ـ[شرح مختصر الخرقي]ـ
مؤلف الأصل: أبو القاسم عمر بن الحسين بن عبد الله الخرقي (المتوفى: ٣٣٤هـ)
الشارح: عبد الكريم بن عبد الله بن عبد الرحمن بن حمد الخضير
دروس مفرغة من موقع الشيخ الخضير
[الكتاب مرقم آليا، رقم الجزء هو رقم الدرس - ٧٣ درسا]
صفحة غير معروفة
بسم الله الرحمن الرحيم
شرح مختصر الخرقي: كتاب الطهارة (١)
مقدمة عن كتاب مختصر الخرقي وشروحه ونظمه
الشيخ: عبد الكريم الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فقد اشتمل الجدول الجديد لهذه السنة على مفاجأة، وهي تغيير كتاب طالما انتظره الإخوان، وفرحوا به، وهو كتاب: "منتهى الإرادات" إلى كتاب مختصر جدًا، يعني من أصعب المتون وأطولها إلى أسهلها وأخصرها، يعني بون شاسع بين الكتابين، وتم التغيير بناءًا على مشاورة بعض الإخوان من كبار الطلاب، وبعض المشايخ، وبعد معاناة خلال فصل دراسي كامل، يزيد على ثلاثة أشهر، عانى فيه كثير من الطلاب، وجاءت الانتقادات من الطلبة المتوسطين فضلًا عن المبتدئين، وليس السبب في تغييره السبب الرئيس في تغييره بالنسبة لي صعوبة الكتاب، بل سبب اختيار الكتاب صعوبته؛ لأن الكتاب الصعب هو الذي يربي طلاب العلم، لكن إذا اقترن مع الصعوبة طول هذه مشكلة لا تنحل، إذا تصورنا أننا في باب من أبواب الطهارة يعني فيما يعادل ورقة استغرق شرحها، شرح هذه الورقة ثلاثة أشهر، والكتاب .... يأخذ حاجته ويمشي، يأخذ دراسته ويمشي أربع سنين ويمشي، حتى تفاوت بين الطلاب هذا في السنة الأولى وباقي عليه أربع سنوات، وهذا في المستوى الخامس، أو السادس أو الثامن ما بقي عليه شيء، فعمدنا بعد ذلك إلى كتاب مختصر، وقبلنا من فعل هذا من الشيوخ، فالشيخ ابن عثيمين ﵀ قرر الكتاب، وشرح فيه مدة وجيزة ثم ترك، فعدل عنه لهذا السبب.
1 / 1
وأنا قناعتي أن الطلاب يربون على الكتب الصعبة، لا على الكتب السهلة؛ لأن هؤلاء الطلاب إذا هضموا مثل هذا الكتاب -أعني المنتهى- لن يشكل عليهم أي عبارة من عبارات الفقهاء، لن يقف في وجوههم أي جملة من جملهم أو كلمة، بينما لو ربوا على الكتب السهلة، وكتب المعاصرين ومذكراتهم، ثم انفرد كل طالب بنفسه في قرية لا يعينه على فهم العلوم أحد وقع حائر أمام عبارات العلماء، فعلى هذا، هذا هو سبب الاختيار الأول، لكن العدول عنه لا لصعوبته، إنما الصعوبة المقرونة بالطول، يعني لو كان الكتاب ينتهي بمدة سنتين أو ثلاث مع طوله كان الاستمرار أولى، والعلماء حينما يقصدون إلى توعير العبارة ليس هدفهم وقصدهم تعذيب الطلاب، أو إطالة الطريق عليهم أبدًا، إنما المقصود تمرينهم وتدريبهم، وأنت تسمع من يتصدى للإفتاء في مختلف الوسائل الآن، تعرف أن هذا المفتي تربى على كتب أهل العلم وإلا علمه مجرد ثقافة وأساليب وإنشاءات، تفرق.
المقصود أن الصعوبة هذه مقصودة لأهل العلم، توعير العبارات لتمرين الطلاب وتدريبهم على أساليب أهل العلم؛ لأنهم يتوقعون أن هذا الطالب الذي قرأ هذا الكتاب، وحل هذا الكتاب على هذا الشيخ أنه يتفرد فيما بعد، فلا يحتاج إلى غيره، يعني إلى متى يحتاج الطالب إلى غيره؟ المتوقع أن الطالب سنة سنتين ثلاث خمس، عشر، بالكثير، ثم يستقل بنفسه، بعض من كتب في النحو صعب العبارة جدًا، وأغلقها وأرتجها، بحيث لا يفهم كتابه إلا عن طريقه هو، ولما سئل عن ذلك قال: لو سهلناه ما احتاج الناس إلينا، وضعنا، لكن هذا قصد ليس من مقاصد أهل العلم الذين أخذ الله عليهم العهد والميثاق أن يعملوا الناس، هذا دنيوي محض، فعدلنا عن الكتاب الصعب الطويل إلى كتاب مهجور مع أنه أقدم متون الحنابلة على الإطلاق، وعناية الحنابلة به تفوق الوصف، فقد ذكر أنه تصدى لشرحه أكثر من ثلاثمائة عالم، قالوا: عليه أكثر من ثلاثمائة شرح؛ لأهميته، وكتاب بهذا الحجم، وهذا الوزن عند أهل العلم ويبقى مهجور هذا خلل.
