ـ[شرح منظومة التفسير]ـ
المؤلف: أحمد بن عمر الحازمي
مصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشيخ الحازمي
http://alhazme.net
[الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - ١٥ درسا]

صفحة غير معروفة

عناصر الدرس
* بيان أهمية هذا الفن.
* ترجمة الناظم.
* شرح البسملة وإعرابها.
* شرح مقدمة الناظم (مقدمة الكتاب).
إن الحمد لله نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهديه الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
سنشرع في هذه الليلة بإذن الله تعالى ليلة الأحد التاسع من شهر رجب عام ست وعشرين وأربعمائة وألف من الهجرة النبوية في منظومة الزمزمي رحمه الله تعالى في علوم القرآن المسماة بـ «منظومة التفسير» وهي أولى لذكر الشراح لها بهذا العنوان.
«منظومة الزمزمي» هذه كما ذكرت أنها في علوم القرآن، إذًا يفهم منها أن البحث يكون فيما يخدم القرآن وكما أن للحديث أصولًا وعلومًا تخدم علم الحديث وللفقه أصولًا وعلومًا تخدم الفقه كذلك لتفسير كلام الرب جل وعلا علومًا وأصولًا وقواعد تخدم هذا الفن، فكما أنه لا استنباط للفقيه من النصوص نصوص الوحيين في الأحكام الشرعية الحلال والحرام إلا بعد العلم بأصول الفقه، كذلك لا يمكن للمحدث أن يصحح أو يضعف أو يحكم بصحة حديثه أو ضعفه إلا بعد العلم بعلوم الحديث كما هو معلوم لديكم، كذلك هنا تأتي الأهمية في توقف فهم نصوص الرب جل وعلا أو القرآن الكريم القرآن العزيز على فهم هذه القواعد والأصول التي جعلها العلماء في ما يسمى «علوم القرآن» أو «علوم التفسير» أو «أصول التفسير» أو «قواعد التفسير» وكلها كما سيأتي بيانها ألفاظ ومصطلحات مترادفة وإن كان ثم فرق في بعضها دون بعض إلا أنها في جوهرها كلها فيما يخدم القرآن.
ولا شك يتميز هذا العلم وهو «علوم القرآن» على قلة وضعف ما يُطرح الآن يتميز بأنه يبحث في كلام الرب جل وعلا من جهتين:
أولًا: كونه كلام الله ﷾. ومعلوم أنه إذا كان كلام الرب أفضل من كل الكلام سواه لأنه كلام الخالق وما عداه فإنه مخلوق، حينئذ ... إذا كان كلام الرب جل وعلا أفضل من كل كلام سواه فعلومه حينئذ ... تكون أفضل من كل علم عداه كما نص على ذلك الزركشي في مقدمة ... «البرهان».
إذًا تنظر في «علوم القرآن» أو «علم القرآن» في كونه متعلقًا بكلام الرب جل وعلا، فإذا كان متعلقًا بكلام الرب جل وعلا فهو أفضل كلام وأفصح كلام وأغلب وأعجز كلام حينئذ يكون كل علم منبثق من القرآن يكون شرفه كشرف كلام الرب جل وعلا على سائر الخلق، كذلك فهم القرآن الذي هو الأصل في التنزيل ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾، ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩] إذًا فالمقصود الأعظم من إنزال القرآن ليس هو التلاوة فحسب - وإن كانت التلاوة متعبدًا بها - إلا أنها ليست مقصودةً بالإصالة، وإنما المقصود بالأصالة هو التدبر والفهم، والتدبر والفهم كما هو معلوم يحصل بماذا؟
يحصل بالعلم بأصول الكلام الذي يُتَدَبَّرُ، فحينئذ يصير توقف تدبر وفهم وإيضاح معنى القرآن الذي عُنْوِنَ له بالتفسير الذي هو الكشف والإيضاح لأنه مأخوذ من الفسر كما سيأتي وهو الكشف والإيضاح يكون متوقفًا على ماذا؟

