شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري

الناشر

مكتبة الدار

الإصدار

الأولى

سنة النشر

١٤٠٥ هـ

مكان النشر

المدينة المنورة

شرح
كتاب التوحيد
من صحيح البخاري
تأليف
الشيخ عبد الله بن محمد الغنيمان
رئيس قسم الدراسات العليا
بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
الجزء الأول

صفحة غير معروفة

المقدمة
الحمد الله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ألوهيته وربوبيته، ولا ند له في أسمائه وصفاته.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى، ودين الحق، فدعا إلى توحيد الله الخالص من كل شائبة شرك، في حقه، أو فعله، أو أسمائه وصفاته، وجاهد في هذا السبيل حتى وضح الحق، واستبان وكمل به الدين، وتمت النعمة، فترك الأمة على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.
وسار على نهجه صحابته، فلم يغيروا، أو يبدلوا، بل بذلوا جهدهم في دعوة الخلق إلى عبادة الله وحده، حتى مضوا لسبيلهم.
فصلاة الله وسلامه على عبده ورسوله محمد بن عبد الله، إمام الحنفاء وسيد الأصفياء، ورضي الله عن صحابته أجمعين، وعمن سلك نهجهم إلى يوم الدين.
كمال الهداية وتمام النعمة على هذه الأمة
أما بعد، فقد علم أن الله - تعالى - بعث رسوله محمدًا ﷺ على حين فترة من الرسل " وفي جاهلية لا تعرف من الحق رسمًا، ولا تقيم به في مقاطع الحقوق حكمًا " (١)، وإنما ينتحلون ما تهواه نفوسهم، وما تزينه لهم شياطينهم، وما

(١) انتزاعًا من خطبة " الاعتصام" للشاطبي (ص٢) .

1 / 3

وجدوا عليه آباءهم، فجاهدهم وجادلهم باللين والحكمة، وقارعهم بالسنان والحجة، لمن كابر وعاند، وكان نصر الله حليفه، فاستقام أمره، وانتصر على عدو الله، وظهر دينه، فجاء نصر الله ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وبعد تمام نعمة الله - تعالى - عليه وعلى أمته، وظهور ما جاء به من الحق، ووضوح الطريق، توفاه الله إليه، فقام بعده صحابته بأمره خير قيام، فجاهدوا في الله القريب والبعيد، حتى تحقق ما أخبر به رسولهم ﷺ فيما رواه مسلم في "صحيحه" عن ثوبان، قال: قال رسول الله -
ﷺ: " إن الله زوى (١) لي الأرض فرأيت مشارقها، ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها، وأعطيت الكنزين، الأحمر، والأبيض (٢)، وأني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم (٣)، وإن ربي قال: يا محمد، إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة (٤)، وأن لا أسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم، يستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا" (٥) .
ففتحت بلاد الروم وفارس في عهد الخليفة الثاني، وأنفقت كنوزها في سبيل الله - تعالى- وواصلت جحافل التوحيد إلى مشارق الأرض ومغاربها، تفتح القلوب إلى معرفة الله وتوحيده قبل البلاد، حتى تمت نعمة الله على أكثر أهل

(١) معناه: جمعها لي فرأيت أقصاها من الشرق ومن الغرب.
(٢) المقصود بالكنزين: كنز الفرس، والروم، الأحمر: الذهب، والأبيض: الفضة.
(٣) أي: يهلكهم جميعًا، ويستولي على بلادهم، وذراريهم، وأموالهم.
(٤) أي: لا أرسل عليهم عذابًا يعمهم، ويستأصلهم.
(٥) "صحيح مسلم" (٤/٢٢١٥) رقم (٢٨٨٩) .

