شرح عمدة الفقه

الناشر

دار عطاءات العلم (الرياض)

الإصدار

الثالثة

سنة النشر

١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم)

مكان النشر

دار ابن حزم (بيروت)

آثار شيخ الإسلام ابن تيمية وما لَحِقَها من أعمال (٢٥)
شرح العمدة
تأليف
شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية (٦٦١ - ٧٢٨)
دار عطاءات العلم - دار ابن حزم

المقدمة / 1

مقدمة التحقيق
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد، فإن «شرح العمدة» لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من الكتب الفقهية المهمة، وهو من أهم كتب المذهب الحنبلي، بل هو أوسع كتب المذهب التي وصلت إلينا، وأغناها من حيث تفصيل الروايات والوجوه، وأقوال الأصحاب المتقدمين، وإفاضة القول في مناقشتها، والترجيح بينها في كل مسألة، على الرغم من النقص الذي اعتراه فلم يكتب المؤلف إلا العبادات، وما وصل إلينا منها اعتراه بعض النقص أيضًا كما سيأتي مشروحًا.
وقد اعتمد عليه مَن بعده من تلامذة المصنف وغيرهم من فقهاء المذهب، كشمس الدين ابن مفلح صاحب «الفروع»، وشمس الدين الزركشي شارح «مختصر الخرقي»، وبرهان الدين ابن مفلح صاحب «المبدع»، وعلاء الدين المرداوي صاحب «الإنصاف»، فنقلوا منه اختيارات المصنف وترجيحاته، وبعض احتجاجاته، والأقوال الواردة فيه.
ومن المحزن حقًّا أننا لا نعرف للكتاب نسخةً كاملة، وإنما وصل كتاب الطهارة مع قسم من كتاب الصلاة في نسخة محفوظة في الظاهرية. وكانت نسخةٌ بخط الشيخ أبي بكر الجراعي الدمشقي (٨٢٥ - ٨٨٣) في القصيم تشتمل على كتب الصلاة والصيام والحج، مع خرم في أول كتاب الصلاة وآخره، وقد نُقِلت منها قبل أن تأكلها الأرضة نسختان، فهما في الحقيقة بمنزلة نسخة واحدة. وعن هذه النسخ حُقِّق الكتاب ونُشِر من قبل، في أجزاء

المقدمة / 5

متفرقة، وأزمنة مختلفة، على أيدي عدد من الباحثين الأفاضل.
وكان أسبقهم الدكتور سعود بن صالح العطيشان الذي حقّق قسمًا من كتاب الطهارة من نسخة الظاهرية في رسالته للماجستير سنة ١٤٠٣، ثم أكمل تحقيق سائر كتاب الطهارة، ونشرته مكتبة العبيكان بالرياض سنة ١٤١٢.
ثم حقّق الدكتور صالح بن محمد الحسن كتاب المناسك منه في رسالته للدكتوراه سنة ١٤٠٥، وطُبع في مكتبة الحرمين بالرياض سنة ١٤٠٩ في مجلدين، وطبع مرةً ثانية (مع كتاب الطهارة) في مكتبة العبيكان بالرياض سنة ١٤١٣ في ثلاثة مجلدات. وصدرت له طبعة ثالثة عن دار المنهاج بالرياض سنة ١٤٣٣ في مجلد ضخم.
وحقّق قسم الصيام الشيخ زائد بن أحمد النشيري، ونشرتْه دار الأنصاري سنة ١٤١٧ في مجلدين.
أما كتاب الصلاة، فحقق معظم الموجود منه الدكتور خالد بن علي بن محمد المشيقح، وطبعته دار العاصمة بالرياض سنة ١٤١٨ في مجلد كبير. وباب صفة الصلاة منه طبعته دار العاصمة أيضا بتحقيق الدكتور عبد العزيز بن أحمد بن محمد بن حمود المشيقح سنة ١٤٢٩ في مجلد صغير.
وننوّه هنا أن لآل مشيقح فضلًا مضاعفًا في إحياء هذا الكتاب، فقد خدموه مرتين: مرة إذ تجشَّم الشيخ علي بن إبراهيم بن صالح بن حمود المشيقح (ت ١٤٢٨) ﵀ نقلَ الكتاب من نسخة الجُراعي التي كانت عند الشيخ فهد بن عبيد العبيد. ومرة أخرى إذ نهض بعضهم بتحقيق بعض أجزائه كما سلف. فالله يجزيهم جميعًا على حسن مسعاهم في الحفاظ على

