543

وبالجملة فجميع الأحكام ثابتة على السكران الذي سبب سكره حرام، حتى قيل: إنه لو فعل في سكره ما يستوجب به الحد، يقام عليه الحد، فلو زنا وهو سكران أقيم عليه حد الزاني، ولو سرق وهو سكران قطعت يده، وكذا سائر الحدود، وقيل: لا يقام عليه الحد في ذلك؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات، وهو الصحيح عندي، والأول أشهر، وأقول أنه ينبغي أن يخرج من جملة ذلك حد الارتداد، فيقال: إن المرتد في حال سكره لا يقام عليه حد المرتد، وهو القتل ؛ لأن السكران لا تمييز معه، فيجري على لسانه ما لم يكن مقصودا له، وقد رأيناهم ينتظرون بالمرتد مالا ينتظرون بغيره من أهل الحدود، حتى حكى بعضهم إجماع الناس على أن المرتد من الإسلام إلى الشرك يستتاب قبل القتل، وفي حكايته هذا الإجماع نظر، فإنه قد روي عن الحسن البصري أنه يقتل في الحال، ولا يستتاب، وقال عطاء: "إن كان مولودا على الإسلام استتيب، وإن كان أسلم بعد كفره، ثم ارتد لم يستتب"، وقال الشافعي: " فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: التأني به ثلاثا، والقول الثاني: يقتل في الحال إلا إن سأل النظرة"، وقال ابن بركة: "النظر يوجب أن لا يجب على الإمام استتابته، ولو كانت الاستتابة واجبة قبل القتل لما يرجى من رجوعه؛ لوجب أن لا يقبل منه استتابة واحدة أو اثنتين أو ثلاثا؛ لأن الرجاء قبل القتل لما يرجى من رجوعه قائم"، وقال أصحاب الظاهر: "يجب على الإمام قتل المرتد أول أوقات الإمكان؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بقتله، ولم يجعل لذلك وقتا معلوما"، واختار أصحابنا أن يستتاب المرتد قبل أن يقتل لما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه استتاب مرتدا أربع مرار، وروي أن عمر - رضي الله عنه - كتب إلى عامله في رجل تنصر: "أن استتبه ثلاثا، فإن أبى عن التوبة؛ فاقتله"، وقال أبو حنيفة: " أنه يستتاب ثلاثا في ثلاثة أسابيع، كل أسبوع مرة"، وقال سفيان الثوري: "يستتاب أبدا، ولعله يريد بقوله: "أبدا" عدم حصر الاستتابة في عدد مخصوص، ولا يريد بأنه لا يقتل، بل يستتاب فقط، وكأن مراده أنه يستتاب إلى أن يقتل، فهذه الأخبار وهذه الآثار دالة على تخصيص المرتد بالتأني في شأنه، والانتظار لتوبته، وليس شيء من ذلك في سائر الحدود، فإن سائر الحدود تقام بنفس مباشرة سببها، فصح أن تستثنى من جملتها حد المرتد، فلا يقتل إذا ارتد وهو سكران حتى يستمر على ارتداده بعد الصحو.

واعلم أنهم قالوا: إن السكران لا يقام عليه الحد في حال سكره، لكن ينتظر به الصحو، فإذا صحا أقيم عليه حد السكران، وسائر الحدود الثابتة عليه؛ لأن ذلك أزجر له وأردع؛ لأن الصاحي أشد تألما بالحد من السكران، وذهب ابن بركة وتابعه أبو الحسن إلى أنه يقام عليه الحد وهو سكران؛ لأن الحدود إذا ثبتت لا تأخر من وقت إلى وقت آخر، وهذا الاحتجاج مبني على القول بأن الأمر المطلق يقتضي الفور، والصحيح أنه لا يقتضي الفور، كما مر في محله، فيصح تأخيره لمصلحة يراها الإمام أو نائبه، والله أعلم.

ثم إنه أخذ في بيان الهزل، وهو أحد العوارض المكتسبة، فقال:

والهزل أيضا وهو لفظ أهملا ... ولم يكن في أصله مستعملا

ولا مجازه ولكن طلبا ... به خطاب الحاضرين لعبا

فثبتت الأحكام فيه وترد ... أخباره لأنها كذب فقد

ويلزم الإسلام فيه ويحد ... بالسيف من أنكر فيه وجحد

ويثبت النكاح والطلاق ... به كذاك الخلع والعتاق

وسائر المعاملات تنهدم ... إن كان شرط الهزل فيها قد علم

صفحة ٢٦٦