ـ[شرح المطلع على متن إيساغوجي]ـ
المؤلف: أحمد بن عمر الحازمي
مصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشيخ الحازمي
http://alhazme.net
[الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - ١٥ درسا]

صفحة غير معروفة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أَمَّا بَعْدُ:
فنشرُع في هذه الليلة: ليلة الأحد العاشر من شهر ربيع الأول من عام ١٤٣٢هـ في شرح كتابٍ يتعلق بعلم المنطق.
وعلم المنطق يُعدُّ عند بعض أهل العلم من علوم الآلة، وإن لم يكن آلةً مباشرة للكتاب والسنة، كما هو الشأن في علم اللغة العربية أو علم أصول الفقه أنه علمٌ يُعتبرا علمي آلة، لكنهما مباشرة يعني: يعتمد فهم الكتاب والسنة على علوم اللغة مباشرة، ويعتمد الاستنباط من الكتاب والسنة على أصول الفقه مباشرة.
وأما فن المنطق كما هو معلوم فيه شيءٌ من الخلاف من حيث الجواز وعدمُه، من حيث الإقبال عليه وتركُه. إلا أنه لو لم يُترجم -كما سيأتي في كلام الشيخ الأمين رحمه الله تعالى- لكان المسلمون في غُنيةٍ عنه، ولكن احتاجه أهل العلم في بيان بعض المصطلحات التي دخلت علوم الآلة أو علوم الشريعة.
وكذلك فيما اعتمد عليه المخالفون، وهذا أهم من الأول؛ لأن المخالفين من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتردية وغيرهم الذين خالفوا أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بذات الخالق جل وعلا، إنما اعتمدوا على عقولهم واحتجوا بما يرونه مناسبًا من هذه القواعد، لذلك المنطق يُعتبر قواعد تفكير إن صح التعبير، أو قواعد الاستدلال الذي يكون مناطه العقل، ليس الاستدلال الذي يكون مناطُه الشرع إنما الاستدلال العقلي.
حينئذٍ لما اعتمد المخالفون على هذه الاستدلالات أو هذه القواعد المنطقية تعيَّن في الرد عليهم أن يكون من يرد عليهم من أهل العلم متشبعًا بعلم الشريعة، وأن يكون كذلك مُلمًا بأدلتهم؛ لأن من كان معتمدًا على دليل وهذا الدليل ليس هو دليل الكتاب والسنة. يعني: لم يعتمد على الوحيين، فحينئذٍ من لم يكن ذا علمٍ بما سوى الوحيين قد يضعف في الرد عليه، فلا بد من معرفة ما استدل به المخالفون من أجل إبطال حُجج هؤلاء المخالفين فتعيّن حينئذٍ تلمُّس هذا العلم، وخاصة طلبة العلم الذين يجدون من أنفسهم مكانة للعلم، وأنه قد يبلغ مبلغًا يفيدون فيه الأمة مستقبلًا بإذن الله تعالى في صون الشريعة وفي الذب عنها.
ولذلك الشيخ الأمين رحمه الله تعالى يعتبر من علماء أهل السنة والجماعة؛ لأن تزكية هذا الفن إن جاءت من المخالف قد يكون فيها شيءٌ من الشبهة، لكن الشيخ الأمين رحمه الله تعالى كما هو معلوم من أهل السنة والجماعة، بل هو إمامٌ في علوم الشريعة، وإمامٌ في علوم الآلة كذلك، ولا إشكال فيه ولا تردد في هذا الحكم عليه رحمه الله تعالى، وقد صنَّف كتابًا أسماه آداب البحث والمناظرة، وقدَّم له مقدمة، هذه المقدمة مقدمة منطقية اشتملت على الخالص من هذا العلم كما سيأتي في كلامه، ونذكره رحمه الله تعالى (يعني: كلامه) من أجل معرفة ما اشتمل عليه.