المقدمة / 6

الكتاب وخدمته ونشره.
تبين مما سبق أن ما وصل إلينا من أجزاء الكتاب بدأ نشره سنة ١٤٠٩، وانتهى سنة ١٤٢٩. وكان بعض أقسام الكتاب قد حقق ضمن رسائل علمية، فاختلف منهجها عن منهج الأقسام الأخرى في التقديم والتعليق على الكتاب والفهارس.
وكان الشيخ العلامة بكر أبو زيد ﵀ يتمنى ــ وكلُّ محبّ لتراث شيخ الإسلام ــ لو صدر الكتاب كلُّه مجتمعًا على نسق واحد، ومحقَّقًا على منهج واحد، فأدرج ضمن خطة مشروع آثار شيخ الإسلام وما لحقها من أعمال. وصح العزمُ على إخراجه في خطة هذا العام ١٤٣٥، فخططنا لتحقيقه على طريقة موحّدة، واقتسمه ثلاثة باحثين.
ومن المؤسف أن ستًّا وعشرين سنة مضت على صدور المجلد الأول من هذا الكتاب، ولكن لم يُعثر في هذه المدة على شيء من القسم المفقود، ولا على نسخة جديدة من المتيسر الموجود؛ اللهم إلا قطعة من أول كتاب الصلاة تقابل ٢٨ ورقة من نسخة الظاهرية، وقطعة جديدة من باب صلاة الخوف تنشر لأول مرة في هذه الطبعة، وقطعة في ورقتين من كتاب الصيام. وقد نمى إلينا خبر وجود كتاب الزكاة في إحدى المكتبات الخاصة بالرياض، وأن الشيخ عبد الله بن عقيل (ت ١٤٣٢) ﵀ قد اطلع على هذه القطعة ونقل منها، وما زلنا نبحث عمن يفيدنا بخبر عنها تأكيدًا أو نفيًا. ثم رأينا أخيرًا ورقة بخط الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة ﵀ يذكر فيها أن في مكتبة الشامسي بالشارقة مجلدًا من شرح العمدة لشيخ الإسلام. ولا ندري من خبر هذا المجلد إلا هذه الإشارة، وقد سألنا عن مكتبة الشامسي

المقدمة / 7

فلم نعثر على خبر عنها حتى الآن، فلعلّ قابل الأيام تكشف لنا من خبر نسخ هذا الكتاب ما كان خافيًا.
ونسخة الظاهرية التي تحوي كتاب الطهارة وقسمًا من كتاب الصلاة مشحونة بالأغلاط والأسقاط، وتحقيق الكتاب عن نسخة فريدة ــ ولا سيما إذا كانت كما وصفت ــ مدحضة وأي مدحضة! ونسختا الأقسام الأخرى أحسن حالًا من نسخة الظاهرية، ولكنهما منسوختان من أصل واحد، فكأنهما نسخة فريدة أيضًا.
ونقول هنا اعترافًا بالفضل للسابق: إن الطبعة السابقة التي أخرجها من سبقنا من الفضلاء عن النسخ المذكورة هي الخطوة الأولى في إخراج الكتاب، وكانت بلا شكّ خطوة مباركة مشكورة. وطبعتنا هذه خطوة ثانية، استفادت من الجهود السابقة، وصححت كثيرًا من التصحيفات والتحريفات التي فاتهم تصحيحها، وخالفت كثيرًا من قراءاتها، واستدركَتْ ما سقط منها من ألفاظ وعبارات في مواضع ليست بالقليلة. والقطعة التي عثرنا عليها من كتاب الصلاة كشفت عن تحريف عجيب في نسخة الظاهرية، إلى أخطاء أخرى، منها ورود بعض الفقرات في غير مكانها الصحيح.
وقد بذل المشتركون في هذا العمل ما في وسعهم تحقيقًا وتخريجًا ومراجعة، فإليهم جميعًا يرجع الفضل ــ بعد توفيق الله ﷿ ــ فيما حظيت به هذه الطبعة من الصحة والإتقان. فشكر الله سعيهم، وأجزل مثوبتهم.
ومع كل ذلك، لا نظنّ أن طبعتنا قد خلت من الوهم والغلط، فذلك ما لا سبيل إليه، ولا مطمَع فيه، إذ لم يكن بين يدي المحقّق إلا نسخة فريدة، ولا سيما مثل نسخة الظاهرية. وكلّ ما نرجوه أن تكون طبعتنا هذه ــ بعد ما