الشروح التي يذكرون من هذه الأعداد كثير منها يمكن الاستغناء عنه بغيره، ولذا لم ينتشر، وما حفظ من هذه الشروح إلا نحو عشرين شرح، وطبع منها عدد يسير.
1 / 2
الشروح التي تذكر ويبالغ في أعدادها حقيقة، لا يستغرب أن مثل هذا الكتاب المقبول عند الحنابلة حتى قال بعضهم: إن جميع جمل الكتاب من ألفاظ أحمد، مع أن هذا الكلام فيه ما فيه على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى-.
يدرس الكتاب وتعلق عليه حواشي، هذا الشيخ يسمى شرح الذي عقلت عنه هذه الحاشية، وآخر كذلك، وثالث ورابع نظير ما صنعوا في تفسير البيضاوي، قالوا: عليه أكثر من مائة وعشرين شرح، وهي من هذا النوع، كتاب كتبت له الشهرة، فصار يدرس في المساجد، وكل شيخ يقيد عنه بعض الحواشي، وتصير حاشية باسم ذلك الشيخ.
لكن الحواشي التي تستحق أن يتداولها طلاب العلم معدودة، كما أن الشروح من بين هذه الأعداد الهائلة لهذا الكتاب معدودة.
هذا الكتاب المختصر ألفه الخرقي أبو القاسم عمر بن الحسين، المتوفى سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، وهو من الطبقة المتقدمة من الحنابلة، وهو من تلاميذ بعض الآخذين عن تلاميذ الإمام، فهو متقدم جدًا، يعني في أول القرن الرابع، بينما الكتب الأخرى المتداولة المعتمدة متأخرة، وفي بداية الأمر وأثناء الاستشارة مع الإخوان صار الخلاف بين ثلاثة كتب هي المعروفة المتداولة بين الناس، العمدة، أو الدليل، أو الزاد، ولا شك أن هذه الكتب عمد، لكنها طرقت، المشايخ كلهم يشرحون هذه الكتب، فما المانع أن يبدأ بهذا الكتاب؟ فقررناه، وهذا الكتاب لا شك أن فيه ما يوافق عليه وهو الكثير الغالب، وفيه ما يخالف كغيره من المتون، وفي غيره من الكتب المختصرة أيضًا من الزوائد عليه ما يوجد -إن شاء الله تعالى- يبين في مواضعه، فالعمدة فيها مسائل لا توجد في المختصر، والدليل فيه مسائل لا توجد في المختصر، والزاد فيه مسائل أكثر لا توجد في المختصر، وتتم الإشارة إليها -إن شاء الله تعالى- في مواضعها.
1 / 3
هذا الكتاب وجد أو لقي قبول وعناية من الحنابلة عناية فائقة، وذكرنا الشروح، ونُظم من قبل جمع من أهل العلم، وكتبت عليه الزوائد من الكتب؛ لأنه صار محور يدار حوله، فمن شروحه هذا شرح ابن البناء يسمى بالمقنع في شرح مختصر الخرقي لأبي علي الحسين بن أحمد بن عبد الله بن البناء المتوفى سنة إحدى وسبعين وأربعمائة، وهذا الكتاب مطبوع ومحقق في أربعة مجلدات، هذا من أوائل الشروح، يعني بعد مؤلفه بمائة وخمسة وثلاثين سنة، أو قريب منها، قرن وثلث.
من شروحه أيضًا وهو أشهرها على الإطلاق المغني للإمام الموفق ابن قدامة، وهو أشهر هذه الشروح وأحفلها وأوفاها، الذي صار عمدة عند الحنابلة وعند غيرهم؛ لأنه من كتب الخلاف، والمؤلف -رحمه الله تعالى- يعنى بالدليل، ولعل من أسباب اختيار المختصر إرجاع الطلاب إلى هذا الكتاب ليعنوا بالدليل، بينما المتون المتأخرة عمدة شراحها على التعليل، قد يذكرون بعض الأدلة، لكن الموفق موفق في هذا الكتاب وفي غيره من كتبه، وله على المختصر زوائد الهداية على الخرقي، وهو مطبوع اسمه: الهادي أو عمدة الحازم في زوائد الهداية على مختصر أبي القاسم.