1 / 1

على فهم هذه العلوم التي عَنْوَنَ لها العلماء بعلوم القرآن، ولذلك ذكر مجاهد في قوله تعالى: ﴿يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]. قال: الفهم والإصابة في القرآن. ﴿يُؤتِي الْحِكْمَةَ﴾ أي: الفهم والإصابة في القرآن لماذا؟
لأن الأصل من تنزيل القرآن هو الفهم والإصابة؛ لأن ليس كل فهم يكون صوابًا إذًا لا بد من فهم ومن إصابة، الفهم قد يشترك فيه العالم وغيره لماذا؟
لأنه ما يتبادر إلى الذهن لكن إذا أريد به فهم الصحيح وهو إدراك معاني الكلام أو العلم بمعاني الكلام عند سماعه كما هو معنى الفهم في لغة العرب فحينئذ لا بد من تنزيل هذا الفهم على قواعد وأصول وضوابط لأن لا يكون الكتاب وكذلك السنة لا تكون مفتوحة هكذا لكل من أراد أن يفهم فليفهم ما شاء، لا، لا بد من ضابط يرجع إليه العالم سواء كان في فهم النصوص الوحيين في استنباط الأحكام الشرعية الحلال والحرام أو لفهم المعاني العامة معتقد وغيره لأن الكتاب كما هو معلوم مصدر التشريع للأمة الإسلامية لأن السنة والإجماع والقياس مرجعها إلى الكتاب فهو الأصل الأصيل، وكل أصل يُستنبط أو تُؤخذ من الشريعة يكون حينئذ منبثقًا عن الكتاب هو الأصل الأصيل وما عداه كله يكون متفرعًا عليه، فلذلك ذكر أيضًا مقاتل في الآية السابقة ﴿يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ﴾ قال: علم القرآن. حينئذ الحكمة فُسِّرَتْ هنا في بعض الأقاويل بأنها الفهم والإصابة في القرآن وبأنها علم القرآن ولذلك قال ابن عيينة ﵀ سفيان في قوله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٤٦]. قال: أحرمه نعمة القرآن. لماذا؟
لأن الأصل من التنزيل هو الفهم والإصابة. قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: من أراد العلم فليسور القرآن فإن فيه علم الأولين والآخرين. يعني: علم الأصول أو أصول الدين وأصول الحلال والحرام موجودة في القرآن وإنما تحتاج إلى تسوير بمعنى تفتيش وصح ونظر وتدبر وتأمل.
إذًا علمنا هذا نعلم ما السر في وضع هذه المنظومة في هذه الدورة وفي هذه الإجازة الصيفية لندرك بعض ما يتعلق بأسرار هذا العلم الشريف وهو على التفسير وما ينبني عليه ذلك العلم وهو علوم القرآن، وكان الاختيار واقعًا على منظومة التفسير التي سميت بـ: «منظومة التفسير». وقيل: بأنها «منظومة الزمزمي». نسبة إلى مؤلفها وكان الأشهر أنه ذكر في ترجمته أنه ألف منظومة في التفسير وذكر شارحها بأنها «منظومة التفسير».