1 / 1

وننُبه بأن هذا الفن إذا أقدم عليه الطالب وهو عنده شيءٌ من التردد في الإقبال عليه وأهميته ونحو ذلك، فحينئذٍ لن يستفيد، فالشيء الذي يتردد فيه الطالب سواء كان في المنطق أو غيره من العلوم، حينئذٍ لن يتمَّه، وإذا أتمه لن يفهمه على الوجه؛ لأن كل من لم يعلم قيمة العلم فحينئذٍ لن تتوجه إليه النفس، فإذا وقع شيء من النزاع بين طلاب العلم: هل يُدرس المنطق أو لا؟ يقرأ أو لا؟ هل نحضر أو لا؟
فحينئذٍ نقول: كلام أهل العلم في هذا واضحٌ بيِّن، وكلام من عمَّم في ذم علم المنطق، هذا مفصَّل.
كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى لا يؤخذ على تراكيبه من حيث المبتدأ والخبر، أو الجملة الإسنادية .. ونحو ذلك، وإنما يُنظر بحاله هو عليه رحمة الله، فهو قد رد على الأشاعرة كما هو معلوم، رد عليهم بماذا؟
يخطئ من يقول بأنه رد عليهم بالكتاب والسنة، هذا ليس بصحيح، وإنما في جملة ما رد عليهم قد يكون يذكر بعض الآيات أو بعض الأحاديث، لكن أصل ردِّه إنما هو معتمدٌ على نقض ما قد اعتمدوه من أدلة، قد يكون القياس صحيحًا في نفسه. يعني: لا يلزم من كون أهل البدعة قد أخطئوا في استخدام الأقيسة والحُجج المنطقية، حينئذٍ يكون الرد عليهم بإبطال القياس وبإبطال المنطق لا.
ولذلك نقول دائمًا بأن القياس الذي هو رابع الأدلة الشرعية: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس.
القياس الصحيح وليس كل قياس، حينئذٍ إذا أخطأ من أخطأ من الفقهاء أو تشعَّبت معهم الأمور في الإكثار من القياس حتى صار القياس تُردُّ به بعض النصوص، فيقال: هذا الحديث مخالفٌ للقياس، صار فيه شيءٌ من الغلو من حيثُ الإثبات.
حينئذٍ ماذا نصنع؟
هل نرجع إلى الأصل فننقضه، أم نقول: هذه الفروع ليست على الجادة؟
لا شك أنه الثاني، حينئذٍ لا نرجع إلى الأصل الذي هو القياس ونقول: القياس باطل؛ لأن أكثر المتأخرين من الأحناف والشافعية والمالكية والحنابلة قد اعتمدوا هذا القياس حتى ردوا به بعض الأحاديث الصحيحة؛ لكونها مخالفة للقياس، بهذه الحجة الفاسدة.
حينئذٍ هل نرجع إلى القياس فنبطله من أصله، نقول: القياس ليس بدليلٍ شرعي؟
الجواب: لا، وإنما ننظر في هذه الأقيِسة التي اعتمدوا عليها، وظنوا أنها مخالفةٌ للشرع، أو أن الشرع جاء مخالفًا لهذه الأقيسة، فنبطلها من حيث هي.
كذلك الإجماع، الإجماع كما قال الشوكاني رحمه الله تعالى لا هيبة له عند المتأخرين؛ لكثرة من يدَّعيه، الإجماع المتيقَّن لا شك أنه دليلٌ شرعي: الكتاب، والسنة، والإجماع. والمقصود به إجماع الصحابة كما هو معلومٌ في محله.
حينئذٍ إذا أكثر المتأخرون من دعوى الإجماع في مسائل معلومة الخلاف، نقول: هذه الادعاءات للإجماعات باطلة في نفسها؛ لأنها لخلاف ثابت، أو لأنها مخالفة لإجماع الصحابة .. ونحو ذلك.
فوجود بعض الإجماعات المدَّعاة التي ليس لها مستند شرعي صحيح نقول: ولو صارت هذه الادعاءات كثيرة لا نرجع إلى الأصل فننقضُه، وإنما نحترم الأصل ونحفظ الأصل وهو الإجماع، ونبيِّن المراد به، ثم إذا وقع شيءٌ من الخلل في دعوى الإجماع نردُّ هذا الفرع ونحفظ الأصل.