المقدمة / 8

بُذِل فيها من جهد جهيد مضموم إلى الجهد السابق ــ أقرب إلى الصحة. ونحن نعلم أنه قد بقي في الكتاب خلل كثير لم تقو عليه يدُ الإصلاح، ومنه ما يحتاج تقويمه إلى بصر نافذ، ومنه ما لا يكشف عنه إلا العثور على نسخة جديدة جيدة. ونرجو الله أن يقيِّض لنا ولهذه الطبعة من الكتاب ناقدًا بصيرًا وقارئًا حصيفًا، يبين لنا ما خفي علينا، وينبهنا على ما غفلنا عنه من وجوه الصواب، متفضلًا مشكورًا.
وننوه بجهود الأخ الشيخ نبيل بن نصّار السِّندي الباحث في المشروع، الذي لم يقتصر عمله على تخريج أحاديث كتاب الحج وآثار كتاب الصوم وصنعِ بعض الفهارس، بل قرأ الكتاب كاملًا قراءة دقيقة وأفاد في تصحيحه في مواضع عديدة. كما شارك الأخ الفاضل عبد القادر محمد جلال في تخريج طائفة من أحاديث كتابي الطهارة والصلاة.
وقد تفضل الدكتور عبد الله المنيف بالمساعدة في تصوير قطعة من الكتاب في مكتبة الملك فهد الوطنية، وكذلك الأخ الشيخ سامي جاد الله إذ أرسل إلينا قطعة من الكتاب في شرح باب صلاة الخوف. وهي قطعة جديدة لم تنشر من قبل، عثر عليها ضمن أحد المجاميع العمرية. وتفضل الأخ الكريم محمد العتيبي بالمساعدة في تصوير ورقات من كتاب الصوم كانت محفوظة في مكتبة وزارة الأوقاف بالكويت، فجزاهم الله خير الجزاء.
وقد تولّى الأخ خالد محمد جاب الله صف الكتاب وإخراجه، وصنع فهارس الآيات والأحاديث والأعلام، فله الشكر منا والتقدير.
وندلف الآن إلى مباحث التعريف بالكتاب:

المقدمة / 9

كتاب «العمدة» وشروحه
للإمام موفق الدين ابن قدامة (ت ٦٢٠) ثلاثة كتب في الفقه الحنبلي هي من المتون المعتمدة في المذهب. وقد راعى في تأليفها طبقات القراء والدارسين:
١ - «العمدة» للمبتدئين، على رواية واحدة في المذهب.
٢ - ثم «المقنع» لمن ارتفع عن درجتهم، فعدّد فيه الرواية، وجرَّده من الدليل، ليتمرن المتفقه على الاجتهاد في المذهب، وعلى التصحيح، والبحث عن الدليل.
٣ - ثم «الكافي» للمتوسطين، بناه على رواية واحدة مقرونة بالدليل، وذكر في مواضع تعدُّدَ الرواية في المذهب للتمرن (^١).
ثم ألَّف كتابه الكبير «المغني في شرح مختصر الخرقي» الذي ذكر فيه الدليل، والخلاف في المذهب، والخلاف العالي، وعِلَل الأحكام، ومآخذ الخلاف وثمرته، ليفتح للفقيه باب الاجتهاد في الفقهيات.
أما كتاب «العمدة» (^٢) فيتميز بسهولة العبارة، حتى صار عمدة الشيوخ في تلقين المبتدئين، وهذا مقصد مؤلفه كما ذكره في خطبته. وقد صدَّر كلّ

(^١). انظر «المدخل المفصل» للشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد (٢/ ٧١٩).
(^٢). ذكره صاحب «كشف الظنون» (٢/ ١١٦٤) بعنوان «عمدة الأحكام في الفروع»، وقال: «هو مختصر في العبادات الخمس»، ووفاة مؤلفه «سنة ٦٦٠». وكلها معلومات خاطئة. ولم يذكر من شروحه شيئًا.