1 / 2

منظومة التفسير للشيخ الأديب المفسر عبد العزيز الرئيس الزمزمي نسبة إلى زمزم -كما سيأتي - عز الدين بن علي بن عبد العزيز بن عبد السلام بن موسى بن أبي بكر بن أكبر بن علي بن أحمد بن علي بن محمد بن داود البيضاويُّ الشيرازيُّ الأصل ثُمَّ المكيُّ الزمزميُّ الشافعي، ولد عام تسعمائة من الهجرة بمكة، قدم جده الأعلى علي بن محمد إلى مكة في سنة ثلاثين وسبعمائة فساعد الشيخ سالم بن ياقوت المؤذن ليكون مؤذن لعله المسجد الحرام في ذلك الوقت في خدمة بئر زمزم، فلما ظهر له فضله نزل له عنه يعني: تنازل له عن بئر زمزم وخدمتها فاشتغل علي بن محمد الذي هو جد عبد العزيز الزمزمي بخدمة زمزم فقيل له: الزمزمي. إذًا الزمزمي نسبة إلى ماذا؟ إلى بئر زمزم.
ولد عبد العزيز بمكة ونشأ بها وأخذ العلم عن أهلها وبرع في الفنون وله في الأدب اليد الطولى وله تآليف ومنها ذكر في ترجمتها كذا «منظومة في التفسير» وهي التي معنا نظم فيها «النُّقَاية» لجلال الدين السيوطي، وشرح مقامات الحريري، وكتاب في الفتاوى، وله شعر حسن توفي المترجم له سنة ست وسبعين وتسعمائة بمكة.
وهذه المنظومة قد عُنِيَ بِها خاصة في هذه البلد الحرام قديمًا والآن لا ذكر لها، وإنما يعنون بها العلماء الوافدين، لذلك أكثر الشراح من الأندلسيين ونحوهم فشرح شروحًا عدة ولهم عليها بعض الحواشي منها:
«نهج التيسير شرح منظومة الزمزمي في أصول التفسير» هذا يكاد يكون أول شرح لها لمحسن بن علي بن عبد الرحمن المساوي الحضرمي توفي سنة أربع وخمسين وثلاثمائة وألف - قريب العهد ألف ثلاثمائة وأربع وخمسين -، وعلى هذا الشرح حاشيتان مطبوعتان حاشية علوي بن عباس بن عبد العزيز المالكي، وحاشية الشيخ محمد ياسين الفاداني المكي. وهذا قريب أيضًا.
الشرح الثاني: «التيسير شرح منظومة التفسير» محمد يحيى أمان المدرس بمدرسة الفلاح القديمة.
حينئذ نقول: هذه المنظومة أصلًا لعبد العزيز من؟ الرئيس الزمزمي وكان من أعيان علماء مكة، وشُرح في الشرحين المذكورين ولجلالتها عندهم درست في الصولتية المدرسة وكذلك مدرسة الفلاح القديمة.
قدم لمنظومته بمقدمة وهي التي تسمى عندهم بمقدمة الكتاب، وسبق مرارًا أن المقدمة مقدمتان:
مقدمة كتاب.
ومقدمة علم.
مقدمة العلم هي التي يُعنى بها المبادئ العشر
إن مبادئ كلِّ فَنٍّ عَشْرَة ... إن مبادئ كلِّ فَنٍّ عَشْرَة
ونسبة وفضله والواقع ... والاسم والاستمداد حكم الشارع
مسائل والبعض بالواو اكتفى ... ومن درى الجميع حاز الشرف
هذه سيأتينا بحثها إن شاء الله في الدرس القادم.
واليوم نشرع في النظم وهي ما يسمى: بمقدمة الكتاب.
مقدمة الكتاب شاع عندهم أنه يذكر فيها البسملة والحمدلة والشهادتين وأما بعد وبراعة الاستهلال وتسمية نفسه وتسمية كتابه إلى ما يُذكر من الواجبات والمستحبات التي مر معنا ذكرها كثيرًا.
قال: بسم الله الرحمن الرحيم.

