شرح عمدة الفقه_كتاب الطهارة [١]
المياه التي يجوز التطهير بها كل ما نزل من السماء أو نبع من الأرض، وهو أقسام: طاهر مطهر، وطاهر غير مطهر، ونجس، ويغسل الإناء من ولوغ الكلب سبع مرات إحداهن بالتراب، ويغسل من سائر النجاسات مرة تأتي عليه.

1 / 1

شرح مقدمة العمدة

1 / 2

الحمد والثناء لله
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله أهل الحمد ومستحقه حمدًا يفضل على كل حمد كفضل الله على خلقه، وأشهد أن لا إله إلا الله].
هذا الكتاب اسمه: عمدة الفقه للإمام ابن قدامة ﵀، وضعه للمبتدئين برواية واحدة، ثم وضع كتابًا آخر بعده، وهو: المقنع للمتوسطين، وهو أوسع من العمدة، ثم ألف الكتاب الثالث، وهو: الكافي، يذكر فيه بعض الأدلة، والمقنع يذكر فيه الخلاف، والكافي يذكر فيه الروايات، ويذكر الأدلة تعويدًا للمتوسطين، ثم ألف كتاب: المغني للمجتهدين، فـ ابن قدامة ألف العمدة للمبتدئين، ثم المقنع للمتوسطين، ثم الكافي لبيان بعض الأدلة، وضبط الخلاف بالأدلة، ثم المغني للمجتهدين.
قوله: (الحمد لله) الحمد: هو الثناء على المحمود مع حبه وإجلاله وتعظيمه، فهو ثناء على الرب ﷾ مع حبه وإجلاله وتعظيمه.
قوله: [أهل الحمد ومستحقه حمدًا يفضل على كل حمد كفضل الله على خلقه].
الله هو أهل الحمد سبحانه، وهو المستحق لجميع أنواع المحامد، وهي ملك لله واستحقاق له.
قوله: [وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة قائم لله بحقه].
هذا اعتراف لله بالوحدانية والألوهية، وأنه هو المستحق للعبادة، فـ (أشهد أن لا إله إلا الله) يعني: أقر وأعترف بأنه لا معبود بحق إلا الله، فهذا اعتراف بوحدانية الله وربوبيته وألوهيته.
قوله: [وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له].
وحده تأكيد، و(لا شريك له) يعني: لا شريك له في عبادته، كما أنه لا شريك له في ربوبيته وأسمائه وصفاته وأفعاله.
قوله: [وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله].
هذه الشهادة للنبي ﷺ بالرسالة، فالأولى: هي شهادة لله بالوحدانية، والثانية: شهادة لنبيه بالرسالة، وهاتان الشهادتان أصل الدين وأساس الملة، ولا يصح إسلام أي إنسان حتى يقر بهاتين الشهادتين، حتى يشهد لله تعالى بالوحدانية ولنبيه ﷺ بالرسالة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله غير مرتاب في صدقه].
يعني: لا بد من اليقين، أشهد عن يقين لا عن ريب وشك.

1 / 3

معنى الصلاة من الله والعبد والملائكة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه ما جاء سحاب بودقه].
أحسن ما قيل في تفسير صلاة الله على عبده ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي العالية قال: صلاة الله على عبده ثناؤه عليه في الملأ الأعلى.
وقيل: الصلاة الرحمة، وقيل: تشمل الأمرين الرحمة والثناء، والصلاة من الله ومن العبد والملائكة الدعاء.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه ما جاء سحاب بودقه، وما رعد بعد برقه].
الودق: المطر، يعني: صلاة وسلامًا عدد المطر، وعدد صوت الرعد ولمعان البرق.

1 / 4

معنى كلمة (أما بعد)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أما بعد].
هي كلمة يؤتى بها للدخول في المقصود، وللانتقال من أسلوب إلى أسلوب، كأن يكون انتقل من الخطبة إلى الدخول في الموضوع الذي يريده وهو التأليف.

1 / 5

معنى الفقه لغة واصطلاحًا
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فهذا كتاب في الفقه اختصرته حسب الإمكان].
الفقه لغة: الفهم، واصطلاحًا: استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واقتصرت فيه على قول واحد ليكون عمدة لقارئه].
اقتصر فيه على قول واحد ليكون عمدة للمبتدئين، فيحفظون هذا الكتاب، وكتاب العمدة على قول واحد لمذهب الحنابلة، ثم بعد ذلك ينتقلون إلى المقنع وهو أوسع، ثم إلى الكافي، ثم إلى المغني.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فلا يلتبس الصواب عليه باختلاف الوجوه والروايات].
لأنه مبتدئ، والمبتدئ لا ينبغي أن يذكر له الوجوه والخلاف؛ لأنها تشوش عليه فيعطى قولًا واحدًا يحفظه، ولا يشوش عليه بكثرة الأقوال والأوجه والخلافات حتى يتقوى ويكون عنده حصيلة علمية وملكة، فيكون هذا عنده أصل، ثم بعد ذلك يتوسع في الخلاف ومعرفة الراجح من الأقوال بالدليل.

