خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان
وكان – ﵊ – يسأل ربه الثبات، ويكثر من ذلك في جميع الأوقات ففي سنن الترمذي بسند حسن عن أنس بن مالك – رضي الله تعالى عنهما – قال: كان رسول الله – ﷺ – يكثر أن يقول: "يا مقلب القلوب ثبت قلب على دينك" فقلت: يا رسول الله –ﷺ – أمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: "نعم، إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء" وفي رواية للترمذي بسند حسن أيضًا عن شهر بن حوشب، قال: قلت لأم سلمة – رضي الله تعالى عنها –: يا أم المؤمنين ما كان أكثر دعاء رسول الله – ﷺ – إذا كان عندك؟ قالت: كان أكثر دعائه: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" قالت: فقلت: يا رسول الله ما أكثر دعائك: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك؟ قال: "يا أم سلمة، إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله، فمن شاء أقام، ومن شاء أزاغ" فتلا معاذ – أحد الرواة –: ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ آل عمران٨، وفي سنن ابن ماجه بسند صحيح عن النواس بن سمعان – رضي الله تعالى عنه – قال: سمعت رسول الله – ﷺ – يقول: "ما من قلب إلا بين أصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه"، وكان رسول الله – ﷺ – يقول: "يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك" قال "الميزان بيد الرحمن، يرفع أقوامًا، ويخفض آخرين إلى يوم القيامة" وفي المسند وصحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله تعالى عنهما – أنه سمع رسول الله –ﷺ – يقول: إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن ﷿ كقلب واحد يصرفه كيف يشاء" ثم قال رسول الله – ﷺ –: "اللهم مصرف القلوب اصرف قلوبنا إلى طاعتك (١)
(١) انظر رواية أنس – رضي الله تعالى عنه – في سنن الترمذي – كتاب القدر – باب ما جاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن – ﷿ –: (٦/٣١٤)، وسنن ابن ماجه – كتاب الدعاء – باب دعاء رسول الله – ﷺ –: (٢/١٢٦٠)، والمسند: (٣/١١٢، ٢٥٧)، والمستدرك – كتاب الدعاء: (١/٢٥٦)، وقال: صحيح، وأقره الذهبي، وكتاب السنة لابن أبي عاصم: (١/١٠١)، والشريعة للآجري: (١٣٧)، والصفات للدارقطني: (٥٤)، وفي معجم الطبراني الأوسط بسند رجاله ثقات كما في مجمع الزوائد: (١٠/١٧٦) عن أنس – رضي الله تعالى عنه – أن رسول الله –ﷺ – كان يقول: "يا وليّ الإسلام وأهله ثبتني به حتى ألقاك"، وانظر رواية أم سلمة – رضي الله تعالى عنها – في سنن الترمذي – كتاب الدعوات – باب "٩٥": (٣٥١٧، ٩/١٨٢)، والمسند: (٦/٢٩٤، ٣٠٢، ٣١٥)، ومسند الطيالسي – منحة المعبود – كتاب الأذكار والدعوات – باب ما جاء في دعوات النبي – ﷺ –: (١/٢٥٦)، وكتاب السنة لابن أبي عاصم: (١/١٠٠-١٠٤) والشريعة للآجري: (٣١٦)، والتوحيد لابن خزيمة: (٨١)، وانظر رواية النواس بن سمعان – رضي الله تعالى عنه – في سنن ابن ماجه – المقدمة – باب فيما أنكرت الجهمية –: (١/٧٢)، والمسند: (٤/١٨٢)، وصحيح ابن حبان – موارد الظمآن – كتاب الأدعية – باب أدعية رسول الله – ﷺ –: (٦٠٠)، والمستدرك – كتاب الدعاء: (١/٥٢٥)،وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، وأقره الذهبي، وكتاب التفسير –: (٢/٢٨٩)، وقال: هذا حديث صحيح على شرطهما، وأقره الذهبي، وكتاب الرقاق –: (٤/٣٢١)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، وكتاب السنة لابن أبي عاصم: (١/٩٨، ١٠٣)، والشريعة للآجري: (٣١٧-٣١٨)، والاعتقاد للبيهقي: (٧٩-٨٠)، والأسماء والصفات له: (٣٤١)، والصفات للدارقطني: (٥٥)، والتوحيد لابن خزيمة: (٨٠) والرد على الجهمية لابن منده: (٨٧)، وقال رواه الأئمة المشاهير ممن لا يمكن الطعن على واحد منهم، وانظر رواية عبد الله بن عمرو – رضي الله تعالى عنهما – في صحيح مسلم – كتاب القدر – باب تصريف الله القلوب كيف يشاء –: (٤/٢٠٤٥)، والمسند: (٢/١٦٨، ١٧٣)، والسنة لابن أبي عاصم: (١/١٠٠، ١٠٤)، والشريعة للآجري: (٣١٦)، والأسماء والصفات للبيهقي: (٣٤٠)، والصفات للدارقطني: (٤٥، ٧٢) .