1 / 3

إذًا افتتح المصنف أو الناظم رحمه الله تعالى منظومته «منظومة التفسير» بالبسملة، وافتتاح الشعر الذي يكون في العلوم والآداب هذا متفق عليه لا بأس به، وإنما وقع خلاف فيما عدا العلوم والآداب هل يجوز أن يفتتح الشعر بالبسملة أو لا؟ على خلاف ذكرناه فيما سبق، أما هذه التي معنا فبالاتفاق أنه يجوز أن يفتتح الشعر لأنها آية والشعر في الجملة مذموم جاء ذمه في الشرع فهل كل شعر مذموم؟
لا. ليس كل شعر مذموم. وعليه إذا كان الشعر فيه ما فيه فحينئذ البسملة آية من آيات الكتاب، هل يجوز أن يُتقدم بالبسملة بين يدي الدواوين والشعر؟
المسألة فيها خلاف لماذا؟
لأن الشعر كما ذكرت لكم أنه فيه ما فيه من حيث الأنواع، والبسملة جاء في الحديث: «كل أمر ذي بال». يعني: كل أمر ذي بال وشأن يهتم به شرعًا. فهل يهتم الشرع بالدواوين ونحوها؟
الجواب: في الجملة لا، إلا إذا كان مؤديًا إلى حفظ لغة العرب فحينئذ جاء من قبيل ما لا يتم الواجب به فهو واجب لماذا؟
لأن القرآن والسنة بلسان عربي، والقرآن على جهة الخصوص نزل بلسان عربي مبين حينئذ لا يمكن فهم لسان العرب الذي هو القرآن إلا بفهم لسان العرب الذي نقل عن العرب أنفسهم.
(بسم الله الرحمن الرحيم) نقول: إذًا لا بأس بالابتداء بها في هذه المنظومة بالإجماع لأنها مما اشتمل على العلم والآداب، ابتدأ المصنف نظمه بالبسملة لأمور:
أولًا: اقتداء بالكتاب العزيز. لأنه مفتتح بالبسملة.
ثانيًا: اقتداء بالسنة الفعلية. لأن النبي ﷺ كان إذا كتب الرسائل افتتحها بـ: بسم الله الرحمن الرحيم إلى هرقل عظيم الروم كما جاء في صحيح البخاري.
الثالث: إن صح الحديث فيقال بالسنة القولية: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بـ بسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر». «كل أمر ذي بال». يعني: كل شيء ذي بال يُهتم به شرعًا لا يُبدأ فيه بـ بسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر - يعني كالأبتر -. أي ناقص البركة قالوا: فهو إن تم حسًا إلا أنه ناقص من جهة المعنى لو تم حسًا تم الكتاب كتابته وطباعته ولم تذكر فيه البسملة فحينئذ يقل النفع يعني: وإن تم حسًا إلا إنه ناقص من جهة المعنى. لماذا؟
لأن النبي ﷺ حكم بأنه أبتر، والأبتر هو مقطوع الذَّنَب فحينئذ لا بد أن يكون مقطوعًا إما حسًا بأن لم يتمه بالفعل، وإما أن يكون من جهة المعنى فهو إن تمه أو أتمه فحينئذ لا بد أن يصدق عليه الحديث فهو أبتر لا بد أن يكون مقطوع الذَّنب أو كمقطوع الذَّنَب، فحينئذ الغاية المرجوة من كتابة الكتاب وتأليف المؤلف هو نفع الناس فحينئذ إذا نقص النفع حصل ماذا؟
حصل البتر وقل هذا على جهة التنزل مع صحة الحديث.
الأمر الرابع: إجماع المصنفين والمؤلفين. قال ابن حجر رحمه الله تعالى: وقد استقر عمل الأئمة المصنفين على افتتاح كتب العلم بالتسمية وكذا معظم كتب الرسائل. ذكره في مقدمة شرح البخاري وقد استقر عمل الأئمة المصنفين على افتتاح كتب العلم بالتسمية وكذا معظم كتب الرسائل، إذًا هذه سنة عملية من جهة أهل العلم كأربعة أمور شرع الناظم في ابتداء منظومته بالبسملة.

1 / 4

البسملة الأحاديث فيها من جهة المفردات يطول ولكن كلام مختصر لا بد منه في كل موضع يتعلق بما جُعِلَتِ البسملة مبدأً له في ذلك الفن، والبسملة آية ولا ينبغي للطالب أن يتضجر من التفقه والنظر في الآية لأن البسملة كما هو معلوم آية يُفتتح بها كل سورة سوى براءة وجزء آية ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] حينئذ النظر فيها من جهة الإعراب، النظر فيها من جهة معانيها، النظر فيها من جهة صرفها وبيانها يكون من أي حيثية؟
يكون من باب التفقه في الكتاب، والبعض يتضجر من أي كلام يتعلق بالبسملة كأنها خارجة عن موضوع العلم بالكلية كأنها من فضول العلم، لا، ليس بصحيح بل هي آية فحينئذ يكون النظر فيها كالنظر في غيرها كأنك تقرأ ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] تقول: ﴿الْحَمْدُ للهِ﴾ هذا مبتدأ ﴿للهِ﴾ هذا جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر، كونك تعرف أن هذه جملة اسمية لها مدلول غير كونها جملة فعلية فيختلف المعنى من دلالة الجملة الاسمية ودلالة الجملة الفعلية، ونحن الآن نبحث في مقدمات التفسير والتفسير مبناه على لغة العرب فحينئذ لا ضجر ولا تضجر.
(بسم الله الرحمن الرحيم) كما هو معلوم أن الجار والمجرور لا بد أن يتعلق بمحذوف لأنه حرف جر أصلي، وعلى الصحيح قيل: حرف جر زائد الباء. والأصح أنه حرف جر أصلي فحينئذ لا بد من متعلق يتعلق به الجار والمجرور لا بد للجار من التعلق بالفعل أو معناه نحو مرتقي وأحسن ما يقال: أنه فعل مؤخر مناسب. يعني: خاص مناسب بالمقام، فعل لا اسم، لماذا؟