1 / 2

وكذلك الشأن في القياس نحفظ الأصل، وهو مجمعٌ على إثباته عند الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وما وقع من نزاعٍ عند المتأخرين نقف معها ونردها ونفندها، وكذلك المنطق.
حينئذٍ نقول: المنطق الذي خلَّصه أهل الإسلام مما شابه من شُبه الفلاسفة الكفرية ونحوها في قواعده في الجملة صحيحة، لكن استخدمها من استخدمها على وجهٍ منحرف، فحينئذٍ نقول: نردُّ عليهم هذا الاستخدام وهذا الاستعمال، ونبقي الأصل محفوظًا على بابه.
يقول الشيخ الأمين رحمه الله تعالى: ومن المعلوم أن المقدمات التي تتركب منها الأدلة التي يحتج بها كل واحدٍ من المتناظرَين إنما تُوجه الحجة بها منتظمةً على صورة القياس المنطقي.
ومن أجل ذلك كان فنُّ آداب البحث والمناظرة ..
وهذا من العلوم المهجورة -آداب البحث والمناظرة-، لها أصولها، يعني: فنٌ مستقلٌ بنفسه.
ومن أجل ذلك كان فن آداب البحث والمناظرة يتوقف فهمه كما ينبغي على فهم ما لابد منه من فن المنطق؛ لأنَّ توجيه السائل المنعَ على المقدمة الصغرى أو الكبرى مثلًا.
يعني: السائل المعترض، يقول: أمنع المقدمة الصغرى وأمنع المقدمة الكبرى، فإذا كان لا يعرف المقدمة الصغرى من الكبرى فحينئذٍ كيف يتجِّه إليه السؤال؟
أو القدحَ في الدليل بعدم تَكرار الحد الأوسط أو باختلال شرطٍ من شروط الإنتاج ونحو ذلك لا يفهمه (أي: هذا الفن المعتمِد على مثل هذه المسائل) لا يفهمه من لا إلمام له بفن المنطق.
لا بد من فَهم هذا الفن من أجل إتقان فنِّ آداب البحث والمناظرة؛ لأن الاستعمال إنما يكون لهذه المصطلحات وهي غريبة، لأنها مصطلحات.
يعني: لا نرجع إلى المعنى اللغوي (المقدمة الصغرى، والمقدمة الكبرى، والحد الأوسط، والتكرار .. ونحو ذلك) لا نرجع إلى المعاني اللغوية، وإنما ننظر في المعاني الاصطلاحية.
ولا عجب؛ لأن المعاني الاصطلاحية هي المقدَّمة في كل فن، ولذلك نقول: هذا عامٌ وهذا خاص، هذا ناسخ وهذا منسوخ، هذا مقيَّد وهذا مطلق، والإجماع والقياس .. كل هذه اصطلاحات لها معانيها، حقائق عرفية عند أصحابها.
كذلك آدابُ البحث والمناظرة يعتمد على هذا الفن، وهذه الاصطلاحات توجد فيه (مقدمة صغرى امنعها؟ لا، أرتضيها .. نقضٌ للمقدمة الكبرى، الحد الأوسط لم يتكرر ..) حينئذٍ كيف يجيب؟ بل كيف يقرأ؟
دعك من الدخول في المناظرات، كيف يقرأ ما كتبه المتقدمون؟ كيف يقرأ ما كتبه من كتَب في هذا الفن؟
قال رحمه الله تعالى: وكانت الجامعةُ قد أسندتْ إلينا تدريس فن آداب البحث والمناظرة، وكان لا بد من وضع مذكرةٍ تُمكِّن طلاّب الفن من مقصودهم فوضعنا هذه المذكرة وبدأناها بإيضاح القواعد التي لا بد منها من فن المنطق لآداب البحث والمناظرة.
واقتصرنا فيها على المهم الذي لا بد منه للمناظرة، وجئنا بتلك الأصول المنطقية ..
هذا انتبه له من هذا الإمام الجليل.
وجئنا بتلك الأصول المنطقية خالصة (يعني: غير شائبة، الخلوص والشوب متقابلان) خالصة من شوائب الشُّبه الفلسفية.
انظر هنا النفي إنما هو مسلَّط من أجل أن يفهم طالب العلم ما يذكره أهل العلم.

