الشيخ محمد بن عثيمين من العلماء الربانيين

الناشر

مطبعة النرجس

الإصدار

الأولى

سنة النشر

١٤٢٢هـ/٢٠٠١م

الشيخ محمد بن عثيمين من العلماء الربانيين
محاضرة ألقاها: عبد المحسن بن حمد العبادر البدر
في الجامعة الإسلامية بالمدينة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيِّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضلَّ له، ومَن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، وخليلُه وخيرتُه مِن خَلْقه، أرسله اللهُ تعالى بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فدلَّ أمَّتَه على كلِّ خير، وحذَّرها من كلِّ شرٍّ.
اللَّهمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابه ومَن سلك سبيلَه واهتدى بهديه إلى يوم الدِّين.
أمَّا بعد:

1 / 3

فإنِّي أتحدَّث إليكم أيُّها الإخوة هذه الليلة١ عن شيخٍ فاضلٍ من شيوخ المملكة العربيَّة السعودية، وعَلَمٍ من أعلامها بل عن عَلَمٍ من أعلام العالَم الإسلامي، له جهودٌ كبيرةٌ في العنايةِ بالعلمِ ونشرِه وبذلِه، وإفادةِ طلبة العلم، ألا وهو الشيخ العلاَّمة محمد بن صالِح بن عُثيمين ﵀ وأسكنه فسيح جنَاته.
فأقول: إنَّ أعظمَ مصيبةِ موتٍ حصلت في الإسلام المصيبةُ بوفاة نبيِّنا محمد ﷺ، والمصائبُ العظمى بعد تلك المصيبة إنَّما هي بموت ورثتِه ﷺ، وقد قال ﷺ: "إنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياء، وإنَّ الأنبياءَ لَم يُورِّثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنَّما ورَّثوا العلمَ، فمَن أخذ به، أخذ بحظٍّ وافر"، رواه أبو داود (٣٦٤١) وغيرُه، وسنده حسن.

١ هذه محاضرة أُلقيت في مسجد الجامعة الإسلامية بالمدينة ليلة الجمعة (٢٤/١٠/١٤٢١هـ) .

1 / 4

والشيخُ ابنُ عُثيمين ﵀ قد أخذ من العلمِ بحظٍّ وافر، وبَذَل جهودًا عظيمةً في نشرِه، وإفادةِ طلاَّب العلم.
وكلامي عن هذا الشيخ الفاضل عن: نسبه، وولادته ونشأته، وشيوخه وتلاميذه، وبذلِه للعلم وقيامِه بالدَّعوة، ومؤلفاتِه، ومكانتِه عند الناس، ووفاتِه وعقِبِه، ووصايا ومقترحات.
أولًا: نسبه
هو محمد بن صالح بن محمد بن سليمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن عبد الله بن عبد الرحمن ابن أحمد بن مُقبل، من الوهَبة، من بنِي تميم، وجدُّه الرابع عثمان أُطلق عليه عُثيمين، واشتهرت هذه الأسرة بالنسبة إليه بهذا الإطلاق (عُثيمين مأخوذ من عثمان) .
أفادنِي بهذا النسب ابنُ عمِّه الدكتور عبد الرحمن

1 / 5

ابن سليمان بن عُثيمين.
وانظر كتاب: "علماء نجد خلال ستة قرون" للشيخ عبد الله البسَّام (٢/٤٢٢) .
ثانيًا: ولادته ونشأته
وُلد في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان سنة ١٣٤٧هـ في مدينة عُنيزة، إحدى مدن القصيم، ونشأ نشأة صالِحة طيِّبة.
تعلَّم القراءةَ والكتابةَ في الكتَّاب، وتعلَّم القرآنَ على جدِّه لأمِّه عبد الرحمن بن سليمان آل دامغ، فحفظ القرآن وتتلمذ على الشيخ العلاَّمة عبد الرحمن ابن ناصر السَّعدي ﵀، ولَمَّا فُتح معهد الرياض العلمي استأذن شيخَه عبد الرحمن بن سعدي في الالتحاق به، فدرس فيه، وكانت مدَّةُ الدراسة في ذلك الوقت بعد الابتدائي وقبل الكلية أربعَ سنوات، ودخل في السنة الثانية، وكان في ذلك الوقت نظام القفز، وهو أنَّ مَن

1 / 6

يكون عنده استعدادٌ للتقدُّم في الدراسة، فإنَّه تُتاح له الفرصة في العطلة الصيفية أن يدرسَ مقرَّرات السنة التي بعد سنته التي انتهى منها، وإذا جاء الدور الثاني اختبر في مواد تلك السنة، فينتقل منها إلى السنة الأخرى، وكان - رحمة الله عليه - دَرَسَ في السنة الثانية، وفي الصيف درس مقرَّرات السنة الثالثة، وانتقل منها إلى السنة الرابعة، وبعد انتهائه منها فُتح المعهد العلمي بعُنيزة سنة ١٣٧٤هـ، وصار يدرسُ على شيخه الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، ويقوم بالتدريس في معهد عُنيزة العلمي، وكان مع ذلك منتسبًا إلى كليَّة الشريعة، يذهب إلى الرياض لأداء الاختبار في نهاية كلِّ سنة دراسية، حتى أنهى الدراسة في الكليَّة.
وبعد افتتاح كليَّة الشريعة وأصول الدِّين بالقصيم انتقل من التدريس في المعهد إليها، واستمرَّ في التدريس فيها إلى أن توفي ﵀.