1 / 5

لأن الأصل في العمل الأفعال، إذًا بسم الله هذا متعلق بمحذوف هذا المحذوف واجب حذفه لأن الجار والمجرور هنا صار متعلقًا بمحذوف وأُجْرِيَ مُجْرَى المثل، يعني لا يجوز النطق به. وما ورد النطق بالمتعلق في الكتاب أو السنة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] هذا للاهتمام بالقراءة يعني خروجًا عن المقصود، والخروج عن المقصود لأمر ما لا ينافي أصل قاعدة كما هو معلوم في شأن القواعد العامة، كل قاعدة فقهية أو نحوية أو غيرها نقول: الأصل فيها عمومها لكن لا يمنع أو يبطل عمومها أو كونها قاعدة أو أصل أو قضية كلية لا يمنع ذلك من استثناء بعض الأفراد، وهذا مطرد في كل العلوم، حينئذ بسم الله نقول: هذا متعلق بمحذوف لا يجوز ذكره فإن ذكر في نحو قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] ﴿اقْرَأْ﴾ هذا هو المتعلق الذي نريد أن نقدره هنا وقد نطق به نقول: هذا خروج عن القاعدة لأمر ما لنكمل الفائدة أهم من حذف المتعلق الذي معنا وهو الاهتمام بالقراءة لأن المقصود هناك ليس التبرك بـ: بسم الله، وإنما المقصود أن الأعظم والأعلى أن المقام مقام تنزيه القرآن دين تشريع، فحينئذ نقول المقام هنا في مقام القراءة فهي أهم من المتعلق الذي يحصل أو يجب حذفه في هذا المقام الذي معنا، كذلك «باسمك ربي وضعت جنبي» نقول: التصريح به لا ينفي أن يكون الأصل أنه محذوف وهذا الحذف يكون واجبًا، فعل لأن الأصل في العمل الأفعال فرع في الأسماء، العمل الرفع والنصب والجر والجزم هذا الأصل فيه أن يكون للفعل لا للاسم، حينئذ إذا تردد المعمول الذي معنا بين أن يكون المحذوف فعلًا أو اسمًا فالأولى أن يكون فعلًا، لماذا؟
لأن الأصل في العمل الأفعال إذًا قدرناه فعلًا لا اسمًا لهذه النكتة.
أن يكون مؤخرًا يعني: لا مقدمًا. تقول: بسم الله أقرأُ. مؤخرًا لماذا؟
لفائدة وهي القصر والحصر، والقصر والحصر بمعنى وهو إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه، بسم الله أقرأُ لا باسم غيره. لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد ماذا؟
يفيد الاختصاص والقصر والحصر مثل قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥]. فنحن نقرأها في كل ركعة لا تجزأ ركعة إلا بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ أصلها: نعبدك. فعل وفاعل ومفعول به لِمَ قدمت إياك؟
لإفادة الحصر، ما معنى الحصر؟
يعني: لا نعبد إلا إياك. انظر هذا المعنى الزائد عن اللفظ لا نعبد إلا إياك حصر العبادة في الله، ونفي العبادة عن كل ما سوى الله، ﴿وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أي: لا نستعين إلا إياك. إثبات الاستعانة بالله ﷿ ونفيها مطلقًا عن كل ما سواه، بسم الله أستعين وأتبرك بسم الله لا بسم غيره مطلقًا إذًا المعنى موجود كما هو هناك في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وهذا الحصر استفدناه من ماذا؟
من تقديم ما حقه التأخير بسم الله أقرأُ يعني: لا بسم غيره.