1 / 3

النفي هنا مسلَّط على الشبه الفلسفية؛ لأنه قد يأتي معنا أن علم المنطق هل هو مقدِّمة لعلم الفلسفة أم جزءٌ منها؟ فيه خلاف.
هل هو علمٌ مستقلٌ بذاته، أم أنه مقدمة لغيره؟
هل هو علمٌ مستقل، أم أنه آلةٌ؟ فيه خلافٌ بينهم.
حينئذٍ إذا كان مقدمةً لعلم الفلسفة، حينئذٍ لا بد فيه شيءٌ من الفلسفة، وهذا لا بد منه .. لا ينفك عنه.
وإذا كان جزءًا من الفلسفة واضح الكلام، لا نحتاج إلى تعليق.
على القولين: أنه مقدمةٌ للفلسفة، جزءٌ من الفلسفة. لا بد وأن يكون فيه شيءٌ من مسائل الفلسفة.
حينئذٍ إذا كان الأمر كذلك فمن أين جاء التخليص؟
نقول: التخليص إنما جاء ليس لكون هذه المسألة فلسفية أو لا، وإنما هل فيها شبهةٌ كفرية أو بدعية، لا يلزم أنها كفر ..
هل فيها شبهةٌ تتعلق بباب المعتقد أو لا؟
حينئذٍ علم الفلسفة على نوعين: منه ما يتعلق بعلم الاعتقاد كالإلهيات وغيرها، وهذا لا شك أنه باطل ولا يوجد في كتب المتأخرين كالإيساغُوجي ونحوه.
وثَم قسمٌ لا يتعلق بالاعتقاد، وإنما بالتفكير والنظر والنفس .. ونحو ذلك، وما يتعلق بالأقيسة والحجج بأنواعها والبراهين.
هذا وإن كان يُطلق عليه في بعضه أنه من مسائل الفلسفة إلا أنه ليس بمحرَّمٍ؛ لأن علم الفلسفة لم يحرِّمه أهل السنة والجماعة لكونه علم فلسفة فقط هكذا لا، نقول: الأصل في العلوم ما هو؟ الإباحة .. الأصل في العلوم الإباحة. هذا الأصل فيها، كما هو الأصل في الأشياء الطيبات ونحوها الأصل فيها الإباحة.
حينئذٍ إذا وُجد فيها أو تعلَّق بها أو تضمنت ما يُخل بالشريعة، أو بباب المعتقد، أو بذات الباري جل وعلا، حينئذٍ مُنعت، وما عداه يبقى على الأصل.
فحينئذٍ ما خلَّصه علماء الإسلام من علوم الفلسفة نقول: خلَّصوه من الشبه التي تتعلق بباب الاعتقاد، حينئذٍ لا يرد الاعتراض على أئمة السنة الذين قالوا بأن هذه كتب كالذي بين يدينا هذا أنه مُخلَّصٌ من علوم الفلسفة.
نقول: أنَّى لنا ذلك .. يَعترض المعترض.
نقول: المراد به أنه خُلِّص من شُبَه الفلاسفة، فليس فيه شيءٌ محرَّم، فمن اعترض على كون المنطق أنه جزءٌ من الفلسفة، أو مقدمةٌ للفلسفة، وأنه يلزم منه التحريم أخطأ؛ لأنه ليس كل علم الفلسفة محرّم.
ولذلك علم الحساب علمٌ فلسفي، علم الهيئة والهندسة علمٌ فلسفي، إذا قلنا الفلسفة بأنواعها السبعة المعلومة –العلوم- أنها محرّمة حرَّمنا جميع هذه العلوم، لكن لا هذا غلط افتراء على الله ﷿.
فنقول: الفلسفة يُفصَّل فيها، فإذا كان كذلك فلو سُلِّم بأن هذه المسائل التي بين أيدينا من علم الفلسفة فالأصل فيها الإباحة، حتى يثبت أن هذه المسألة تتعلق بذات الباري جل وعلا، وأنها خطأٌ في باب المعتقد، حينئذٍ تُنزع ويُنظر فيها.
إذًا: قوله هنا: وجئنا بتلك الأصول المنطقية خالصة من شوائب الشبه الفلسفية. يعني: ليست خالصة من المسائل الفلسفية؛ لأن المنطق لا يمكن أن ينفك عن الفلسفة، هو مقدمةٌ لها أو أنه جزءٌ منها، وإنما الذي اعتنى به أهل الإسلام هو: تخليص هذه المسائل من الشبه المتعلقة بباب الاعتقاد.
فيها النفع الذي لا يُخالطه ضرر البتة. توكيد هذا، المعنى الذي ذكرتُه.

1 / 4

"فيها" أي: في هذه الأصول الخالصة من شُبه الفلسفة، فيها النفع الذي لا يخالطه ضرر البتة.
يعني: الضرر هنا من جهة المعتقد.
لأنها من الذي خلَّصه علماء الإسلام من شوائب الفلسفة كما قال العلاّمة شيخ مشايخنا وابن عمنا المختار بن بونة ... إلى أن قال في منظومته في علم المنطق:
فَإِنْ تَقُلْ حَرَّمَهُ النَّوَاوِيْ
قُلْتُ نَرَى الأَقْوَالَ ذِي المُخَالِفَةْ
أَمَّا الَّذِي خَلَّصَهُ مَنْ أَسْلَمَا ... وَابْنُ الصَّلاَحِ وَالسِّيُوطِي الرَّاوِيْ
مَحَلُّهَا مَا صَنَّفَ الْفَلاَسِفَةْ
لاَ بُدَّ أَنْ يُعْلَمَ عِنْدَ الْعُلَمَا
هذا توجيهٌ لما اشتهر عند بعض أهل العلم من أن المنطق محرّم ولا يجوز دراسته ولا تدريسه، ولا تعلُّمُه ولا تعليمُه.
نقول: المراد فيمن حرَّمه أنه المختلِط بشُبه الفلاسفة، قال: لا. كذلك الذي لا يختلط.
نقول: هذا قولٌ ويُعرض على الكتاب والسنة، والأصل فيه الإباحة.
إذًا: يُوجَّه على جهتين:
إما أن نقول: بأن من حرَّم دراسة علم المنطق مراده المنطق المشوب بشبَه الفلاسفة. وهذا لا إشكال فيه، إلا لمن كانت عنده أهلية النظر فحينئذٍ ينظر، الأصل في النظر في كتب أهل البدع الأصل المنع، إلا إذا كان يستطيع أن يميِّز بين الحق والباطل.
وأمّا قول الأخضري في سُلَّمِه:
وَالخُلْفُ فِي جَوَازِ الاِشْتِغَالِ
فَابْنُ الصَّلاَحِ وَالنَّوَاوِي حَرَّمَا
وَالقَوْلَةُ المَشْهُورَةُ الصَّحِيحَهْ
مُمَارِسِ السُّنَّةِ وَالكِتَابِ ... بِهِ عَلَى ثَلاَثَةٍ أَقْوَالِ
وَقَالَ قَوْمٌ يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَا
جَوَازُهُ لِكَامِلِ القَرِيحَهْ
لِيَهْتَدِي بِهِ إِلَى الصَّوَابِ
ججج
ج
فهذه الأبيات اشتهرت في بيان ما يتعلق بحُكم المنطق، فصلٌ في جواز الاشتغال به، هذا ذكره صاحب السُلَّم في محله.
(وَالخُلْفُ) يعني: الاختلاف.
وَالخُلْفُ فِي جَوَازِ الاِشْتِغَالِ
فَابْنُ الصَّلاَحِ وَالنَّوَاوِي حَرَّمَا ... بِهِ عَلَى ثَلاَثَةٍ أَقْوَالِ
...........................
يعني: (حَرَّمَا) الاشتغال بعلم المنطق.
(وَقَالَ قَوْمٌ) كالغزالي أبي حامد: (يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَا)
اختُلف في (يَنْبَغِي) قيل: واجبٌ على الكفاية، وقيل: مستحبٌ.
وَالقَوْلَةُ المَشْهُورَةُ الصَّحِيحَهْ ... جَوَازُهُ لِكَامِلِ القَرِيحَهْ
جج
يعني: المختلِط، هذا الذي يُحمل عليه كلام صاحب السُلَّم أن المراد به المختلِط.
وَالقَوْلَةُ المَشْهُورَةُ الصَّحِيحَهْ ... جَوَازُهُ لِكَامِلِ القَرِيحَهْ
يعني الذكي الألمعي الذي يستطيع أن يميّز بين الغث والسمين، بين الحق والباطل.
مُمَارِسِ السُّنَّةِ وَالكِتَابِ ... لِيَهْتَدِي بِهِ إِلَى الصَّوَابِ
ج
قال الشيخ هنا: أما قول الأخضري (هذا الذي ذكرناه) فمحلُّه: المنطق المشوب بكلام الفلاسفة الباطل ..
يعني: هذا أخطأ الأخضري في ذكر هذه المسألة في هذا الكتاب؛ لأن كتابه إنما هو نظمٌ لإيساغوجي على المشهور، وإن لم يذكر ذلك في مقدمته، وإن زاد فيه بعض الأبواب.
فنظَمَ إيساغوجي، وإيساغوجي معلومٌ أنه (الذي شرحه زكريا الأنصاري هنا) أنه من (الَّذِي خَلَّصَهُ مَنْ أَسْلَمَا) يعني: الخالص من شُبه الفلاسفة.