1 / 6

سبب تأليف المؤلف لكتاب العمدة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [سألني بعض إخواني تلخيصه ليقرب على المتعلمين].
هذا هو سبب التأليف وهو: أنه سأله بعض الإخوان أن يؤلف، فألفه على قول واحد للمبتدئين ليقرب فهمه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [سألني بعض إخواني تلخيصه ليقرب على المتعلمين، ويسهل حفظه على الطالبين].
ألفه ليكون قريبًا للذهن، وليكون سهل الحفظ على المبتدئين؛ فاجتهد في إخلاصه، وفي الاستعانة بالله ﷿، وهذا من أسباب التأليف، فكل مؤلف في الغالب يذكر سبب التأليف، فسبب تأليفه أن بعض الإخوان سأله أن يؤلف لهم كتابًا سهلًا فيحفظه المبتدئون.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فأجبته إلى ذلك معتمدًا على الله سبحانه في إخلاص القصد لوجهه الكريم، والمعونة على الوصول إلى رضوانه العظيم].
فلا بد من الإخلاص، فهو ركن أساسي لقبول العمل.
والركن الثاني: أن يكون موافقًا للشرع صوابًا على السنة المطهرة، وهو معتمد على الله في الإخلاص سائلًا الله له المعونة والتسديد والتوفيق.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [معتمدًا على الله سبحانه في إخلاص القصد لوجهه الكريم، والمعونة على الوصول إلى رضوانه العظيم وهو حسبنا ونعم الوكيل].
فهو كافينا ﷾، وهو نعم الوكيل والكافي ﷾.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأودعته أحاديث صحيحة تبركًا بها واعتمادًا عليها].
فهو يستدل ببعض الأحاديث الصحيحة في بعض المواضع وإن كان على قول واحد، لكن يستدل ببعض الأحاديث تبركًا بها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأودعته أحاديث صحيحة تبركًا بها واعتمادًا عليها وجعلتها من الصحاح].
يعني: طلبًا للبركة؛ لأن الذي يعمل بالسنة فلا شك أنه مبارك؛ ولأنها تكون دليلًا وحجة على القول الذي يستدل له.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واعتمادًا عليها وجعلتها من الصحاح لأستغني عن نسبتها إليها].
جعلها من الأحاديث الصحيحة.

1 / 7

أحكام المياه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب أحكام المياه].
بدأ المؤلف في أحكام المياه على طريقة المتأخرين الذين يؤلفون المؤلفات فيبدءونها بالفروع، وأما في التوحيد والعقيدة فيجعلونها في مؤلفات خاصة، وكان القدامى على غير هذا المنهج، فقد كانوا يبدءون أولًا بأصول الدين في العقيدة وبالتوحيد كما فعل الإمام البخاري ﵀، حيث بدأ بكتاب الإيمان، وكما فعل الإمام مسلم حيث بدأ بكتاب الإيمان، وكذلك غيرهما من أهل السنن، أما المتأخرون فاصطلحوا على أن يجعلوا الفروع على حدة، وكتب العقائد على حدة، كما فعل الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام، حيث بدأ بكتاب الطهارة فيبدءون بالعبادات أولًا، وأعظم العبادات هي الصلاة؛ فيبدءون بالطهارة؛ لأنه شرط في صحة الصلاة؛ ولهذا بدأ المؤلف ﵀ باب المياه، والمياه هي: التي يتطهر بها الإنسان، وإذا تطهر صلى، والصلاة تسبقها الطهارة؛ فلهذا بدأ في كتاب المياه بأحكام المياه؛ لأن الطهارة تسبق الصلاة، فالمصلي لا بد أن يتطهر.