1 / 6

أيضًا الفائدة الثانية: أن لا يتقدم على اسم الله غيره، يعني الاهتمام. الاهتمام به لئلا يتقدم على اسم الله غيره، حينئذ لو قيل أقرأ أو أنظم بسم الله أو قال: أنظم باسمه. تقدم الفعل وهو دلالته على الحدث وهو النظم تقدم على اسم الله وهذا مخالف للأصل.
إذًا هاتين الفائدتين أُخِّرَ العامل قدر مؤخرًا ثم يكون خاصًا لماذا؟
قالوا: لأن كل من بسمل فقد أضمر في نفسه ما جعل البسملة مبدأً له، كل من بسمل كل من قال بسم الله في أي قول فعل نوم سفر أكل شرب ... إلى آخره لا بد أنه قد نوى في نفسه الفعل والحدث الذي جعل البسملة مقدمةً له، لا يمكن أن يقول: بسم الله. ويشرب وينوي في قلبه أنه سينام يمكن؟
إذًا إذا قال: بسم الله. وشرب حينئذ نقول: قدر في نفسه ماذا؟
بسم الله أشرب، لو وضع جنبه وأراد أن ينام قال: بسم الله أنام. حينئذ يقدر في كل موضع بحسب الفعل الذي جعل المتكلم والناطق للبسملة ما جعل البسملة مبدأً له، فالمسافر يقدم بسم الله أسافر، والآكل بسم الله آكل، والشارب بسم الله أشرب وهلم جر، وهنا: بسم الله أَنْظِمُ أو أُأَلِّف، والقارئ يقول: بسم الله أقرأ ... إلى آخره حينئذ لهذه الفائدة وهي كون متعلق البسملة الجار والمجرور خاصًا ليدل على ما جعل البسملة مبدأً له وهو الناطق والمتكلم بها.
بسم الله الرحمن الرحيم ذكرنا أن بسم الله جار ومجرور متعلق بمحذوف وهو مضاف ولفظ الجلالة مضاف إليه وهو مشتق على الصحيح وأصله: الإله. حذفت الهمزة تخفيفًا ثم أدغمت اللام في اللام ثم فخمت لأجل التعظيم فقيل: الله.
بسم الله أيضًا من النكات والفوائد في هذا الموضوع أن يقال: بسم الله هذا يحتمل الإضافة، مضاف ومضاف إليه. إما الإضافة من الإضافة البيانية، وإما من إضافة الاسم إلى المسمَّى.
الإضافة البيانية: أن يكون المراد اللفظ. بسم هذه نكرة أضيف إلى لفظ الجلالة، إلى اللفظ إن رُوعِيَ ولوحظ اللفظ كانت الإضافة بيانية، فحينئذ يصح الإخبار بالمضاف إليه عن المضاف فيكون التقدير بِسْمٍ هُو اللهُ حينئذ استعان بماذا؟
بلفظ الجلالة بالاسم والاستعانة والتبرك بالاسم استعانة بالمسمى من باب الأولى والأحرى، وهذا متى؟
إذا جعلنا الإضافة بيانية بِسْمٍ هُو اللهُ جعلت المضاف إليه خبر عن المبتدأ الذي هو اسم، وإن جعلت الإضافة من إضافة الاسم إلى المسمى يعني لاحظت المسمى الله لاحظت المسمى حينئذ تكون الإضافة مسماة عندهم عند البيانيين بإضافة الاسم إلى المسمى فيكون التقدير كما هو في قوله تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ﴾ [إبراهيم: ٣٤]. فيكون من باب إضافة النكرة إلى المعرفة فيصير من صيغ العموم بكل اسم هو لله صار المعنى بسم الله أي: بكل اسم هو لله سمى به نفسه أو أنزله في كتابه أو علمه أحدًا من خلقه أو استأثر به في علم الغيب عنده. لأنه صار من صيغ العموم فانظر الفرق بين المعنيين.