1 / 5

حينئذٍ كيف تأتي بهذا الخلاف الذي هو ليس في هذا الموطن، فيُذكر فيما خلَّصه العلماء؟ هذا فيه شيءٌ من الخطأ.
وحينئذٍ نقول: هذا محله في المنطق المشوب بشبه الفلاسفة.
قال رحمه الله تعالى -الشيخ الأمين-: ومن المعلوم أنّ فن المنطق منذ تُرجِم من اللغة اليونانية إلى اللغة العربية في أيام المأمون كانت جميع المؤلفات توجد فيها عبارات واصطلاحات منطقية.
وهذا توجيه في أن أهل العلم الشرعي، لماذا يدرسُون علم المنطق؟ هو علمٌ دخيل، لا شك أنه دخيل ومُسلَّمٌ بهذا، لكن لماذا ندرُسه، ولماذا نشتغل به؟
لا لذاته وإنما لما يترتب عليه من فوائد.
قال: كانت جميع المؤلفات (يعني: كثير من المؤلفات) توجد فيها عبارات واصطلاحات منطقية لا يفهمها إلاَّ من له إلمامٌ به.
وهذا موجود في علوم الآلة على جهة الخصوص، النحو أُدخل فيه كثيرٌ من الاصطلاحات، وكذلك الصرف أُدخل فيه كثير من الاصطلاحات، وكذلك البيان والبلاغة، وأهمها علم أصول الفقه فقد خُلِط بهذا الفن.
وأما علوم اللغة فهي أخف، ويمكن الاستغناء عن كثير من الكتب التي اشتملت على شيءٍ من المنطق بغيرها، يعني: الانفكاك أمرٌ سهل في علوم اللغة، وأما في أصول الفقه لا يكاد أن يسلم الناظر في هذا العلم، بل لا يكاد أن يتمكن، بل لن يتمكن إلا إذا نظر في هذه الكتب على وجه الخصوص.
لو نظرت في شروح جمع الجوامع وغيرها، والمستصفى والبرهان، لا بد أنه اشتمل على شيءٍ من ذلك. بل جعلوا مقدمات منطقية، حينئذٍ كيف يفهمها طالب العلم الذي لا بد أن يعلم هذا الفن وهو أصول الفقه؟
لأن عديم النظر في كتب أصول الفقه هذا عديمٌ في علم الشرع، لا شك في ذلك؛ لأن الشريعة إنما هي استنباط يعني: استنباط أحكام شرعية من الوحيين، وهذا معتمدُه علم أصول الفقه، ولن يتمكن الطالب في هذا الفن إلا بالنظر في هذه المطولات، وكلها مشتملة على هذه الاصطلاحات، كيف يفهمها؟
إذا ادعى مدعٍ بأنه قد فهم وهو لم يدرس المنطق، هذا لا تُقبل دعواه؛ لأنه قد يكون له شيءٌ من الفهم، لكن الفهم الذي ينبغي لا، لا يمكن أن يتصور المسائل على الوجه الذي أراده الكاتب –المصنِّف- إلا إذا عرف المصطلح الذي تكلم به، وهذا المصطلح إنما هو فن المنطق.
ولذلك نقول: المنطق من أوله إلى آخره كله مصطلحات (قواعد)، حينئذٍ لا بد للناظر في علوم الآلة، وأصول الفقه على جهة الخصوص من النظر في هذا الفن وإتقانه، لا بد من إتقانه من أجل أن يُتقن أصول الفقه.
قال هنا: فيها عبارات واصطلاحات منطقية لا يفهمها إلا من له إلمامٌ به (بهذا الفن)، ولا يفهم الرد على المنطقيين فيما جاءوا به من الباطل إلاّ من له إلمامٌ بفن المنطق.
وهذه فائدة أخرى وهي: أن من درس المنطق ليسوا كلهم على مرتبة واحدة من الحق والباطل، قد يدرس المنطق ويستفيد منه فيما يستفاد في الحق، وفي الذب عن الشريعة، وقد يدرس المنطق من أجل تأصيل المسائل البدعية كالجهمية والمعتزلة والأشاعرة .. كل هؤلاء دينهم، وعقيدتهم مبناه على الأمور العقلية، وهي مستنبطة أو معتمدة على هذه القواعد، هنا سيأتي السؤال الكبير: كيف ترد عليهم؟