والحديث مروي عن أمنا عائشة – رضي الله تعالى عنها – في المسند: (٦/٢٩١، ٢٥١) قالت: كان رسول الله – ﷺ – يكثر أن يقول: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك وطاعتك" فقالت له: إنك تكثر أن تقول: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك وطاعتك"، فقال: ﷺ –: "وما يؤمنني، وإنما قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الله – ﷿ – إنه إذا أراد أن يقلب قلب عبد قلبه"، ورواه الإمام أحمد عنها أيضًا في مسند أبي هريرة – رضي الله تعالى عنهم أجمعين –: (٢/٤١٨) بلفظ: "ما رفع رسول الله – ﷺ – رأسه إلى السماء إلا قال: "يا مصرف القلوب ثبت قلبي على طاعتك"، وقد اقتصر الهيثمي في المجمع: (٧/٢١٠) على عزو الرواية الأخيرة إليها، وقال: فيه مسلم بن محمد بن محمد بن زائدة، قال بعضهم: وصوابه صالح بن محمد بن زائدة، وقد وثقه أحمد وضعفه أكثر الناس، وبقية رجاله رجال الصحيح، وعزا الهيثمي على معجم الطبراني الأوسط عن أمنا عائشة – رضي الله تعالى عنها – نحو الروايتين المتقدمتين في المسند: (٦/٩١-٢٥١)، وقال: فيه العلاء بن الفضل، قال ابن عدي: في بعض ما يرويه نكارة، وبقية رجاله وثقوا وفيهم خلاف وانظر رواية الحديث عنها في السنة لابن أبي عاصم: (١/١٠٠-١٠١، ١٠٤)، والشريعة للآجري: (٣١٧) .
والحديث مروي أيضًا عن جابر بن عبد الله – رضي الله تعالى عنهما – في المستدرك – كتاب التفسير –: (٢/٢٨٨-٢٨٩)، وقال: على شرط مسلم، وأقره الذهبي، وكتاب الصفات للدارقطني: (٥٤)، ومسند أبي يعلى بسند رجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد: (١٠/٦-١٧)، والرد على الجهمية لابن منده: (٨٨)، وقال الحافظ ابن منده: هذا حديث ثابت باتفاق، وأشار الترمذي عند رواية أنس المتقدمة إلى هذه الرواية: فقال: وروى بعضهم عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن النبي – ﷺ –، وحديث أبي سفيان عن أنس أصح.
والحديث مروي أيضًا عن شهاب بن المجنون الجرمي – رضي الله تعالى عنه – في سنن الترمذي – كتاب الدعوات – باب "١٣٥" ٣٥٨١: (٩/٢٢٠-٢٢١) عن طريق عاصم بن كليب الجرمي عن أبيه عن جده، وجده هو الصحابي شهاب الجرمي – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – قال الترمذي: هذا غريب من هذا الوجه، ومراده بذلك أن متن الحديث قد روي عن جماعة من الصحابة، وانفرد كليب بروايته عن والده الصحابي شهاب، ويقال لهذا: إنه غريب إسناده لا متنًا كما في تدريب الراوي: (٣٧٦)، وقد حكم ابن حجر في التقريب: (١/٣٨٥، ٢/٢٣٦) على عاصم بأنه صدوق رمي بالإرجاء، وعلى كليب بأنه صدوق، وحكى في تهذيب التهذيب: (٥/٥٥-٥٦، ٨/٤٤٥-٤٤٦) خلافًا واسعًا في أمرهما، وذكر الحديث في الإصابة: (٢/١٥٩)، في ترجمة شهاب الجرمي الصحابي – رضي الله تعالى عنه – وعزاه إلى أبي يعلى، ومطين، والبارودي، والطبري، وآخرين وقال: قلت: رجاله موثقون إلا أن أبا داود قال: عاصم بن كليب عن أبيه عن جده ليس بشيء.
هذا وقد روى الحديث الطبراني بسند رجاله ثقات عن نعيم بن همار كما في مجمع الزوائد: (٧/٢١١) وابن أبي عاصم أيضًا في كتاب السنة: (١/٩٩)، وروياه أيضًا بسند رجاله ثقات عن سبرة ابن فاتك – ويقال سمرة بن الفاتك – رضي الله تعالى عنه – انظر المكانين المتقدمين، وروياه عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – من طريق عبد الله بن صالح قال الهيثمي: وثقه عبد الملك بن شعيب، وضعفه غيره، انظر المجمع: (٧/٢١١)، وكتاب السنة: (١/١٠٣)، وليس في الروايات الثلاثة ذكر الدعاء بل فيها الإخبار بأن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الله – ﷿ – ومن شاء أن يقيمه أقامه، ومن شاء أن يزيغه أزاغه، نسأل الله الكريم أن يثبت الإيمان في قلوبنا، وأن لا يزيغنا إذا هدانا، فهو ربنا ومولانا.
3 / 40