1 / 7

إن لوحظ اللفظ لفظ الجلالة صارت الإضافة بيانية فيكون متعلق البسملة أو التبرك أو التيمن أو الاستعانة هو لفظ الجلالة فقط، فيستلزم الاستعانة والتبرك بالاسم لأن الاسم للمسمى كما قال، الاسم للمسمى. لله الأسماء الحسنى إذًا الاسم للمسمى، وعلى الثاني الإضافة إضافة الاسم إلى المسمى تكون الإضافة على حد قوله: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]. حينئذ يصيغ من صيغ العموم.
بسم الله، الله المراد به أو المعنى ما معناه؟
الله ذو الأولهية والعبودية على خلقه أجمعين لأن الإله مشتق هذا هو الصواب أنه مشتق بمعنى أنه يدل على ذات متصفة بصفة ولذلك وقع نزاع هل الله لفظ الجلالة مشتق أو جامد؟
جامد بمعنى أنه لا يدل على معنى تطلق على مسمى علم فقط، مجرد عن المعنى كما تقول: زيد. لا يدل على معنى، تقول: صالح. يسمى الرجل صالح وليس له معنى، هل لفظ الجلالة الله يدل على معنى أو لا؟
نقول: الصواب أنه يدل على معنى، وهو ذات متصفة بالإلهية وهي: العبودية. لأن إله فعال مشتق من أله أصله أله يأله إلهة وألوهة وإلوهية، وهذا مأخوذ من معنى التعبد كما قال رؤبة:
لله در الغانيات الْمُدَّهِ ... سبحن واسترجعن من تألهي
أي: تعبدي. وهذا هو الحق أنه مشتق قوله: بأنه جامد. لا دليل عليه، وابن القيم ﵀ قال: من نسب القول بالْجُمود لسيبويه قال: أخطأ عليه. لأنه نسب إلى سيبويه أنه يقول: جامد. والصواب أنه مشتق، وأن معناه العبودية، إله يعني: معبود. فعال بمعنى مفعول.
(بسم الله الرحمن الرحيم). الرحمن الرحيم اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة إلا أن الرحمن أشد مبالغة من الرحيم لأن زيادة البناء تدل على زيادة في المعنى غالبًا، رحيم أربعة أحرف ورحمن خمسة أحرف حينئذ لا بد من زيادة في المعنى لأنه جاء على وزن فعلان، وفعلان كما يقول ابن القيم ﵀: يدل على الامتلاء. والرحيم جاء على وزن فعيل حينئذ نقص حرف فلا بد من فرق بينهما، حينئذ نقول: اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة كل منهما يدل على المبالغة يعني كثرة الرحمة إلا أن الرحمن أشد مبالغة وأكثر من الرحيم، لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى، الرحمن يدل على صفة قائمة في الرب جل وعلا ذاتية والرحيم يدل على تعلقها بالمرحوم.
الرحمن من جهة المعنى أيضًا عامٌ لأنه يشمل الرحمة لكل الخلق يعني: يشمل رحمة الكافر والمؤمن بل والبهائم، والرحيم هذا خاص بالمؤمنين.
الرحمن من جهة المعنى نقول: عام. ومن جهة اللفظ خاص أي لا يجوز إطلاقه على غير الرب جل وعلا كاسم الجلالة، الله خاصٌّ ولذلك قيل: هو الاسم الأعظم. الرحمن هذا خاص لا يجوز أن يسمى به غيره أما الرحيم فهو من جهة اللفظ عامة فيجوز تسميته أو إطلاقها على المخلوق لأنه من جهة المعنى يكون خاصًا لأن متعلقه المؤمنون.
والرحيم كما تقول: جاء زيد الرحيم. تصف به لكن لا يقال الرحمن وأما تسمية مسيلمة الكذاب بالرحمن هذا من باب تعنته كما سبق بيانه.
(بسم الله الرحمن الرحيم) أُأَلِّفُ أو أنظم، الباء هذه للاستعانة أو للمصاحبة على وجه الخطاب، أُأَلِّفُ حال كوني مستعينًا بذكره متبركًا به، والتبرك هو: التيمن والفوز بالبركة.