1 / 4

الأرض، فاتجهوا إلى عبادة الله وحده، بعدما كانوا يعبدون كل شيء، وكانت تستعبدهم شياطين الجن والإنس.
ولكن كثيرًا من الناس لا يعجبهم ذلك، بل يسوؤهم ويحزنهم.
ومن حكمة الله -تعالى - أن جعل للباطل جنودًا يناصرونه، ويدافعون الحق ويردونه، كما جعل للحق أنصارًا يتفانون في الذياد عنه، والدعوة إليه.
وقد كان ذلك منذ باء إبليس اللعين بالطرد عن رحمة الله، والبعد عن كل خير، فأقسم بعزة الله ليغوين بنى آدم أجمعين، إلا عباد الله المخلصين، كما قال الله تعالى عنه: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٨٢﴾ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (١) .
ومن المعلوم أن الله - تعالى - لم يقبض نبيه محمدًا ﷺ حتى أكمل له دينه، وأظهره على من عاداه بالحجج والبراهين، وبقوة القتال لمن وقف في وجهه وعاند الحق، كما قال - تعالى - في آخر ما أنزله الله عليه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي
وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ (٢)، فإذا كان الله قد أكمل لهم دينهم، فلا بد من أنه وضحه لهم بحيث لا يبقى فيه أي التباس أو اشتباه، ولا بد من أنهم فهموه واعتقدوه على ما أريد منهم وعملوا به، ولا بد من الاستغناء به عن كل ما سواه، فلا يحتاجون معه إلى غيره، وأعظم ما يحتاجونه وأشرفه هو معرفتهم ربهم بأسمائه وصفاته، وما يجب له ويستحقه، ويحمد ويمجد به، ويثنى به عليه؛ لأن هذا من أفضل العبادة التي أوجبها الله عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (٣) .

(١) الآيتان ٨٢، ٨٣ من سورة ص.
(٢) الآية ٣ من سورة المائدة.
(٣) الآية ١٨٠ من سورة الأعراف.

1 / 5

قد أوضح الله ورسوله العقيدة وضوحًا جليًا
فلا بد من إيضاح الواجب لله - تعالى - والممتنع عليه، والجائز عليه، حتى يكونوا على بينة من دينهم، ومعبودهم، لأنه لا سبيل إلى معرفة ذلك إلا من الوحي، إذ هو من الغيب، الذي لا يعلم بالقياس، ولا بالعقل.
وقد بين الله لنا طريقة الأنبياء التي كانوا يدعون بها أممهم، كما قص الله تعالى عنهم في القرآن، فقد اتفقت طريقتهم في الدعوة إلى توحيد الله وعبادته وحده، وخاتمهم جاء مقتفيًا أثرهم في ذلك، فدعا أمته إلى ما دعت إليه الرسل قبله، من توحيد الله ومعرفته، فلم يفارقهم حتى وضح لهم الطريق، واستبان الحق من الباطل.
روى ابن ماجه عن أبي الدرداء، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نذكر الفقر ونتخوفه، فقال: " آلفقر تخافون؟ والذي نفسي بيده لتصبن عليكم الدنيا حتى لا يزيغ قلب أحدكم إلا هيه، وايم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء، ليلها ونهارها سواء".
قال أبو الدرداء: صدق والله رسول الله ﷺ: " تركنا على مثل البيضاء، ليلها ونهارها سواء" (١) .
وقال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٤) .

(١) "سنن ابن ماجه" (١/٤) رقم (٥) .
(٢) الآية ٨٩ من سورة النحل.
(٣) الآية ٦٤ من سورة النحل.
(٤) الآية ٤٤ من سورة النحل.

1 / 6

فالإيمان بالله وأسمائه وصفاته أعظم الأشياء، وكذلك عبادته، فلا بد أن يبين الكتاب - الذي هو تبيان لكل شيء - ذلك أوضح البيان.
ولا بد أن يدل على أعظم الهدى الذي هو معرفة الله - تعالى - بأسمائه وصفاته، كما أن من أعظم ما وقع فيه الخلاف في الأمة هو في هذا الباب، فلا بد أن يكون قد بينه، لأنه تعالى أخبرنا أنه نزله ليبين لنا ما اختلفنا فيه، ولا بد أن نجد فيه ما يزيل كل شك ولبس؛ لأنه هدى ورحمة، لكن ليس لكل أحد بل للمؤمنين فقط.
وأعظم ما أنزل إلينا هو الإيمان بالله، ومعرفته، وقد أخبرنا تعالى أنه أنزل الكتاب ليبين للناس ما نزل إليهم، فكيف يترك أعظم الأشياء المنزلة إلينا بدون بيان؟
فعلم بهذا ونحوه أن الله - تعالى - بين على لسان رسوله ﷺ للأمة كل ما تحتاج إليه في دينها، ومعرفة ربها، ولم يكل ذلك إلى عقولهم، أو قياساتهم.
قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ (١): " أخبر الله نبيه والمؤمنين، أنه أكمل لهم الإيمان، فلا يحتاجون إلى زيادة أبدًا، وقد أتمه الله فلا ينقصه أبدًا، وقد رضيه الله فلا يسخطه أبدًا" (٢) .
فإذا كان الله - تعالى - قد أكمل لهم الإيمان، فكل ما لم يقله رسول الله ﷺ في باب الإيمان ولم يأمر به ويبينه للأمة فهو باطل، وليس من الدين الكامل الذي جاء به.
وأصل الدين وأساسه: معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته، ومعرفة ما يجب له على عباده.