1 / 6

هل تأخذ كلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وتردده من غير فهمٍ، وخاصةً إذا كان الذي يرُد ليس كتابة الذي يرد بالمناظرة والمجادلة، وحينئذٍ كيف يرُد؟
هذا لا يمكن ولا يتأتى له إلا إذا نظر في هذا الفن.
لأنه أولًا: يفهم عقيدة المخالف بناها على أي شيء؟
ثم بعد ذلك ينقض هذه العقيدة.
فثَم أمران: الأمر الأول: يفهم دليل المستدل؛ لأنك إذا أردت أن ترُد باطلًا فلا بد أن تفهم هذا الباطل، كيف استوى؟ على أي ساق، على أي دليل، على أي وِجهة؟ لا بد أن تفهمه، أم ترد هكذا؟ نقول: لا. لا بد أن تفهم أولًا القول الباطل، فكيف تفهمه وهو قد استند إلى هذا الفن؟
إذًا: لا يمكن أن يُعرف ما عند المنطقيين والمتكلمين من الباطل إلا بمعرفة هذا الفن، ولا يمكن أن يُفهم ما عندهم من استدلالات إلا بفهم هذا الفن.
ثم ثالثًا: لا يمكن أن ننسف ما عندهم من باطل إلا بفهم هذا الفن، ولو قلنا بأن الرد واجب فحينئذٍ نقول: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولكن هذا لا يكون مطلقًا لكل أحد وإنما لمن كانت عنده أهلية النظر في الشرع.
إذًا: قال: ولا يفهم الردَّ على المنطقيين فيما جاءوا به من الباطل إلاّ من له إلمامٌ بفن المنطق.
ثم قال: وقد يعين على رد الشبه التي جاء بها المتكلمون في أقيسة منطقية.
"وقد يعين" قد للتحقيق هنا يعني: ليست للقلة، قد إذا دخلت على المضارع أفادت -في المشهور- التكثير أو التقليل، هذا المشهور عند النحاة. ولا تأتي للتحقيق إلا إذا دخلت على الماضي .. إذا دخلت على الماضي أفادت التحقيق أو التقريب.
التحقيق: «قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ» [المؤمنون:١]، التقريب: قد قامت الصلاة .. قد غربت الشمس.
وعند جماهير النحاة لا تأتي للتحقيق، وهذا ليس بسديد بل الصواب أنها قد تأتي للتحقيق إذا دخلت على الفعل المضارع، قال تعالى: «قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ» [الأحزاب:١٨] هنا نحملها على التكثير أو التقليل؟ لا هذا ولا ذاك، وإنما على التحقيق.
التحقيق المراد به: وقوع ما بعده. يعني: متحقَّقُ الوقوع، الحدث الذي بعد قد متحقق الوقوع «قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ» [المؤمنون:١] إذًا: الفلاح متحقق أو لا؟ متحقق.
ولذلك تُعد قد من المؤكِّدات عند البيانيين؛ لأنها تؤكِّد وقوع الحدث.
كذلك «قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ» [الأحزاب:١٨]، «وَلَقَدْ نَعْلَمُ» [الحجر:٩٧] كل هذه نقول: قد هنا للتحقيق، خلافًا لما اشتهر على ألسنة النحاة بأنها لا تكون إلا للتقليل والتكثير.
إذًا: "قد يعين" للتحقيق هنا.
قد يعين على رد الشبه التي جاء بها المتكلمون في أقيسة منطقية. فزعموا أنَّ العقل يمنع بسببها كثيرًا من صفات الله الثابتة في الكتاب والسنة.
نفوا كثيرًا إن لم يكن جميع الصفات الثابتة في الكتاب والسنة، والتي الأصل فيها التسليم على ما جاء به قول الباري جل وعلا وقول نبيه ﷺ اعتمادًا على الأصل في باب الأسماء والصفات.
نفوا كثيرًا من مدلولات هذه الأسماء والصفات، بناءً على أقيسةٍ، والأقيسةُ هذه سيأتي أنه الطريق الموصل إلى التصديق.
إذًا: على شيءٍ من فن المنطق.