1 / 7

ولَمَّا تُوفِّيَ شيخُه عبد الرحمن بن سعدي سنة ١٣٧٦هـ تولَّى الإمامةَ والخطابةَ والتدريس في المسجد الجامع الكبير بعُنيزة، واستمرَّ على ذلك حتى توفَّاه الله.
ثالثًا: شيوخه وتلاميذه
أبرز شيوخه الذين درس عليهم: الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، درس عليه في المسجد الكبير بعُنيزة، والشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمهما الله، درس عليهما في معهد الرياض العلمي.
وأمَّا تلاميذه، فهم كثيرون، أخذوا عنه العلمَ في معهد عنيزة العلمي، وكلية الشريعة وأصول الدِّين بالقصيم، وفي المسجد الجامع الكبير بعُنيزة، فتدريسُه في المسجد الجامع الكبير مدَّتُه خمسٌ وأربعون سنة، وتدريسه في المعهد والكليَّة مدَّتُه سبعٌ وأربعون سنة،

1 / 8

فتلاميذه في هذه المُدَّة الطويلة كثيرون جدًّا.
وكان عددٌ كبير من الطلبة من داخل المملكة وخارجها يرتحِلون إليه لتلقِّي العلمَ عنه لا سيما في الصيف، حيث يكون له فيه دروسٌ كثيرة، في الصباح وبعد العصر وبعد المغرب، ولا ينقطع عن التدريس بعد المغرب في جميع أيَّام السنة.
وفي المسجد الجامع الكبير بعُنيزة مكتبة أسَّسها الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀، وبعد وفاته واصل الشيخ محمد بن عُثيمين تزويدها بالكتب، ولَمَّا أعاد الملك خالد ﵀ بناءَ المسجد الجامع الكبير بعُنيزة، بنى بجواره عمارةً جعلها وقفًا على الطلبة الذين يرتحلون إلى عُنيزة للدراسة على الشيخ ابن عُثيمين ﵀، ونُقلت المكتبة إلى تلك العمارة، فكانت هذه العمارة فيها سكن الطلاَّب والمكتبة.

1 / 9

رابعًا: بذلُه العلمَ وقيامُه بالدَّعوة
علمنا مِمَّا تقدَّم أنَّه بدأ بالتدريس في معهد عُنيزة عام ١٣٧٤هـ، وأنَّه بدأ بالخطابة والإمامة والتدريس في المسجد الجامع الكبير عام ١٣٧٦هـ، وأنَّه أخذ العلمَ عنه طلبةٌ كثيرون في معهد عُنيزة العلمي، وفي كليَّة الشريعة وأصول الدِّين بالقصيم، والمسجد الجامع الكبير بعُنيزة، ولَم يقتصر بذلُه للعلمِ وقيامُه بالدَّعوة على بلاده القصيم، بل كان يبذل العلمَ عن طريق التدريس، والمحاضرات في البلاد التي ينتقل إليها داخل المملكة، وكان يذهب إلى مكة في أوقات مختلفة، ويقوم بالتدريس في المسجد الحرام، لا سيما في شهر رمضان، وكان من عادته أن يذهب إليه بعد ما يمضي جزءٌ من رمضان فيُدرِّس في المسجد الحرام، ويلتفُّ حولَه عددٌ كبير من الطلبة الذين يحرصون على تلقِّي دروسِه والأخذ عنه، وكذا إذا حضر إلى المدينة لإلقاء محاضرات

1 / 10

أو لغير ذلك، فإنَّه يُدرِّس في المسجد النبوي، ويسرُّ الطلاَّبُ إذا علموا بقدومه إلى المدينة ليَحضُروا دروسَه، ويستفيدوا من علمه، وكنتُ من المدرِّسين في هذا المسجد، فكان الطلاَّبُ يطلبون منِّي أن أوقف الدرسَ ليَحضُروا دروسَه، فكنتُ أوقفُها ليتمكَّنوا من الاستفادةِ منه، وكنتُ أحضُرُ دروسَه معهم في بعض الأحيان.
ومن مجالات تعليمه ودعوته إلقاؤه المحاضرات في مختلف مدن المملكة، في المساجد والجامعات.
وقد ألقى محاضرات عديدة في الجامعة الإسلامية بالمدينة، في مسجدها، وفي قاعة المحاضرات، وفي أماكن الصلاة في كليَّاتها ومعاهدها.
وأذكر أنَّ من محاضراته التي ألقاها في الجامعة الإسلامية، محاضرة واسعة بعنوان: منهج أهل السنة والجماعة في العقيدة والعمل، وكذا محاضرة بعنوان: آداب طلب العلم.

1 / 11

وكان يُلقي محاضرات عن طريق الهاتف في أوربا وأمريكا وغيرها.
ومن مجالات تعليمه ودعوته مشاركته في المؤتمرات في داخل المملكة، وقد عُقد في الجامعة الإسلامية ثلاثة مؤتمرات، مؤتمران في توجيه الدعوة وإعداد الدعاة، ومؤتمر في مكافحة المسكرات والمخدِّرات، وقد حضر هذه المؤتمرات وأفاد فيها في بحوثه ومناقشته.
ومن مجالات تعليمه ودعوته، مشاركته في توعية الحُجَّاج في مواسم الحج بالفتاوى، وإلقاء الدروس والمحاضرات، وقام بالإشراف على الدعاة لتوعية الحجاج في بعض السنوات لجنةٌ فيهم الشيخ ﵀، وكنتُ في هذه اللجنة، وكانت اللجنة تجتمع للنظر في شؤون توعية الحجاج، وكان الشيخ ﵀ يُفيد اللجنة في رأيه وعلمه، وأذكرُ أنَّه عندما كُتب التقريرُ من

1 / 12

الشيخ محمد بن عثيمين من العلماء الربانيين | أصول