هذا الكتاب المغني طبع مرارًا، وجد قبول من أهل العلم، ومقالة العز بن عبد السلام سلطان العلماء معروفة أنه لم تطب نفسه بالفتيا حتى اقتنى نسخة من المغني، إضافة إلى ما ذكره من المحلى.
أقول: طبع الكتاب مرارًا الطبعة الأولى طبعة المنار مع الشرح الكبير، وكثير من نسخه على نفقة الملك عبد العزيز ﵀، طبعة المنار طبعة جيدة، لكن المجلد الأول منها في الطبعة الأولى كثير الأخطاء؛ لأنه قبل وجود النسخة الصحيحة، ثم وجد نسخة سليمة فطبع طبعة مرة ثانية المجلد الأول، وطبع بعده المجلدات الثاني، وما يليه إلى الثاني عشر، وطبع معه الشرح الكبير على المقنع، والسبب في جمع الكتابين التشابه الكبير بين الكتابين، فجل الشرح الكبير مأخوذ من المغني، ولو جردت زوائده عن المغني ما جاءت في مجلد، أعني الشرح الكبير.
1 / 4
بعد ذلك طبع في المنار مفرد، في تسعة مجلدات، ثم طبع في مطبعة الإمام في مصر في عشرة مجلدات، ثم تتابعوا على طبعه؛ لأنه كتاب مرغوب، وله شهرة واسعة مطبقة للآفاق، فلا يستغني عنه عالم، فضلًا عن طالب العلم، لا يستغني عنه مشتغل بالفقه، ومن لديه اهتمام بالأحكام.
من الشروح المطبوعة أما المخطوطة كثيرة جدًا، والمفقودة أكثر، لكن ما نتعرض لها.
من الشروح شرح اسمه: الواضح في شرح مختصر الخرقي تصنيف نور الدين أبي طالب عبد الرحمن بن عمر بن أبي القاسم الضرير، وله شرح آخر أخصر من هذا، لكنه لم يتم، متوفى سنة أربع وعشرين وستمائة، مطبوع في ثلاثة مجلدات كبار، ثم طبع في خمسة.
وهناك شرح لشمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي، المتوفى سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة، وهذا أيضًا مطبوع ومنتشر ومحقق تحقيق علمي دقيق لفضيلة شيخنا الشيخ عبد الله بن جبرين، ومشهور أيضًا، والكتاب نفيس، الكتاب أيضًا هو الذي يلي المغني في الأهمية.
مما قيل في المختصر ما ذكره ابن بدران في المدخل يقول وهو يتكلم عن كتب الحنابلة يقول: "المغني ومختصر الخرقي" أولًا: النسبة نسبة إلى المهنة وهي بيع الخرق، كثر الانتساب إلى المهن بعد أن كان الانتساب إلى القبائل، كثر الانتساب إلى المهن والبلدان والأقاليم، فمنها الخرقي، هناك بلدتان قريبة من هذا الاسم إحداهما اسمها: خَرَق، والثانية خَرِق، ولا ينتسب إلى واحدة منهما، إنما نسبته إلى المهنة، كما قرر ذلك أهل العلم.
يقول: "اشتهر في مذهب الإمام أحمد عند المتقدمين والمتوسطين مختصر الخرقي، أما عند المتأخرين فالشهرة للمنتهى والإقناع، حتى قالوا: إن المذهب ما اتفق عليه هذان الكتابان.
1 / 5
يقول: اشتهر في مذهب الإمام أحمد عند المتقدمين والمتوسطين مختصر الخرقي، ولم يخدم كتاب في المذهب مثل هذا المختصر، ولا اعتني بكتاب مثل ما اعتني به، حتى قال العلامة يوسف بن عبد الهادي في كتابه: الدر النقي في شرح ألفاظ الخرقي: قال شيخنا عز الدين المصري: ضبطت للخرقي ثلاثمائة شرح، وقد اطلعنا له على ما يقرب من عشرين شرحًا، وسمعت من شيوخنا وغيرهم أن من قرأه حصل له أحد ثلاث خصال، إما أن يملك مائة دينار، أو يلي القضاء، أو يصير صالحًا هذا كلامه، لكن أما الصلاح فمطلوب لمن قرأ هذا الكتاب ومن لم يطلبه، أما حصول مائة الدينار أو ولاية القضاء فليست من أهداف من يريد الآخرة.