1 / 7

هذه الأقيسة حقة أم باطلة؟ نقول: باطلة، كيف نفهم بطلانها؟ بهذا الفن، كيف نردُّ عليهم؟ بهذا الفن.
لماذا؟
لأن المعتمِد على النفي إنما اعتمد على أقيسةٍ باطلة ولا يمكن ردُّها إلا بفهم هذا الأصل عندهم.
قال هنا: لأنَّ أكبرَ سبب لإفحام المبطِل أن تكون الحجةُ عليه من جنس ما يُحتج به.
وهو كذلك.
لأنَّ أكبر سبب لإفحام المبطِل أن تكون الحجة عليه من جنس ما يحتَج به. فالجهمي في باب الأسماء والصفات لا يؤمن بقرآن ولا بسنة قطعًا، وإنما يؤمن بعقله المقدّس، وعقله المقدّس هذا كالكتاب المقدّس يعني .. من جنس واحد.
فحينئذٍ لا يبني ما عنده إلا على هذه الأقيسة التي ظن أنها حقٌ، فحينئذٍ كيف يُنظر فيما عنده؟ نقول: لا بد من هذا الفن.
قال: لأنَّ أكبر سبب لإفحام المبطل أن تكون الحجة عليه من جنس ما يحتج به.
فالرد على الجهمي إنما يكون بالأقيسة الصحيحة الحقة، والرد على المعتزلي كذلك وغيره من أهل البدع.
وأن تكون مركبة من مقدمات على الهيئة التي يعترف الخصم المبطل بصحة إنتاجها.
قال ﵀: ولا شك أنَّ المنطق لو لم يُترجَم إلى العربية ولم يتعلمه المسلمون لكان دينُهم وعقيدتُهم في غنىً عنه كما استغنى عنه سلفهم الصالح.
وهذه مُسلَّمة ولا إشكال فيها، ونحن نتكلم عن واقع لا نتكلم عن شيءٍ في الذهن.
يعني: نتكلم عن واقع بمعنى أن العقيدة الآن -كتب المعتقد- قد خالطها شيءٌ من المنطق.
إذًا لا بد الكلام أو الفتوى أو النظر يكون باعتبار الواقع لا باعتبار شيءٍ في الذهن، وما ذكره الشيخ هنا شيءٌ واقعي أم ذهني؟ لو لم تُترجم لكنا في غنى، هل استغنينا؟ نقول: لا. لم نستغني، لماذا؟ لأنها تُرجمت. العكس.
حينئذٍ لو لم تُترجم كتب المنطق لكنا في غنى كما استغنى السلف الصالح، لكن لم نكن في غنى؛ لأنها تُرجِمت ودخلت في علوم الشريعة.
إذًا: نتكلم عن شيءٍ واقعي ولا نتكلم عن شيءٍ في الذهن.
لكان دينُهم وعقيدتُهم في غنىً عنه كما استغنى عنه سلفهم الصالح.
ولكنه لمّا تُرجم وتُعُلِّم وصارت أقيسته هي الطريقةَ الوحيدة لنفي بعض صفات الله الثابتة بالوحيين، كان ينبغي لعلماء المسلمين أن يتعلموه وينظروا فيه؛ ليردوا حجج المبطلين بجنس ما استدلوا به على نفيهم لبعض الصفات.
كان ينبغي لعلماء الإسلام أن يتعلموا هذا الفن؛ من أجل الذب عن الشريعة، وباب المعتقد على جهة الخصوص.
لأنّ إفحامهم بنفس أدلتهم أدعى لانقطاعهم وإلزامهم الحق.
ثم قال رحمه الله تعالى: واعلم أنّ نفس القياس المنطقي في حد ذاته صحيح النتائج إنْ رُكِّبت مقدماتُه على الوجه الصحيح صورةً ومادة.
يعني: القياس في نفسه صحيح وحق، كما أن الإجماع في نفسه صحيحٌ وحق، كما أن القياس (الدليل الرابع) في نفسه صحيحٌ وحق كذلك.
لكن قد يُردُّ القياس لكونه لم يأت على الصورة الصحيحة، قد يُرد الإجماع لكونه لم يستوفِ الشروط.
حينئذٍ إذا كثُرت الإجماعات ورُدَّت لا نرجع إلى الأصل فنرده من أصله، وكذلك الشأن في القياسات.
هنا الشيخ يشهد -رحمه الله تعالى- على أن القياس المنطقي في أصله صحيح وحق، بل يرى أنه قطعي، لكن متى؟ إنْ رُكِّبت المقدِّمات على الوجه الصحيح من حيث الصورة ومن حيث المادة.

