منهما من ناحية كتبها ومصادرها وعقيدتها وبعض المسائل الأخرى المتعلقة بهما، وذلك بيانًا للباطل وتحذيرًا منه ونصرة للحق ودعوة إليه، كما قدمت مدخلا فيه مقدمة عن الدين من ناحية تعريفه وباعثه ونشأة علم الأديان.
وأسأل الله ﷿ أن يتقبل هذا العمل ويجعله خالصًا لوجهه الكريم.

1 / 5

مدخل إلى دراسة الأديان
أولًا: تعريف الدين
الدين في اللغة: مشتق من الفعل الثلاثي دان وهو تارة يتعدى بنفسه، وتارة باللام، وتارة بالباء، ويختلف المعنى باختلاف مايتعدى به.
فإذا تعدى بنفسه يكون "دانه" بمعنى ملكه، وساسه، وقهره وحاسبه، وجازاه.
وإذا تعدى باللام يكون "دان له" بمعنى خضع له، وأطاعه.
وإذا تعدى بالباء يكون "دان به" بمعنى اتخذه دينًا ومذهبًا واعتاده، وتخلق به، واعتقده١.
وهذه المعاني اللغويه للدين موجودة في "الدين" في المعنى الإصطلاحي كما سيتبين لأن الدين يقهر أتباعه ويسوسهم وفق تعاليمه وشرائعه، كما يتضمن خضوع العابد للمعبود وذلته له، والعابد يفعل ذلك بدوافع نفسية ويلتزم به بدون إكراه أو إجبار.
الدين في الإصطلاح: اختلف في تعريف الدين اصطلاحًا اختلافًا واسعًا حيث عرفه كل إنسان حسب مشربه، ومايرى أنه من أهم مميزات الدين.
فمنهم من عرفه بأنه "الشرع الإلهي المتلقى عن طريق الوحي" وهذا تعريف أكثر المسلمين.

١ انظر: لسان العرب (٢/١٤٦٧)، وانظر: كتاب"الدين" محمد عبد الله دراز ص٣٠- ٣١.

1 / 9

ويلاحظ على هذا التعريف قصره الدين على الدين السماوي فقط، مع أن الصحيح أن كل مايتخذه الناس ويتعبدون له يصح أن يسمى دينًا، سواء كان صحيحًا، أو باطلًا، بدليل قوله ﷿: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِين﴾ آل عمران (٨٥) .
وقوله؟﷿: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِين﴾ الكافرون (٦)، فسمى الله ما عليه مشركي العرب من الوثنية دينًا.
أما غير المسلمين فبعضهم يخصصه بالناحية الأخلاقية كقول "كانت"١ " بأن الدين هو المشتمل على الإعتراف بواجباتنا كأوامر إلهية".
وبعضهم يخصصه بناحية التفكر والتأمل كقول رودلف إيوكن "الدين هو التجربة الصوفية التي يجاوز الإنسان فيها متناقضات الحياة ٢ " إلى غير ذلك من التعريفات التي نظرت إلى الدين من زاويه. وتركت أوجهًا وزوايا عدة.
وأرجح التعريفات أن يقال:
الدين: هو إعتقاد قداسة ذات، ومجموعة السلوك الذي يدل على الخضوع لتلك الذات ذلًا وحبًا، رغبة ورهبة.
فهذا التعريف فيه شمول للمعبود، سواء كان معبودًا حقًا. وهو الله ﷿، أو معبودًا باطلا وهو ما سوى الله ﷿.

١ كانت (عمانوئيل) فيلسوف ألماني.ذهب إلى أن الإنسان لا يدرك ماهية الأشياء، بل
يدرك ظواهرها الحسية في الزمان والمكان. توفي سنة ١٨٠٤م. المنجد في الأعلام ص٥١٣.
(٢) انظر هذه التعريفات في كتاب الدين د. محمد عبد الله دراز ص (٣٣-٣٦) وكتاب "الإنسان والأديان" للدكتور محمد كمال جعفر ص١٦-١٨.