قال: "وقال في المقصد الأرشد: قال أبو إسحاق البرمكي: عدد مسائل الخرقي ألفان وثلاثمائة مسألة، فما ظنك بكتاب ولع فيه مثل أبي إسحاق في عد مسائله، نعم المتأخرون يعنون بمثل هذا بالأعداد، وترتيب المسائل وعدها وضبطها، لكن ليست هذه من عنايات المتقدمين؛ لأنها ليست من متين العلم.
بعض المالكية قال: إن في مختصر خليل مائة ألف مسألة منطوقة، ومائتي ألف مسألة مفهومة، لكن هذه مبالغة، مبالغة الكتاب معصور، لكن لا يصل إلى هذا العدد.
وما ذلك إلا لمزيد الاعتناء به.
وكتب أبو بكر عبد العزيز على نسخته مختصر الخرقي: خالفني الخرقي في مختصره في ستين مسألة، ولم يسمها.
وقال القاضي أبو الحسين ابن الفراء: تتبعتها فوجدتها ثمانية وتسعين مسألة، انتهى.
وبالجملة هذه المسائل ذكرها القاضي قبل ذكرها ابنه في طبقات الحنابلة، في أوائل الجزء الثاني، وبالجملة فهو مختصر بديع لم يشتهر متن عند المتقدمين اشتهاره، وأعظم شروحه وأشهرها المغني للإمام موفق الدين المقدسي، وقد كان في تسع مجلدات ضخام بخطه، وأغلب نسخه الآن في ثلاثة عشر مجلدًا، نسخ تقسيمها يختلف بحسب النساخ؛ لأن الناسخ حسبما يتبع من طريقة في النسخ إن كان يعتمد الخط الدقيق تقل المجلدات، وإن كان الحرف كبيرًا تكثر المجلدات على أن تكون بداية كل مجلد من باب أو كتاب معتبر.
1 / 6
وطريقته في هذا الشرح أنه يكتب المسألة من الخرقي ويجعلها كالترجمة، ويقول: قال أبو القاسم كذا، فيذكر المسألة في سطر ثم يشرحها، ويجعلها كالترجمة ثم يأتي على شرحها وتبيينها، وبيان ما دلت عليه بمنطوقها ومفهومها ومضمونها، ثم يتبع ذلك ما يشبهها مما ليس بمذكور في الكتاب، فتكون المسائل كتراجم الأبواب، وبين في كثير من المسائل ما اختلف فيه مما أجمع عليه، كثيرًا ما يقول ما ذكره المؤلف مجمع عليه، أو لا خلاف فيه، أو لا أعلم فيه اختلافًا، ويذكر لكل إمام ما ذهب إليه، ويشير إلى دليل بعض أقوالهم، الكتاب يعنى بالمذهب وروايات المذهب والاستدلال لهذه الروايات والتعليل، ثم يذكر أقوال المخالفين بأدلتها، ويذكر لكل إمام ما ذهب إليه ويشير إلى دليل بعض أقوالهم، ويعزو الأخبار إلى كتب الأئمة من أهل الحديث ليحصل الثقة بمدلولها أو التفقه بمدلولها، والتمييز بين صحيحها ومعلولها، فيعتمد الناظر على معروفها، ويعرض عن مجهولها، لكن إذا كان متأهلًا لذلك.
والحاصل أنه يذكر المسألة من الخرقي ويبين غالبًا روايات الإمام، ويتصل البيان بذكر الأئمة من أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم من مجتهدي الصحابة والتابعين وتابعيهم، وما لهم من الدليل والتعليل، ثم يرجح قولًا من أولئك الأقوال على طريقة فن الخلاف والجدل، ويتوسع في فروع المسائل فأصبح كتابه مفيدًا للعلماء كافة على اختلاف مذاهبهم، هذا ما يقرره المؤلف، لكن الموفق كغيره من أهل العلم وإن كانت له دراية وخبرة بالخلاف، ومذاهب فقهاء الأمصار، لكنه قد يذكر عن بعض المذاهب، وينسب إلى بعض الأئمة ما هو موجود عندهم، لكن ليس هو المعتمد والمروي عن الإمام، فالمذاهب وأقوال العلماء إنما تؤخذ من كتب أصحابها، يقول: فأصبح كتابه مفيدًا للعلماء كافة على اختلاف مذاهبهم، وأضحى المطلع عليه ذا معرفة بالإجماع والوفاق والخلاف، والمذاهب المتروكة بحيث تتضح له مسالك الاجتهاد، فيرتفع من حضيض التقليد إلى ذروة الحق المبين، ويمرح في روض التحقيق.