1 / 8

يعني: إن استوفى الشروط، كما أن القياس في باب الشرعيات إذا استوفى الشروط فهو حق كذلك الشأن هنا.
إذًا: لا يُنظر في المنطق من حيث ما رتَّب عليه أهل البدع فحسب، هذه نظرة قاصرة، وهذا الذي أودى ببعض الطلاب هنا إلى مسألة التذبذب في تعَلُّم هذا الفن .. ندرُس أو لا ندرس؟
حينئذٍ نقول: النظر هنا في القواعد من حيث أصلُها، والنظر في استعمال هذه القواعد، حينئذٍ إذا استعمله المبتدئ على وجهٍ مخالف نرد عليه ببيان وجه المخالفة، وأما الأصل فيبقى على أصله.
ولذلك قال هنا: واعلم أن نفس القياس المنطقي في حد ذاته صحيحُ النتائج إن رُكِّبت مقدماته على الوجه الصحيح صورةً ومادة، مع شروط إنتاجه فهو قطعي الصحة (ليس ظني)، وإنما يعتريه الخلل من جهة الناظر فيه فيغلط، فيظُن هذا الأمر لازمًا لهذا مثلًا. هذا يلزم من كذا وقد يخطئ، قد يظن أن هذا لازم وهذا ملزوم، وليس بينهما ملازمة، يمكن أو لا؟ يمكن.
قد يظن أن المقدمة الصغرى صحيحة وهي باطلة، أو العكس- الكبرى- .. ونحو ذلك.
فيستدل بنفي ذلك اللازم في زعمه على نفي ذلك الملزوم مع أنه لا ملازمة بينهما في نفس الأمر البتة.
إذًا: يقع الغلط والخطأ من حيث الاستعمال لا من حيث الأصل، فإنه قطعيٌ كما قال الشيخ هنا.
قال: ومن أجل غلطه في ذلك تخرج النتيجة مخالفة للوحي الصحيح لغلط المستدل. ولو كان استعماله للقياس المنطقي على الوجه الصحيح لكانت نتيجته مطابقة للوحي بلا شك؛ لأنّ العقل الصحيح لا يخالف النقل الصريح إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى.
إذًا: هذه الجملة نفيسة من كلام الشيخ الأمين رحمه الله تعالى ذكرها في مقدمة كتابه الذي يسمى بالمقدمة المنطقية أو آداب البحث والمناظرة، وجعلَ في القسم الأول قواعد المنطق، بيَّن فيه أنه ينبغي أن يدرُس أهل العلم الذين يتصدون للرد على المخالفين .. أن يدرسوا هذا الفن من أجل الرد على المخالفين، وعلى شبه هؤلاء المبتدعة.
ثم في نفسه كطالب العلم أن ينظر فيه ليفهم كما سيأتي في كلام الشوكاني رحمه الله تعالى .. أن يفهم مصطلحات هذا الفن من أجل أن يفهم كثيرًا من كتب أصول الفقه، وما تعلق به من علوم اللغة.
وأصبح دراسة المنطق مطلوبةً عند بعض المتأخرين لدراسة بعض العلوم كالأصول. كما ذكرنا.
لأن كثيرًا من مؤلفاتها الصيغة في قالبٍ منطقي فتعذر التمكن فيها إلا بدراسته.
نعم تعذَّر؛ لأنها في جُلِّها إن لم تكن كلها مبنيةٌ على هذا العلم، فلن يتمكن فيه طالب العلم إلا بالتمكن في هذا الفن.
وقد قرر ذلك جماعةٌ من أهل العلم.
قال ابن القاسم العبَّادي في حاشيته على تحفة المحتاج: قال في الإمداد: بل هو (أي: المنطق) أعلاها أي: العلوم الآلية.
وهذا من الغلو، كما هو الشأن في بعض من يغلو في باب القياس الشرعي (الذي هو رابع الأدلة)، هنا كذلك بعضهم يغلو في باب المنطق، حتى قال الغزالي: من لا علم له بالمنطق لا ثقة في علمه. يعني: علمُه هباءً منثورًا. هذا كلام فاسد لا يعوَّل عليه، لماذا؟

1 / 9

شرح المطلع على متن إيساغوجي | أصول