(١) الآية ٣ من سورة المائدة.
(٢) رواه ابن جرير بسنده، انظر " تفسيره" (٩/٥١٨) ط المعارف.

1 / 7

ولا يجوز لمسلم يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر أن يظن برسول الله ﷺ أنه لم يبين ما يعتقده العبد في ربه؛ لأن هذا هو الذي أمر بتبليغه.
قال شيخ الإسلام: " من المحال في العقل والدين أن يكون الرسول الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، وأنزل عليه الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، أن يكون قد ترك باب الإيمان بالله والعلم به ملتبسًا مشتبهًا، ولم يميز بين ما يجب لله، من الأسماء الحسنى والصفات العليا، وما يجوز عليه، وما يمتنع عليه، فإن معرفة هذا أصل الدين، وأفضل الأعمال، فكيف يكون القرآن والرسول والصحابة - وهم أفضل الخلق بعد النبيين - لم يحكموا هذا الباب اعتقادًا وقولًا؟ ".
ومحال أن يعلم النبي ﷺ أمته أدب الأكل والشرب، وقضاء الحاجة، ونحو ذلك، ويترك تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم، وما يعتقدونه في قلوبهم، في ربهم ومعبودهم، مع كون ذلك غاية المعارف، وأشرف المقاصد، والوصول إليه غاية المطالب، مع قوله ﷺ: "ما بعث الله من نبي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم" (١) .
ومحال أن يكون الذين كان فيهم رسول الله ﷺ والذين يلونهم غير عالمين للحق في باب معرفة الله، وغير قائلين به.
ومعلوم أن من في قلبه حياة ومحبة للعبادة، أنه يحرص أشد الحرص على معرفة ذلك.
وقد صح عنه ﷺ أنه قال: (٢) " خير الناس قرني، ثم الذين

(١) انظر "صحيح مسلم" (١٢/٢٣٣) شرح النووي، في الإمارة، باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول، وابن ماجه في الفتن، انظر (٢/١٣٠٦) رقم (٣٩٥٦)، والنسائي في البيعة (٧/١٥٣) .
(٢) البخاري، انظر "الفتح" (٧/٢) و(١١/٢٤٤، ٥٤٣) .

1 / 8

يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته" (١) .
بدء الانحراف
لما سيطر حكم الإسلام على أكثر البلاد، في آسيا، وأفريقيا، وغيرهما، دخل تحت حكمه أمم كثيرة، رغبة ورهبة، وكان لها أديان مختلفة، من يهودية، ومجوسية، ونصرانية، ووثنية، وغير ذلك، وقد كان لكثير من هذه الأمم سلطان كبير، مثل المجوس، والرومان، فسلبهم المسلمون ذلك، وكان عند هؤلاء من الكبر والاستعلاء ما يجعلهم يأنفون من كونهم تحت سلطان المسلمين، ولا سيما وقد كانوا يرون العرب من أحقر الأمم، وأقلها شأنًا، كما أن اليهود واجهوا الإسلام ورسوله من أول أمره بالعداء، وحاولوا القضاء عليه بأنواع من المكائد، والمؤامرات، ولما يئس هؤلاء جميعًا من قدرتهم في مجابهة الإسلام بالقوة وجهًا لوجه انصرف جهدهم وكيدهم إلى الدسائس، والمؤامرات، والاغتيالات لرجاله العظام.
ودخل في الإسلام ظاهرًا من هؤلاء من قصده إفساده، وتمزيق وحدة أهله، ولا بد أن يكون ذلك عن دراسة، وإعمال فكر وتخطيط. وربما يكون هناك جمعيات متعاونة، من المجوس واليهود، والنصارى والهنود، وغيرهم، وقد تكون لكل طائفة مؤسسات تعمل لإفساد عقائد المسلمين؛ لتيقنهم أنه لا يمكن هزيمة المسلمين، إلا بإفساد عقيدتهم، فبدأت آثار تلك المؤامرات تظهر، شيئًا فشيئًا، فقتل الخليفة الراشد عمر بن الخطاب بأيد مجوسية، وربما بمؤامرة مجوسية يهودية.
ثم قتل الخليفة بعده، بأيد مشبوهة، من غوغاء، يدفعهم بعض دهاة اليهود والمجوس.