1 / 8

قال رحمه الله تعالى:
تَبارَكَ المُنْزِلُ للفُرقانِ ... على النَّبِيِّ عَطِرِ الأَرْدانِ
مُحَمَّدٍ عليهِ صَلَّى اللهُ ... معَ سَلامٍ دائمًا يَغْشَاهُ
وآلِهِ وصَحْبِهِ، وبَعْدُ ... فَهذِهِ مِثْلُ الجُمَانِ عِقْدُ
ضَمَّنْتُها عِلمًا هُوَ التَّفْسِيْرُ ... بِدايةً لِمَنْ بِهِ يَحِيْرُ
أَفْرَدْتُها نَظْمًا مِن النُّقَايَةْ ... مُهَذِّبًا نِظَامَها في غَايَةْ
واللهَ أَسْتَهدي وأَسْتَعِيْنُ ... لأنَّهُ الهادِي ومَنْ يُعِيْنُ
قوله رحمه الله تعالى: (تَبارَكَ المُنْزِلُ للفُرقانِ ** على النَّبِيِّ) هذا يسمى عند البيانيين اقتباس لأنه اقتبس هذا البيت من قوله تعالى في أول سورة الفرقان: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١]. فحينئذ يكون هذا الشطر ونصف الشطر اقتباسًا، والاقتباس عند البيانيين هو أن يضمن الكلام قرآنًا أو حديثًا لا على أنه منه يعني لا يصرح يقول: قال الله تعالى أو قال رسول الله ﷺ لأنه لو صرح لخرج عن كونه اقتباس، حينئذ نقول: الاقتباس هو أن يضمن نثره أو شعره ما وقع في القرآن أو في السنة لا على أنه منه أي: لا على وجه يُشعر بأنه من القرآن أو من السنة بأن يقال: قال الله تعالى: ... ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ [الفرقان: ١]. لو قال: قال الله تعالى. خرج عن كونه مقتبسًا، لو قال: قال ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات». لخرج عن كونه مقتبسًا، وإنما يذكر القول كأنه من قوله هو ولكنه في الأصل يكون من قول الرب جل وعلا أو من كلام الرسول ﵌، فإن صرح قال الله تعالى أو قال رسول الله ﷺ فحينئذ لا يكون اقتباسًا.
ثم هو أقسام الاقتباس لأنه إما من القرآن أو الحديث، إما أن يكون في النظم أو في النثر، أربع: قرآن في نظم أو نثر، حديث في نظم أو نثر. قد ينقل بلفظه قد يتكلم الواعظ ولا يقول: قال ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات». فيقول: إنما الأعمال بالنيات. يقتبس كلامه وكأنه أجاب بما تضمنه الحديث لفظًا ومعنى يقول: إنما الأعمال بالنيات. هذه يسمى اقتباسًا، أو نقل مع تغييرٍ يسير كما فعله الناظم هنا يعني: ينقل اللفظ من القرآن أو من السنة مع تغييرٍ يسير لا يضر أصل المعنى، لا يغير أصل المعنى يعنى يبقى المعنى على أصله، والمراد أصل المعنى يعني ما يُفهم من فحوى الكلام الذي دل عليه الإسناد المسند والمسند إليه لأنه يقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] هل يأتي مثله (تَبارَكَ المُنْزِلُ للفرقانِ على النَّبِيِّ) أبدًا لا يمكن أليس كذلك؟
تغير المعنى أو لا؟
نقول: فيه تفصيل، إن كان المراد تغير تمام المعنى وبلاغة المعنى لا شك، لأن الثاني الذي هو شطر البيت أنزل من الأول، وإذا كان المراد أنه تغير أصل المعنى ما دل عليه المسند والمسند إليه فالجواب لا.
إذًا مع المحافظة على ما دل عليه الكلام في أصل معناه هذا شرط في الاقتباس ثم قد يبقى على لفظه وقد يُغَيَّرُ مع بقاء المعنى الأصلي، وأما تمام المعنى فهذا لا شك من تغيره لماذا؟

1 / 9