1 / 10

كما يشمل أيضا العبادات التي يتعبد الناس بها لمعبوداتهم سواء كانت سماوية صحيحة كالإسلام، أولها أصل سماوي ووقع فيها التحريف والنسخ كاليهودية، والنصرانية.
أو كانت وضعية غير سماوية الأصل كالهندوكية، والبوذية، وعموم الوثنيات.
كما يبرز التعريف حال العابد إذ لابد أن يكون العابد متلبسًا بالخضوع ذلًا وحبًا للمعبود حال العبادة، إذ أن ذلك أهم معاني العبادة.
ويبين التعريف أيضًا هدف العابد من العبادة، وهو إما رغبة أو رهبة، أو رغبة ورهبة معًا، لأن ذلك هو مطلب بني آدم من العبادة. والله أعلم.

1 / 11

ثانيًا: تقسيم الأديان
تنقسم الأديان التي يدين بها البشر باعتبار النظر في المعبود إلى قسمين:
القسم الأول: أديان تدعو إلى عبادة الله
وهي في الدرجة الأولى الإسلام، ثم يليه اليهودية، أما النصرانية فإن واقعها وحقيقتها الشرك، وهو عبادة المسيح ﵇ والروح القدس مع الله تعالى، إلا أن أصحابها يزعمون أنهم يعبدون الله الواحد ذو الثلاثة أقانيم- كما سيأتي تفصيل ذلك.
القسم الثاني: أديان وثنية شركية تدعو إلى عبادة غير الله ﷿
وهي: الهندوكية والبوذية وغيرها من الشركيات القديمة والحديثة. والنصرانية يمكن اعتبارها من هذا القسم على اعتبار عبادتهم للمسيح والروح القدس.

1 / 12

ثالثًا: علم الأديان في القرآن الكريم وكتابة المسلمين فيه:
القرآن الكريم كتاب أنزله الله ﷿ لهداية البشرية جمعاء وهو خاتم الكتب السماويه، وهو كتاب دعوة وهداية لهذا ذكر الله ﷿ فيه أديان الناس السابقة والمتزامنة مع نزوله، لأن ذلك وسيلة من وسائل دعوة أصحاب الأديان، فإن عرض ما هم عليه من الباطل وبيان أوجه بطلانه مع عرض الحق والتركيز على مميزاته، وأوجه رجحانه.
كل ذلك مما ينير الأذهان التي غلفها التقليد، والجهل، والهوى، ويفتح أمامها أفاق المعرفة السليمة من أجل المقارنة والموازنة ثم الإيمان عن اقتناع ويقين.
وإذا نظرنا في القرآن الكريم نجد أنه حوى من ذلك الشيء الكثير.
فمن ذلك أن الله ﷿ قد حصر الأديان التي عليها الناس في قوله ﷿ ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ الله عَلَى كُلِ شَيء شَهِيد﴾ الحج آيه (١٧)
فأديان البشر لاتخرج عن واحد من هذه وهي: الإسلام، واليهودية والصابئة ١، والنصرانية، والمجوسية٢، والوثنية.

(١) الصابئة اختلف فيهم اختلافًا عريضًا، وأنقل هنا كلام غضبان رومي أحد الصابئة في كتابه عن جماعته فمما ذكر عنهم: "أنهم يؤمنون بالله ربًا وخالقًا " ويشركون مع الله في العبادة بدعاء الأنبياء والملائكه، ويعتقدون أن عالم الأنوار وهم من الملائكة وبعض الأنبياء يمنح الخالق بواسطتهم للناس الهداية والصحة والقوة والفضيلة، ويؤمنون بالحساب بعد الموت مباشرة فالصالحون عندهم يذهبون إلى عالم الأنوار، والمذنبون إلى عالم الظلام أو النار الموقده ولا يعتقدون ببعث الأجساد، ويؤمنون من الأنبياء بآدم وشيث وإدريس وسام وإبراهيم ويحيى ويصلون إلى الشمال ناحية القطب الشمالي ويوجد الآن منهم قرابة ثلاثين ألفًا في العراق - هؤلاء هم الذين يسمون الصابئه المندائية. وهناك صابئة حران،وهم وثنيون يعبدون الكواكب وقد انقرضوا ولم يبق إلا المندائية. انظر كتاب "الصابئة" ص٢٦،٢٧،٣٠،٦٠،٩٣،١٤٦.
٢ المجوس: هم القائلون بأن الله خالق الخير وهو النور وخرجت الظلمة من النور، ويعبدون النار ويسجدون للشمس إذا طلعت. انظر الملل والنحل (١/٢٣٣)، البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان ص٥٧.

1 / 13