601
ولذلك أمر الله رسوله – ﷺ – أن يسأله أن يجعل مدخله ومخرجهن على الصدق، فقال – جل وعلا – في سورة الإسراء: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا﴾ الإسراء٨٠، وأخبر الله الكريم عن خليله إبراهيم – على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم – أنه سأله أن يهب له لسان صدق في الآخرين، فقال في سورة الشعراء: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ الشعراء٨٣-٨٤، وبشر الله عباده المؤمنين بأن لهم قدم صدق، ومقعد صدق فقال – ﷻ – في فاتحة سورة يونس: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ﴾ يونس١-٢، وقال – جل ثناؤه – في آخر سورة القمر ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ القمر٥٤-٥٥ (١) .

(١) أفاد ذلك الجمع والترتيب الإمام ابن القيم في مدارج السالكين: (٢/٢٧٠-٢٧٢)، وفسره بما خلاصته: فهذه خمسة أشياء: مدخل الصدق، ومخرج الصدق، ولسان الصدق، وقدم الصدق، وحقيقة الصدق في هذه الأشياء: هو الحق الثابت المتصل بالله – ﷿ – الموصل إليه – جل وعلا – وهو ما كان به وله من الأقوال والأعمال، وجزاء ذلك في الدنيا والآخرة.
فمدخل الصدق ومخرج الصدق: أن يكون دخوله حقًا ثابتًا لله – ﷿ – وفي مرضاته، فالظفر بالبغية وحصول المطلوب، ضد مخرج الكذب ومدخله الذي لا غاية له يوصل إليها، ولا له ساق ثابتة يقوم عليها، وما خرج أحد من بيته ودخل سوقه، أو مدخلًا آخر إلا بصدق أو كذب، فمخرج كل واحد ومدخله لا يعدو الصدق والكذب، والله المستعان.
وأما لسان الصدق: فهو الثناء الحسن عليه من سائر من يأتي بعده من الأمم بالصدق، ليس ثناء الكذب، كما قال – جل وعلا – عن إبراهيم وذريته من الأنبياء والمرسلين – على نبينا وعليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم –: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ مريم٤٩-٥٠، والمراد باللسان ههنا: الثناء الحسن، فلما كان الصدق باللسان، وهو محله، أطلق الله ألسنة العباد بالثناء على الصادق جزاء وفاقًا، وعبر به عنه.
وأما قدم الصدق، ففسر بالجنة، وفسر بمحمد – ﷺ – وفسر بالأعمال الصالحة والثلاثة مرادة قدم صدق، لأن حقيقة القدم ما قدموه وما يقدمون عليه، وهم قدموا الأعمال الصالحة، ورأس ذلك الإيمان بمحمد – ﷺ – ومحبته ويقدمون على الجنات الواسعات عند رب الأرض والسموات.
وأما مقعد الصدق فهو الجنة عند الرب – ﵎ – ١٠هـ وإنما ذكر لفظ المقعدون المجلس للإشارة إلى أنه لا زوال له، وهم يلازمون ذلك المكان، ولبثهم فيه لا يعتريه انفصام كما في الإتقان: (٢/٣٦٦)، وفي روح المعاني: (٢٧/٩٦) نقلًا عن جعفر الصادق – رحمه الله تعالى –: مدح المكان بالصدق، فلا يقعد فيه إلا أهل الصدق، وهو المقعد الذي يصدق الله فيه مواعيد أوليائه بأنه يبيح – ﷿ – لهم النظر إلى وجهه الكريم ١٠هـ من علينا بذلك إنه رؤوف رحيم.

3 / 84