(١) الفتوى الحموية، ملخصًا، انظر "مجموع الفتاوى" (٥/٧٠٦) .

1 / 9

ثم ظهر القول بنفي القدر، وأول من عرف بذلك رجل مجوسي يقال له: سيسويه، من الأساورة، وإن كان قد اشتهر أن أول من قال به
معبد الجهني (١) .
ثم أوقدت نار الفتنة بين المسلمين، وقتال بعضهم بعضًا.
ثم خرجت الخوارج بجهلهم، وعتوهم، وتكفيرهم المسلمين، وقتلهم إياهم.
ثم نجم التشيع الشنيع، من قبل يهود ومجوس يوقدون ناره، وأظهروا القول بأن للرسول –ﷺ وصيًا، هو علي بن أبي طالب، ولكن الصحابة تمالؤوا على ظلمه، وكتمان الوصية على حد زعمهم الكاذب.
ولم يزل التشيع يتطور بتطرفه، وتشعبه، حتى صار ملجأ لكل من يريد أن يحارب الإسلام والمسلمين، وظهر فيه القول بأن القرآن مبدل ومحرف، ومزيد فيه، ومنقوص منه، وأن أعظم الصحابة ارتدوا بعد إسلامهم إن لم يكونوا كلهم، ما عدا علي بن أبي طالب ونفرًا قليلًا معه.
وقد يصل الضلال ببعضهم والجرأة على الله – تعالى – إلى أن يقول بخيانة جبريل للرسالة، وأنه أرسل إلى علي فعدل بها إلى محمد.
ولم يزل الرفض يبتعد أهله عن الدين والعقل والفطرة إلى يومنا هذا.
ثم ظهر القول بإنكار الصفات لله – تعالى -، وأنه لا يحب أحدًا من عباده ولا يحبه أحد، ولا يتكلم، وليس له يد، ولا وجه، ولا شيء مما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله.

(١) معبد الجهني البصري: تابعي، كان داعية في ضلال، قال الدارقطني: حديثه صالح ومذهبه رديء. تكلم فيه كثير من السلف من أجل قوله بنفي القدر، قتله عبد الملك سنة ثمانين. انظر " تهذيب التهذيب" (١٠/٢٢٥) .

1 / 10

وكان أول من عرف بذلك، رجل يقال له: الجعد بن درهم (١) .
قال شيخ الإسلام: " أصل مقالة تعطيل الصفات، مأخوذ عن تلامذة اليهود والمشركين، وضلال الصابئين، فإن أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في
الإسلام – أعني أن الله ليس على العرش حقيقة، وأن الاستواء بمعنى الاستيلاء، ونحو ذلك – هو الجعد بن درهم، وأخذها عنه الجهم بن صفوان، وأظهرها فنسبت مقالة الجهمية إليه.
وقد قيل: إن الجعد أخذ مقالته عن أبان بن سمعان، وأخذها عن طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم، وأخذها طالوت عن لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر، الذي سحر النبي –ﷺ –" (٢) .
وهذه سلسلة يهودية لها سوابق في محاربة الإسلام.
وقال البخاري: " حدثنا قتيبة، حدثني القاسم بن محمد، حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن حبيبة، عن أبيه، عن جده، قال: شهدت خالد بن عبد الله القسري بواسط في يوم أضحى ... وقال: ارجعوا فضحوا تقبل الله منكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، تعالى الله علوًا كبيرًا عما يقول ابن درهم، ثم نزل فذبحه".
قال أبو عبد الله: قال قتيبة: " بلغني أن جهمًا كان يأخذ الكلام من الجعد بن درهم" (٣) .
فتبين أن هذا الإلحاد جاء من قبل اليهود الذين أرادوا إفساد دين الإسلام،

(١) عداده في التابعين، قتله خالد بن عبد الله القسري على الزندقة، يذكر أنه جعل في قارورة ماء وترابًا، فاستحال دودًا، فقال: أنا خلقته. وهو فارسي، قتل سنة ١٢٤، انظر " البداية والنهاية" (٩/٣٩٤) .
(٢) " مجموع الفتاوى" (٥/٢٠) .
(٣) "خلق أفعال العباد" (ص٢٩-٣٠) ورواه عثمان بن سعيد في "الرد على الجهمية" (ص٢٥) .

1 / 11