665
* خوف الصحابة الأبرار من العزيز الغفار:
من تأول حال الصحابة الكرام تحقق عنده بالبرهان، شدة خوفهم من ربنا الرحمن، فكانوا – رضي الله تعالى عنهم – يقلون الكلام، ويبتعدون عن الحرام، ويصلون بالليل والناس نيام، وأعينهم تفيض بالدمع لرب الأنام، ثم هم في النهار فرسان في نشر دين الإسلام، وباختصار يقول الواقف على أحوالهم الحسان: إنهم كانوا في حياتهم كأنهم ينظرون إلى ما في الآخرة رؤيا عيان، روى أبو نعيم في حلية الأولياء، وابن الجوزي في صفة الصفوة أن عليًا – رضي الله تعالى عنه – صلى صلاة الفجر، فلما سلم انفتل عن يمينه، ثم مكث كأن عليه كآبة، حتى إذا كانت الشمس على حائط المسجد قيد رمح، قال وقلب يده: لقد رأيت أصحاب رسول الله – ﷺ – فما أرى اليوم أحدا يشبههم، لقد كانوا يصبحون شعثًا صفرًا غبرًا بين أعينهم أمثال ركب المعزى، قد باتوا لله سجدًا وقيامًا، يتلون كتاب الله – جل وعلا – يراوحون بين جباههم وأقدامهم، فإذا أصبحوا فذكروا الله – ﷿ – مادوا كما تميد الشجرة في يوم الريح ن وخملت أعينهم حتى تبل ثيابهم، والله لكأن القوم باتوا غافلين (١) .
... ولقد أخبر ابن عباس عن حال الصحابة الطيبين – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – فقال: قلوبهم بالخوف فرحة، وأعينهم باكية، يقولون: كيف نفرح والموت وراءنا، والقبر أمامنا، والقيامة موعدنا، وعلى جهنم طريقنا، وبين يدي الله – ﷿ – موقفنا (٢) .

(١) انظر الأثر في حلية الأولياء: (١/٧٦)، وصفة الصفوة: (١/٣٣١-٣٣٢)،وإحياء علوم الدين: (٤/١٨٠)، ومختصر منهاج القاصدين: (٣٣٤) .
(٢) ورد ذلك في إحياء علوم الدين: (٤/١٨١) .

3 / 148