المقدمة / 10

باب منه بحديث صحيح، فقال: «وأودعتُه أحاديث صحيحة تبركًا بها واعتمادًا عليها، وجعلتُها من الصحاح لأستغني عن نسبتها إليها». وأتبعَ ذلك بالقول المعتمد عنده على سبيل الاستنباط من ذلك الحديث. وفي ذلك فوائد عديدة لا تخفى، منها: توجيه المتفقه إلى الدليل، وتمرينه على الاستنباط منه، وبعثُ همته إلى طلب الحديث ودراسته. ويمتاز متن «العمدة» بعرض المسائل الفقهية في الأبواب، وترتيبها ترتيبًا منطقيًّا، فيبدأ بالأصول، ثم يُتبعها بالمسائل المبنية عليها.
وبسبب سهولة عبارته وخفّة محمله واختياره للقول المعتمد في المذهب، عكف العلماء والطلّاب على حفظه ومدارسته، وألَّفُوا عليه شروحًا عديدة في القديم والحديث، منها ما وصل إلينا وطبع ونُشِر، ومنها ما لم نعرف عن وجوده في المكتبات. وأشهر هذه الشروح وأهمُّها شرح شيخ الإسلام هذا الذي بين أيدينا. يقول الشيخ بكر ﵀: «متنٌ مؤلفه ابن قدامة، ويشرحه ابن تيمية، قد نال الشرفين متنًا وشرحًا، فهو حقيقٌ بعناية المعلمين والمتعلمين» (^١). وفيما يلي ذِكر بقية الشروح:
١ - «العدَّة شرح العمدة» لبهاء الدين المقدسي (ت ٦٢٤)، وهو أول من شَرحه، والمؤلف من تلاميذ الموفق. وشرحه هذا مطبوع ومتداول بين أهل العلم، سلك فيه مسلك الاختصار، وعُني بذكر الدليل والتعليل، وقد يذكر الخلاف بين العلماء واختلاف الروايات في المذهب، ويذكر بعض المسائل والفروع التي لم يذكرها الموفق.

(^١). «المدخل المفصل» (٢/ ٧٢١).

المقدمة / 11

٢ - «شرح العمدة» لعبد المؤمن بن عبد الحق البغدادي (ت ٧٣٩). ذكره المترجمون له ووصفوه بأنه مجلدان (^١). ولم نعرف عن وجوده في المكتبات شيئًا.
٣ - «شرح العمدة» لعلاء الدين علي بن محمد البغدادي الدمشقي (ت ٩٠٠) (^٢).
٤ - «شرح العمدة» للشيخ محمد بن علي الحركان (ت ١٤٠٣)، لم يكمله، فقد بلغ فيه إلى كتاب الأيمان والنذور. وصفه الشيخ البسَّام (^٣) بأن المؤلف حقَّق فيه ودقَّق بتحليل جُمَله، وعزو أحكامه إلى أدلتها، وبيان ما في المسألة من خلاف مع ذكر الصواب، وبيان المشهور من المذهب.
٥ - علَّق عليه الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسّام (ت ١٤٢٣)، وطبع في مكتبة النهضة الحديثة بمكة المكرمة سنة ١٣٧٩. ذكر المؤلف في مقدمته أنه وضع عليه هذه الحاشية لفكّ بعض ما يعسُر فهمه على الطالب، أو ردِّ بعض الأحكام إلى دليل أو تعليل، مع ذكر بعض الفوائد اللازمة. وهي حواشٍ مختصرة وتعليقات مقتضبة، وليست شرحًا على الكتاب كله. وهو مطبوع مرارًا.

(^١). «ذيل طبقات الحنابلة» لابن رجب (٤/ ٤٢٩) و«شذرات الذهب» (٦/ ١٢١).
(^٢). ورد ذكره في «المدخل» (٢/ ٧٢١)، «السحب الوابلة» (٢/ ٧٦١). وقد نقل من الضوء اللامع، وذكره ساقط من مطبوعة الضوء.
(^٣). في مقدمة شرحه «للعمدة» (ص ٤).

المقدمة / 12

٦ - «الوردة شرح العمدة» للشيخ عبد الكريم بن إبراهيم الغضية، نشرته دار الخضيري بالمدينة المنورة سنة ١٤١٨. طبع الجزء الأول منه من أول الكتاب إلى آخر باب العقيقة.
٧ - «وبل الغمامة بشرح عمدة الفقه لابن قدامة» للشيخ عبد الله بن محمد الطيار، أصله دروس أسبوعية وشهرية بدأ بها من سنة ١٤٠١، وقد نشر هذا الشرح كاملًا في ثمانية مجلدات، وطبعته دار الوطن بالرياض.
٨ - «شرح عمدة الفقه» للشيخ عبد الله بن عبد العزيز الجبرين، طبع كاملًا في ثلاثة مجلدات، وآخر طبعاته الطبعة السابعة من مكتبة الرشد بالرياض سنة ١٤٣٣.

المقدمة / 13