623
–.
ولما رأي الصحابة الأطهار – رضي الله تعالى عنهم – ما ابتدعه بعض الأشرار، أنكروه غاية الإنكار، غضبًا لله الواحد القهار، وتأثروا بسبب ذلك تأثرًا يذيب الجبال الكبار، ثبت في صحيح البخاري عن الزهري قال: دخلت على أنس بن مالك – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – بدمشق، وهو يبكي، فقلت ما يبكيك؟، فقال: لا أعرف شيئًا مما أدركت إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضيعت (١) .

(١) انظر صحيح البخاري – كتاب مواقيت الصلاة – باب تضييع الصلاة عن وقتها –: (٢/١٣) بشرح ابن حجر ورواه الترمذي في سننه – كتاب صفة القيامة – باب: "١٨" بلفظ: ما أعرق شيئًا مما كنا عليه على عهد رسول الله – ﷺ – فقلت – القائل هنا أبو عمران الجوني – أين الصلاة؟ قال: أولم تصنعوا في صلاتكم ما قد علمتم، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث أبي عمران الجوني، وقد روي من وجه عن أنس – رضي الله تعالى عنه –.
قال الحافظ في الفتح: (٢/١٣-١٤) كان قدوم أنس – رضي الله تعالى عنه – إلى دمشق في إمارة الحجاج على العراق، قدمها شاكيًا من الحجاج للخليفة، وهو إذ ذاك الوليد بن عبد الملك، ثم قرر معنى الأثر بأن مراد أنس – رضي الله تعالى عنه – أنه لا يعرف شيئًا موجودًا من الطاعات معمولًا به على وجهه غير الصلاة، وهذه الصلاة أيضًا قد ضيعت بإخراجها عن وقتها، لأن الحجاج وغيره من الأمراء في ذلك الوقت كانوا يؤخرون الصلاة عن وقتها، وإطلاق أنس – رضي الله تعالى عنه – محمول على ما شاهده من أمراء الشام والبصرة خاصة.
هذا وقد ورد في صحيح البخاري – كتاب الأذان – باب إثم من لم يتم الصفوف –: (٢/٢٠٩-٢١٠) بشرح ابن حجر، والمسند: (٣/١١٣-١١٤) عن بشير بن يسار الأنصاري عن أنس بن مالك – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – أنه قدم المدينة، فقيل له: ما أنكرت منا منذ يوم عهدت رسول الله – ﷺ – قال: ما أنكرت شيئًا إلا أنكم لا تقيمون الصفوف، قال الحافظ في الفتح: هذا الإنكار غير الإنكار الذي تقدم ذكره في باب تضييع الصلاة عن وقتها، فإن ذاك كان بالشام وهذا بالمدينة وهذا يدل على أن أهل المدينة كانوا في ذلك الزمان أمثل من غيرهم في التمسك بالسنن.

3 / 106