620
.. واعلم أخا الإسلام أن الأمور تغيرت بعد موت نبينا – ﵊ – وكلما امتد الزمان زادت البلايا والفتن وعظم الامتحان، وفي صحيح البخاري عن نبينا – ﵊ –: "لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده، شر منه" وتقدم عن عبد الله بن مسعود – رضي الله تعالى عنه – موقوفًا عليه: لا يأتي عليكم عام إلا وهو شر من الذي قبله، أما إني لست أعني عامًا أخصب من عام، ولا أميرًا خيرًا من أمير، ولكن علماءكم وخياركم وفقهاءكم يذهبون، ثم لا تجدون منهم خلفًا، وتجيء أقوام يقيمون الأمر برأيهم (١) .

(١) الحديثان مفصل تخريجهما في كتاب الملل والنحل: (٣)، وذكر الشيخ على القاري في مرقاة المفاتيح: (٥/١٤١) قصة في تقرير معنى الحديث فقال: وهذا من مقتضيات البعد البعدية عن زمان الحضرة النبوية، فإنها بمنزلة المشعل المنور للعالم، فكلما أبعد عن قربه وقه في زيادة ظلام من أنفسهم وقد أدركت الصحابة – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – مع كمال صفاء باطنهم التغير من أنفسهم بعد دفنه، وحكى عن بعض المشايخ الكبار قال: إني كنت في جامع شيراز مشغولًا بوردي في ليل إذ هجم على الخاطر، وأراد بالخروج من غير ظهور داع وباعث، فخرجت فإذا امرأة ملتصقة بجدار، فخطر لي أنها تريد بيتها وتخاف في طريقها من أهل الفساد، فذكرت لها ذلك فأشارت إليّ بأن نعم، فتقدمت عليها، وقلت لها ما قال موسى لابنة شعيب – على نبينا وعليهم الصلاة والسلام – إن أخطأت الطريق القويم ارمي حجرًا يدلني على الطريق المستقيم، فأوصلتها إلى بيتها ورجعت إلى حزبي ولم يخطر لي حينئذ شيء من الخطرات النفسانية، ثم بعد مدة من الأزمنة المتأخرة عن تلك الحالة الروحانية هجس في النفس، وتوسوس في الخاطر من الأمور الشيطانية فتأملت أنه هل باعث هذا تغير في مأكلي، أو مشربي، أو ملبسي، أو في مقصدي لعبادتي وطاعتي، أو حدوث حادث في صحبة أحبتي، أو خلطة ظالم وأمثال ذلك، فما رأيت سببًا لظهور هذه الحالة إلا بعد زمان الحضرة، الموجب لحصول هذه الخطرة.

3 / 103