1 / 8

الماء الذي يطهر النجاسة والأحداث
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [خلق الماء طهورًا يطهر من الأحداث والنجاسات].
الماء خلقه الله طهورًا كمياه الأمطار والبحار والأنهار والآبار والعيون، كلها خلقها الله طهورًا يطهر من الأحداث والأنجاس يعني: يرفع بها الحدث، فإذا أحدث الإنسان فخرج منه بول أو غائط أو ريح أو أصابته جنابة فإنه يطهره الماء، وكذلك النجاسات التي تصيب البدن والثوب فإنه يطهرها الماء، والله تعالى خلق الماء طهورًا يطهر به الأحداث والأنجاس سواءً كان هذا الماء من ماء الأمطار والسيول أو ماء الأنهار والبحار أو العيون والآبار.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا تحصل الطهارة بمائعٍ غيره].
هذا هو الصواب، أنها لا تحصل الطهارة بمائع غير الماء، فلو عصر ماءً من الأشجار وأخذه ليتطهر فإنه لا يطهر، ومثله أيضًا ماء الورد، وما أشبه ذلك من المائعات كالدهن، وكذلك أيضًا ما يعصر من الأشجار من المياه وإن كان مائعًا فلا يطهر النجاسة، وإنما يطهرها الماء فقط، هذا هو الصواب خلافًا لمن قال من العلماء: إنه يجوز التطهير بالمائع كـ أبي حنيفة، فإنه يرى أنه لا بأس إذا عصر ماءً من الشجر وغسل به النجاسة، وكذلك عنده تطهر النجاسة الشمس والريح ومياه الأشجار التي يعصر منها، والصواب كما ذكر المؤلف أن النجاسة لا يطهرها إلا الماء خاصة دون غيره من المائعات ودون الشمس والريح.

1 / 9

إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا تحصل الطهارة بمائع غيره، فإذا بلغ الماء قلتين أو كان جاريًا لم ينجسه شيء].
إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء؛ لحديث ابن عمر: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)، وفي لفظ: (لم ينجس) يعني: أنه إذا لاقته النجاسة فلا ينجس إلا إذا تغير أحد أوصافه في النجاسة وهي لونه أو طعمه أو ريحه، أما إذا لاقته النجاسة وهو قلتان فلا ينجس، والقلتان: ما تقارب خمس قرب وهما ذراع وربع تقريبًا طولًا وعرضًا وعمقًا، فإذا بلغ الماء قلتين -خمس قرب- ولاقته نجاسة فلا ينجس إلا إذا تغير أحد أوصافه، أما إذا كان دون القلتين فإنه ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة ولو لم يتغير في أوصافه، عملًا بحديث القلتين، وهذا ما ذهب إليه المؤلف ﵀ وكثير من الفقهاء.
القول الثاني: أنه لا ينجس حتى ما دون القلتين إلا إذا تغير أحد أوصافه؛ لحديث أبي سعيد: (الماء طهور لا ينجسه شيء)، وحديث القلتين: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) هذا منطوقه ومفهومه: أنه إذا كان دون القلتين فإنه يحمل الخبث بمجرد الملاقاة، لكن هذا المنطوق ألغاه حديث أبي سعيد: (الماء طهور لا ينجسه شيء) والصواب: أن الماء لا ينجس إلا إذا تغيرت أوصافه قليلًا كان أو كثيرًا، وسواء كان دون القلتين أو فوق القلتين، وأما مفهوم حديث ابن عمر أنه إذا لم يبلغ القلتين يحمل الخبث وينجس بمجرد الملاقاة، هذا المفهوم أبطله وألغاه حديث أبي سعيد: (الماء طهور لا ينجسه شيء)، فالماء إذا اختلط قليلًا أو كثيرًا لا ينجس إلا إذا تغيرت أوصافه، وإذا كان الماء قليلًا في الأواني فإنه يراق؛ لما ورد في بعض أحاديث ولوغ الكلب بلفظ: (فليرقه)، أما إذا كان في غير الأواني فلا ينجس إلا إذا تغير أحد أوصافه، وحديث القلتين يفيد أن الماء القليل على الإنسان أن يعتني به؛ لأنه قد تغيره النجاسة وهو لا يشعر، فينظر فيه ويتأمل فإن تغير أحد أوصافه فهو نجس وإلا فهو طهور.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإذا بلغ الماء قلتين أو كان جاريًا لم ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه].
وكذلك إذا كان الماء جاريًا لا بأس؛ لأن الجرية تذهب وتأتي بعدها جرية أخرى، فإذا كانت المياه جارية فلا تنجس إلا إذا تغيرت أوصافها، وكذلك إذا كان الماء أكثر من القلتين فإنه لا ينجس إلا بالتغير على ما ذهب إليه المصنف وعرفنا أنه حتى ما دون القلتين لا ينجس إلا بالتغير.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وما سوى ذلك ينجس بمخالطة النجاسة].
الشيخ: يعني: مادون القلتين ينجس بمجرد المخالطة ولو لم يتغير، والصواب أنه لا ينجس إلا إذا تغير أحد أوصافه الثلاثة: اللون أو الطعم أو الريح كما ذهب إلى ذلك المحققون كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما من أهل العلم.

1 / 10