1 / 7
قال ابن مفلح في المقصد الأرشد: اشتغل الموفق بتأليف المغني أحد كتب الإسلام، فبلغ الأمل في إنهائه، وهو كتاب بليغ في المذهب، تعب فيه وأجاد فيه، وجمل به المذهب، وقرأه عليه جماعة، وأثنى ابن غنيمة على مؤلفه، فقال: ما أعرف أحدًا في زماننا أدرك درجة الاجتهاد إلا الموفق.
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: ما رأيت في كتب الإسلام مثل المحلى والمجلى لابن حزم، وكتاب المغني للشيخ موفق الدين في جودتهما وتحقيق ما فيهما، فلا شك أن مثل هذين الكتابين ينبغي أن يكونا محل عناية من طلاب العلم لعناية مؤلفيهما بالدليل، لكن صغار المتعلمين والمبتدئين لا ينصحون بقراءة مثل المحلى؛ لأنه عباراته في جانب كثير من الأئمة فيها شيء من القسوة، فلا ينبغي أن يتربى طالب العلم من أول الأمر على مثل هذه الأساليب، نعم إذا تقدمت به السن، وأخذ من العلم والأدب ما يجعله يميز بين الأساليب المقبولة والأساليب غير المقبولة، الكتاب من أنفع الكتب.
يقول: وتحقيق ما فيهما، ونقل عنه أنه قال: لم تطب نفسي بالإفتاء حتى صارت عندي نسخة المغني، نقل ذلك ابن مفلح.
وحكى أيضًا في ترجمة الزريراني صاحب الوجيز أنه طالع المغني ثلاثًا وعشرين مرة، وعلق عليه حواشي، قالوا: إنه في كل حاشية، في كل مرة يعلق حاشية غير الحاشية الأولى، فصار له على المغني ثلاثة وعشرين حاشية، هذا من عناية العلماء بهذا الكتاب، وهو حقيق وخليق بذلك، جدير بذلك.
وحكى أيضًا في ترجمة ابن رزين أنه اختصر المغني في مجلدين وسماه: التهذيب.
أيضًا من المعاصرين من اختصر المغني، وظهر منه مجلدين، الشيخ حمد الحماد اختصر المغني أستاذ بالجامعة الإسلامية ومعروف، وسماه: التهذيب.
وحكى أيضًا في ترجمة عبد العزيز بن علي بن العز بن عبد العزيز البغدادي ثم المقدسي المتوفى سنة ست وأربعين وثمانمائة أنه اختصر المغني.
1 / 8
يقول ابن بدران في المدخل: ومما اطلعنا عليه من شروح الخرقي شرح القاضي أبي يعلى محمد بن الحسين ابن الفراء البغدادي، وهو في مجلدين ضخمين، وبعض نسخه في أربع مجلدات، وطريقته أنه يذكر المسألة من الخرقي، هذا الشرح موجود في الظاهرية شرح القاضي أبي يعلى، وإن كان بعضهم يشكك في نسبته إلى القاضي، ويقول: إنه لابنه.
المقصود أنه كتاب معروف ونسبته إلى القاضي ثابتة، وهو في الظاهرية في أربعة مجلدات، وطريقته أنه يذكر المسألة من الخرقي، ثم يذكر من خالف فيها، ثم يقول: ودليلنا ...، جمهور الفقهاء لما يذكرون أصل المسألة في مذهبهم ثم يذكرون الخلاف مباشرة، ثم بعد ذلك يقولون: ولنا، يعني من أدلتنا، ثم يذكر أدلة المخالفين، وبعض الفقهاء يقول: الخصوم، استدل الخصوم بكذا، هذه عبارة ليست مقبولة حقيقة، هم ليسوا بخصوم، وإنما أنت وإياهم في طريق واحد، كلكم -إن شاء الله- تبحثون عن الحق، وكل واحد من أهل العلم ينصر ما يراه الحق، نعم هناك من تعصب من طريقة الأتباع في هذا لا سيما من قل علمه معروفة.
يقول: وطريقته أنه يذكر المسألة من الخرقي، ثم يذكر من خالف فيها، ثم يقول: ودليلنا، فيفيض في إقامة الدليل من الكتاب والسنة والقياس على طريقة الجدل.
مثاله أنه يقول مسألة: قال أبو القاسم: ولا ينعقد النكاح إلا بولي وشاهدين من المسلمين، يذكر من خالف في الجملة الأول، أو في الكلمة الأولى بولي، ثم الشاهدين يذكر الخلاف فيهما، ثم يذكر الخلاف في اشتراط الإسلام.
1 / 9